قضايا وآراء

خطاب النصر

1300x600
يُمكنُ وسمُ خطاب الرئيس الفرنسي "ماكرون" لليلة البارحة (14 حزيران/ يونيو 2020) بـ"خطاب النصر"، أي الإعلان الرسمي عن التحكم في وباء "كوفيد- 19"، وهو الخطاب الرابع منذ بداية انتشار الجائحة في البلاد. والواقع لم يكن خطاباً لتأكيد محاصرة فرنسا للوباء وكسر حلقات انتشاره فحسب، بل كان أيضا مناسبة لإبراز العناصر الرئيسة لرؤية فرنسا ما بعد الجائحة، والتوجهات التي تنوي اعتمادها لإعادة بناء الاقتصاد والمحافظة على الأمن الصحي الوطني، وتعزيز المشروع الأوروبي ليكون قادراً على مواجهة التنافس الأمريكي الصيني.

غلبت على الخطاب روحُ التشديد على قدرة فرنسا على التصدي للوباء والانتصار عليه في مرحلته الأولى، كما لم تفتُه التأكيد على عزم الدولة، بكامل مؤسساتها ونخبها، على مواجهته إن عاد إلى الانتشار من جديد، فالوباء لم ينته بل ما زال موجودا، ويجب التعايش معه، والاحتراز من تجدّد عودته. لذلك، ناشد الرئيس "ماكرون" مواطنيه بالبقاء يقظين، محترمين للبروتوكولات الصحية المحددة والمطلوبة من قبل الجهات ذات العلاقة، ومتكاتفين من أجل القضاء على الوباء نهائيا.

ويلاحظ المتابع للخطاب وقوف الرئيس الفرنسي عند نجاحات إدارة الأزمة، أو الحرب ضد الجائحة، كما نعتها في خطبه السابقة، وافتخاره بالأداء الذي أبداه كل المنخرطين وطنياً وجهويا، من طواقم صحية وإدارية، والنخب الترابية، وجمعيات المجتمع المدني، ومؤسسات الدولة طبعا. بيد أن ذلك لم يمنعه من الإشارة إلى وجود ثغرات ونقائص وعجز أحيانا في مواجهة الوباء، ليشدد على أهمية تحقيق فرنسا لاستقلالها مستقبلا، وتجنب الاعتماد على غيرها، أو الاضطرار إلى اللجوء إلى دول الجوار أو البلدان البعيدة، لسدّ ما عجزت عن توفيره بشكل ذاتي، واعتمادا على إمكانياتها الوطنية.

أبرز الخطاب أيضا المجهود الكبير الذي بذلته الدولة لدعم النسيج الاقتصادي خلال الأشهر الثلاثة السالفة من تطور الوباء، والبالغ 500 مليار يورو، وهو رقم لافت. كم من دولة قدمت ما يناظره؟ تساءل الرئيس "ماكرون"، وهو ما جعله يدعو إلى الافتخار بما قام به الفرنسيون خلال هذه المرحلة الأولى من تطور الجائحة، والاعتزاز بالنموذج الاجتماعي السائد في فرنسا، مشددا على عزم الدولة على إعادة بناء الاقتصاد، ورفع أدائه لتكتسب فرنسا المكانة اللائقة بها، وتستعيد قوتها الإنتاجية التنافسية في العالم.

لم يتضمن الخطاب معطيات تفصيلية عن الرؤية الجديدة لما بعد "كورونا"، معلنا أن خطاب تموز/ يوليو المقبل، بمناسبة ذكرى الثورة الفرنسية، سيكون مناسبة للكشف عن مضمون ما تنوي فرنسا الإقدام عليه، على كل المستويات، وبالنسبة لكامل الخطط والاستراتيجيات. غير أن الخطاب وقف عند العناصر المفتاحية لما أسماه "ماكرون" الإسراع في توسيع رفع الحجر، أي عودة الحياة الطبيعية إلى الربوع الفرنسية، وهي في الإجمال عشر نقاط ذات أهمية واضحة، تصدرتها عملية عودة المدارس ومؤسسات التعليم ورياض الأطفال إلى وضعها الطبيعي، وبشكل إلزامي ابتداء من الثاني والعشرين من هذا الشهر، مما يعني التحاق عشرة ملايين فرنسي بأقسامهم، وإعادة انطلاق حركة التعليم في كل مؤسسات التعليم الفرنسية، وهو مؤشر دالّ ومهم جدا بالنسبة للتربية والتكوين، والاستثمار في المعرفة.

إلى جانب هذا، ستفتح المقاهي والمطاعم في كامل التراب الوطني، مع ما يمكن أن ينتج عن هذا الإجراء من إسقاطات نفسية واقتصادية إيجابية، لا سيما وأن هذا القطاع يحتل مكانة خاصة في فرنسا، وله ارتباط وثيق بالسياحة، وما تتفرع عنها من خدمات.

ومن ضمن عناصر هذا الخطاب، كذلك، قضية فتح الحدود داخل الفضاء الأوروبي ومع العالم، وهذا ما قامت وستقوم به فرنسا وفق إجراءات احترازية، توازن بين المحافظة على الأمن الصحي والعودة إلى الحياة الطبيعية. وقد حدد الخطاب منتصف هذا الشهر لفتح الحدود مع أوروبا وبداية شهر تموز/ يوليو المقبل مع العالم.

إلى جانب كل ما سبق، أولى الخطاب اهتماما بالانتخابات البلدية المزمع تنظيمها في الثامن والعشرين من شهر حزيران/ يونيو، حيث تم التمسك بها، وستُجرى وفق الإجراءات الاحترازية المعمول بها، علاوة على الاهتمام بـ"دور التقاعد ومؤسسات رعاية المسنين"، التي شكلت أكثر الأمكنة تضررا بوباء "كوفيد- 19".

وفي السياق نفسه، أبرز الخطاب الفجوات التي كشفتها الجائحة بالنسبة لفرنسا ولعموم الأقطار الأوروبية، حيث غدت القارة تابعةً لدول أخرى من خارجها، من حيث المعدات اللازمة لمواجهة الوباء (الأقنعة الواقية، المعقمات، القفازات..)، وهو ما يستلزم مستقبلا إعادة بناء استقلالية دول القارة في مثل هذه المجالات.

أما قطاع الاقتصاد، فحظي بحيز هام في نص الخطاب، من حيث تجنب رفع الضرائب، والامتناع عن التسريحات في مؤسسات الشغل، وإعادة الحياة لعجلة الإنتاج الاقتصادي، ودعم القطاعات الاستراتيجية.

وختم الخطاب بالإشارة إلى مشكلة "التمييز العنصري" التي تعالى التنديد بها مؤخرا، وعنف أجهزة الأمن والشرطة، والاختلالات الاجتماعية بشكل عام. كما أن الرئيس كعادته لم يفته استحضار الأمة الفرنسية وتاريخها، والتراكمات المشتركة التي كانت في أصل بنائها، مجددا إعلانه عن المحافظة عن كل هذا المشترك التاريخي، وعدم التفريط في أي عنصر من عناصره.