كتاب عربي 21

دلالات خطاب حفتر حول تصحيح المسار وطلب التفويض

1300x600

لم يعتد حفتر يوما بأي من مكونات المجتمع الليبي، ولم يهتم لأحد وهو يعد العدة لمشروعه، حتى إنه لم يذعن لطلبات البرلمان للاستجواب وهو الذي عينه، ولم يعلم أعضاءه بهجومه على طرابلس، فلماذا يطلب اليوم تفويضا؟! ولما يهيب بالمجتمع المدني لاتخاذ قرار يصحح الوضع؟!

النظرة التحليلية لكلمة حفتر الأخيرة تنبئ بأنه يقر بشكل ضمني بمأزق مشروعه القائم على سحق كل من يعارضه بقوة السلاح والوصول إلى الحكم عبر الدبابة، إذ لم يكن حفتر في حاجة أحد ليقرر ماذا يفعل، وعندما يتحدث عن مبادرة ذات طبيعة سياسية بامتياز تناط بمكونات سياسية واجتماعية ومجتمعية، فهو يحاول الالتفاف على الانكسار الذي يحيق بقواته ويناور لامتصاص صدمة خسارة مواقع حيوية جدا كان يريدها نقاط انطلاق لهجوم أوسع.

لقد طالب حفتر "القوى المجتمعية" باتخاذ قرار يفضي إلى تصحيح المسار، والتصحيح عنده يعني إسقاط المجلس الرئاسي، والغاية هي إلغاء الاتفاق الأمني والعسكري التركي الليبي، ذلك أن الدعم التركي أسهم بشكل كبير في المأزق العسكري الذي يواجهه حفتر.

كما أن لذكره الدولة المدنية المنشودة في خطابه مغزى ذلك أنه أيقن بازدياد الداعمين للدولة المدنية والرافضين للعسكرة، فاحتاج أن يذكرها كغاية ومطلب علها تفيد في احتواء الموجة المضادة، وهو تحول ملحوظ يكشف عن قلق وخوف من تداعيات أكبر لتراجع قواته وتحولها إلى وضع المدافع المتقهقر؟!

إن حث حفتر الفاعلين في المجتمع المدني على اتخاذ قرار تاريخي يصحح المسار يظهر كم كان التغيير كبيرا في كلامه، كما أنه يكشف عن براغماتية باتت ضرورية لمواجهة المأزق الراهن، لعل المناورة تسعفه لاحتواء الصدمة، أو تنفع في الحد من آثار انكسار الموالين له في المنطقة الغربية.

أما مسألة التفويض فمن المؤكد أنها تتناغم مع حقيقة المأزق الذي يواجهه مشروعه العسكري، وأن التداعيات الكبيرة التي أعقبت دحر القوات الموالية له في صرمان وصبراته ورقدالين والعجيلات والجميل وحصار ترهونة قد يكون لها أصداء في الجنوب أو حتى في الشرق تؤدي إلى خلخلة القاعدة الصلبة التي يقف عليها.

 

لقد طالب حفتر "القوى المجتمعية" باتخاذ قرار يفضي إلى تصحيح المسار، والتصحيح عنده يعني إسقاط المجلس الرئاسي، والغاية هي إلغاء الاتفاق الامني والعسكري التركي الليبي، ذلك أن الدعم التركي أسهم بشكل كبير في المأزق العسكري الذي يواجهه حفتر.

 



أتصور أن حفتر يدرك أن مأزق العاصمة قد يعقبه جولة من التفاوض قد لا تكون كما يريد، وبالتالي فإن تفويضا شعبيا قد يؤهله لاحتواء سيناريوات التوافق المحتملة، فحالة الضعف عقب انكسارات قواته في الغرب الليبي قد تفضي إلى فراغات توفر هامشا لمكونات سياسية في الشرق للتفاوض بحرية أكثر ودون ضغوط، فكانت فكرة طلب التفويض استباقا لمثل هذه التداعيات المحتملة. 

لا جرم أن خطاب حفتر جاء خلافا لكل خطاباته منذ الهجوم على طرابلس في نيسان (أبريل) 2019م، بل إنه مختلف حتى عن خطاباته قبيل الحرب، فالتعويل على المجتمع المدني لم يكن ضمن أجندته، والدستور لا قيمة له قبل النصر والتحرير كما صرح في أكثر من مناسبة سابقة، والتأمل في مضامين الخطاب، بعيدا عن اللغة المتعالية التي جاءت للتورية، يتأكد أن حفتر يواجه تحديا يربكه ويتخبط بحثا عن مخرج يحفظ ماء وجهه ويضمن عدم وقوع هزيمة تقضي على آماله.

غير أن الضعف الظاهر في الخطاب، والارتباك الجلي في مقاربة المأزق لا يعني أن حفتر إلى زوال أو أنه تخلى عن طموحه أو أرجع السيف إلى الغمد بشكل نهائي، فهي المناورة التي يلتقط من خلالها الأنفاس انتظارا لمواصلة الداعمين لدعمهم ليواصل هو الحرب وينتزع ما يرنو له بالقوة.