أخبار ثقافية

إلياس فركوح قاصا.. خياط اللغة العارية

إلياس فركوح أديب أردني - تويتر

كان يوم الخامس عشر من تموز الجاري يوما حزينا في الوسط الثقافي الأدبي في عمان. فقد اُستنفرت وسائل التواصل الاجتماعي لتبثّ عبارات الوداع لأحد أهم أدباء الأردن؛ إلياس فركوح، الذي تداخلت سيرته بسيرة عمان منذ مولده فيها عام 1948.


وظلت عمان محور المكان والزمان في أعماله القصصية والروائية، وشكّلت مع شقيقتيها القريبتين، القدس وبيروت، زوايا مثلث السيرة الحياتية والأدبية للأديب الراحل.


تمتد تجربة إلياس فركوح الأدبية لبعضٍ وأربعين سنة، وتشمل إلى جانب القصة والرواية، الترجمة والمقالة والكتابة النقدية والفكرية. ولو أوقف تجربته على القلم والورق لكفته حضوراً متميزاً، ولكنّ وعيه الذي تشكل في حواضن الوعي القومي، وتغذّى من مشارب الفكر الاجتماعي والسياسي، أبى عليه إلا أن يكون مثقفاً فاعلاً في الشأن العام الثقافي.


حتى وفاته المفاجئة، كان إلياس فركوح وجهاً مشرقا وصوتا مسموعا في المجال الأدبي في عمان، وفي العواصم العربية. وجعل من "دار أزمنة للنشر والتوزيع" بيتا لأجيال متعاقبة من الكتاب العرب، مشارقة ومغاربة، وأصدر عشرات الترجمات من الآداب العالمية.


وفي السنوات الأخيرة، كان إلياس فركوح، ناشطاً على مواقع التواصل الاجتماعي، يغني الآلاف من قرائه بآرائه، ويغمرهم بدفئه وتفاؤله ومحبته.  


بدأ إلياس فركوح الكتابة قاصاً، ونشر خلال ربع قرن سبع مجموعات قصصية، الأولى في عام 1978 بعنوان (الصفعة) والأخيرة في عام 2002 بعنوان (حقول الظلال). وتعود أولى قصصه المنشورة إلى عام 1976، وهي قصة (الشيخ أحمد) المنشورة ضمن قصص مجموعته الأولى. 


في مجموعاته السبع، ظل إلياس فركوح مخلصاً لرؤيته الخاصة لفن القصة، ومنشغلاً بتطويرها وتعميق مسارها، رؤية قوامها التقارب الشديد بين الذات الكاتبة والذات الراوية.


اعتمد إلياس فركوح في بناء قصصه على آليات البوح الوجداني، وتداعيات الذاكرة المتحررة من الالتزام بالتسلسل المنطقي للزمن والنهايات المألوفة، واللغة غير المحايدة، المنحازة لموقفه الإيديولوجي.


 وإن أول سمة يمكن ملاحظتها في مجموعة (الصفعة) أنها نتجت عن التصادم بين حساسية إلياس فركوح الفنية بوصفه كاتباً شاباً يملك وعياً حاداً تجاه قضايا أمته، وبين الأحداث السياسية الكبرى التي مرت بالمنطقة العربية خلال الستينيات والسبعينيات، بدءاً من نكسة عام 1967، إلى الحرب الأهلية في لبنان، وحتى سقوط مصر والعرب جميعاً في تبعات اتفاقية كامب ديفيد. 


وتصادمت هذه الأحداث مع وعيه في بواكير تشكل حساسيته الفنية. فكان ذلك التصادم مباشراً وحاداً، وفرض على إلياس فركوح أن يبرز شخصية البطل الحائر اليائس العاجز المهزوم.


في مجموعته الثانية (طيور عمان تحلّق منخفضة) الصادرة عام 1981، تتحرر حساسية إلياس فركوح من وقع الهزائم، وإملاءاتها الفنية. فتبدو القصص فيها أنضج من الناحية الفنية، وتتغلّب فيها المضامين الاجتماعية على السياسية، ويتراجع الحدث السياسي ليشكّل خلفية مسرحية لقضايا إنسانية تعبر عن انحيازات إيديولوجية لدى إلياس فركوح نحو الفقراء والمرأة ومناضلي الحرية. 


 وتتشكّل قصص المجموعة وفقاً لهذه الرؤية الاجتماعية الطبقية، ويستخدم إلياس فركوح لغة وصفية غير محايدة لخدمتها: " اصطدم ذقنها بشعره الخشن فشمت رائحة عَطَن الجلد المدبوغ... ملمس شعره له مذاق الحزن". قصة (أيوب.. يا أيوب). 


" كانت تنتظر. وهي بانتظارها هذا القريب من بصمة قدر دُمغت به على جلدها الأسمر، كانت تأمل أن يأتي ذات يوم". قصة (ثريا تنتظر.. ثريا تحلم). 


" قوارب الصيادين المرفوعة فوق رؤوسهم كالنعوش". (القصة السابقة). 


" اختلطت الأدوار واندغم اللاعبون. تارة مدافعون وتارة مهاجمون. مرة أصدقاء وأخرى أعداء... خوارج وأمويون. قرامطة وعباسيون. مستعمِرون ومستعمَرون. مضطهِدون ومضطهَدون. أغنياء وفقراء. صهاينة وعرب. عرب وعرب".  قصة (طيور عمان تحلق منخفضة). 


وتنسحب الرؤية نفسها على تشكيل المكان في قصص المجموعة، فتبدو عمان مدينة شريرة قاسية على الفقراء: " حمد يرتجف ويبيع الحرب في الجرائد، والحرب تدور به في المدينة" قصة (أيوب.. يا أيوب). 
" سماء عمان تمطر برداً ورصاصاً في الأفق" (القصة نفسها). 


" أفق عمان لحظة سقوطها في أول الليل سحابة نزف هائلة" قصة (طيور عمان تحلق منخفضة).   
" يدور حولها كفريسة آن الإجهاز عليها. ترى في وجهه بشاعة عمان ساعة خلعها لسكانها عند نهاية النهار" قصة (اللعبة).


 المجموعة الثالثة ( إحدى وعشرون طلقة للنبي) صدرت في العام 1982، وتمثّل ذروة جديدة في التطور الفني عند إلياس فركوح، وتشكّل مع مجموعتيه السابقتين الدفقة الأولى من تجربة إلياس فركوح الكتابية، أو المرحلة التأسيسية لأسلوبه الفني الذي سيصبغ مجمل تجربته الإبداعية. 


وأبرز ما يستوقف الدارس لهذه المجموعة سمتان: الأولى  مضمونية وهي انفتاح قصص المجموعة على التجارب الطفولية واستقاء المادة القصصية من خزين الذاكرة. والثانية فنية وهي اللغة الشعرية التي تبطّن السرد. 


واجتماع السمتين غلّف القصص بمسحة من الغموض جعلتها أقرب إلى مادة الحلم منها إلى مادة الواقع، فصارت المدينة بتفاصيلها المكانية، وفصل الشتاء بأجوائه المعتمة الباردة، عناصرَ رمزيةً ذات بعد نفسي شعوري، وغدت الشخوص أشبهَ بالأشباح الخارجة من إعماق النفس.


أصدر إلياس فركوح المجموعة الرابعة (من يحرث البحر) عام 1986، بعد توقف لأربع سنوات. والقارئ لقصص هذه المجموعة يستشعر نقلة فكرية حدثت عند الكاتب، أبرز ملامحها تراجع الحدث السياسي المباشر في مضامين القصص، وتحوله إلى ظلال رمزية شفافة تحيط بالشخوص والأحداث وتدفعها نحو التحرر من رتابة الحياة وثقل الواقع. قصة (من يحرث البحر). 


وتبدو شخوص القصص منشغلة بالتحديق في دواخلها، وباحثة عن خلاصها الذاتي في رحلة البحث عن الجذور، وطارحة لأسئلة الهوية دون أن تجد إجابات حاسمةً لها. قصة (نوافذ على بحر الغريب). 


إن الأسئلة الحائرة تمثل العنوان الضمني لقصص هذه المجموعة، أسئلة الحرية والزمن والخيارات الوجودية القلقة، وتَحمّل الوعي للكلفة الباهظة للوجود وثقل المسؤولية نحو العائلة والارتباط العاطفي بالآخر . قصة (نقطة عبور) وقصة ( محطات الرجل والمرأة). 

 

وفي قصص المجموعة حس واضح بالاغتراب يبلغ حد القطيعة مع المجتمع. قصة (الجدار الأخير). وهذا يفسر أن الشخوص في بعض القصص مسافرة، أو عائدة من السفر، أو حالمة بالسفر. 


وفي قصص أخرى شخوص متقدمون في السن نبذهم مجتمع لا يرحم الضعفاء، فوجدوا أنفسهم محبوسين في دائرة الاغتراب الذي يفرضه المجتمع على هذه الفئة من الناس. 


(أسرار ساعة الرمل) هي المجموعة الخامسة لإلياس فركوح. وصدرت طبعتها الأولى عام 1991. والعنوان الضمني لها هو (التأمل). والتأمل هو المدخل إلى التفلسف.


وتظهر هذه النزعة في القصة الأولى -عنوان المجموعة- وهي القصة الأطول في المجموعة، وفي كل ما كتب إلياس فركوح من قصص. وفيها يفلسف فكرة الزمن من خلال التأمل في ميكانيكية عمل الساعة الرملية التي توحي له بفكرة دائرية الزمن حاملاً معه (الأحداث والأشخاص والحركات والملامح والأسرار) على نحو معكوس. 


إن هذه القصة تتناول شخصية كاتب يؤلف قصة تنقلب أحداثها عليه كانقلاب الذرات في ساعة الرمل، ويتلاشى فيها الفاصل الفني بين الراوي وشخوصه لتغرق كلها في دوامة الرمل، ويؤخذ الراوي بجريرة شخوصه.


مجموعة (الملائكة في العراء) سادس مجموعات إلياس فركوح. صدرت طبعتها الأولى عام 1997. ولعل أفضل مقاربة لقراءة هذه المجموعة هي المقاربة التي تتوسل أدوات التحليل النفسي؛ فالقارئ لقصص المجموعة يحار في فهم دوافع الشخصيات ما لم يستخدم أدوات المنهج النفسي للنفاذ إلى عقلها الباطن في محاولة لفهم أفعالها المحكومة بدوافع قسرية، منها الخوف المرضي الذي يرقى إلى درجة الرهاب. 


ويمكن القول إن رهاب العالم الخارجي يسيطر على الشخصيات القصصية في هذه المجموعة، ويتحكم في أفعالها وردود أفعالها، ويدفعها إلى الهروب من العالم الخارجي، والبحث عن ملجأ يحميها من الخطر المتوهم، ففي حالة الرهاب تشعر الشخصية بتوقف الزمان في لحظة الرعب، وتشعر بعدوانية المكان وتهديده. 


هذه الحالة العصابية تبدو واضحة في قصة ( رجل لا أعرفه). وفي هذه الحالة لا يمكن للقارئ أن يفصل فصلاً دقيقاً بين الواقع الذهني والواقع الخارجي، لأن الشخصية العصابية نفسها عاجزة عن التفريق بينهما، و يعزز هذا التشوش أعراضُ فقدان الذاكرة واضطراب الإحساس بالزمان والمكان. 


 وفي قصة (الذي لم ينخدع ثانية) يدفع الرهاب الشخصية إلى إغلاق الباب على نفسه، بالمعنى الحرفي، لحماية نفسه من الحرب التي احتدمت في الخارج. هذا الفعل الانسحابي الهروبي يردّ الشخصية إلى حالتها الطفلية فيغدو الاحتماء بالبيت معادلاً موضوعياً للاحتماء بحضن الأم.


 ومن خلال تحليل التداعيات الذهنية للشخصية تتضح حالة الرهاب تجاه العالم الخارجي التي تسيطر عليها منذ الطفولة وتدفعها عند كل أزمة إلى رد فعل قسري يتمثل في الاحتماء بحضن الأم. وبرحيل الأم يصبح البيت هو الملجأ المادي البديل، وهو في الوقت نفسه نكوص نفسي إلى المرحلة الطفلية. 


في (حقول الظلال) آخر مجموعات إلياس فركوح القصصية ينحو السرد منحى التحرر من ضوابط البناء المتعارف عليها في التجنيس القصصي، وينحو أكثر نحو استدعاء الذاكرة البعيدة  والتقاط الأحداث والتفاصيل والوجوه اعتمادا على حضورها النفسي.


 يغيب الحدث وتحضر التفاصيل البسيطة ببعدها العاطفي. والحرب حاضرة في قصص المجموعة يوصفها ظلالاً لأحداث بعيدة وماضية، لكنّ آثارها منطبعة في نفوس الشخصيات كندوب لا تنمحي، لذلك لا تجد الشخصيات بديلاً أفضل من التصالح مع ذواتها المعطوبة. 


وتتخفف لغة السرد من محمولاتها الإيديولوجية، والموضوعات من انحيازاتها السياسية والطبقية الاجتماعية، بل تميل نظرة إلياس فركوح في هذه المجموعة إلى الرومانسية، كأنه يعيد اكتشاف الحب، أو كأنه يخلص إلى أن الحب هو القيمة النضالية الأبرز في الوجود. 


وإذا كان لا بدّ من عبارة واحدة تلخص رحلة إلياس فركوح في فن القصة القصيرة،  فهي أنه بدأ كتابة القصة محترفا وأنهاها هاويا، فبعد أن احترف الرواية، لم تعد القصة غواية أو مغامرة مُلحّة، كما لم تعد بنية مكتملة العناصر. وصارت نوعاً الحنين إلى الماضي، أو لحظة تأملية، أو استعادة لذكرى، أو رسائل قصيرة متباعدة من حيث الزمن يبعث بها إلى نفسه وأصدقائه وقرائه ليقول لهم: كنا هناك، وما زلنا هنا.