قضايا وآراء

الحركة الإسلامية وإعادة بناء الذات: من نظرية المؤامرة والمظلومية إلى الواقعية (5)

1300x600
لم يمر أي تنظيم مدني عالمي بالمحن والتضييق كما مرت جماعة الإخوان المسلمين، فمنذ تأسيسها تم اغتيال مؤسسها، ومرت في مصر بمحنة الخمسينيات والستينيات، ثم ها هي تواجه ذات المحنة والسيناريو على يد العسكر في الزمن الحالي.

كما مرت فروع الجماعة في معظمها بذات المحن والابتلاء ولاقت ذات المصير في معظم الدول العربية، إلا ما ندر. واجهت الجماعة وكثير من فروعها القتل والتشريد واللجوء والسجن والسحق والتعذيب، واليوم تمر بذات السيناريو ولكن بشكل أشمل ومنظم في معظم دول المنطقة.

لكن هل استفادت الحركة الإسلامية من تلك التجارب القاسية لتتجنبها في المستقبل؟ وكيف شكلت تفسيراتها لتلك المحن المتوالية التي لازمت مسيرة الجماعة على مر قرن من الزمان تقريبا؟

الواقع يقول إن الحركة الإسلامية لم تستفد من كل تلك التجارب القاسية التي دفع فيها أفراد هذه الحركة الدماء وزهرات العمر خلف قضبان السجون، وأن الحركة الإسلامية كانت تستخدم شماعة نظرية المؤامرة في تفسيراتها لكل تلك الإخفاقات، وتستخدم منظومة المظلومية والاستمتاع أحيانا بدور الضحية في التهوين من تلك الابتلاءات والمحن أمام القواعد، لاستكمال تكرار ذات التجارب والسير على ذات الخط في إدارة الأزمة، والمحافظة على سلامة الفكرة والأيديولوجيا كما يظنون.

قلّما تجد في الكتب التي كتبها أعضاء الإخوان المسلمين في مصر عن محنة الخمسينيات والستينيات تقييما موضوعيا لما جرى، فمعظم الكتابات كانت تفسر ما جرى بالمؤامرة المدبرة من قبل العسكر والقوى الخارجية، والبعض الآخر من الكتابات كان يركز على ما تعرضوا له في السجون من أصناف التعذيب والقهر والإذلال، والتي برعت بها زينب الغزالي والكثير ممن كتب بعد الخروج من السجون. وبعد ذلك انتشر أدب السجون من شعر وروايات لا زالت تُنتج بكثرة وتتداول في الأوساط التنظيمية للحركة الإسلامية في معظم دول العالم.

شماعة المؤامرة، وندبة المظلومية، والاستمتاع بدور الضحية.. هي ذات الأدوات التي تواجه بها الحركة الإسلامية كل المحن التي مرت عليها عبر قرن من الزمان، دون أن تتطرق إلى وسائل أخرى تنقل تلك المحن والابتلاءات من التفسير بالمؤامرة إلى التفسيرات الواقعية والدراسة العلمية لتلك المحن والابتلاءات.

كل ذلك يتقصده الإخوان بهدف المحافظة على النظرية الأيديولوجية التي يؤمنون بها، ومواجهة الضغوط التي يمارسها خصومهم من أجل تفكيك الجسم التنظيمي الهرمي الذي يتشكلون به.

(1) عقلية المؤامرة

التفسير الأكثر سهولة وتسطيحا أن الجماعة تتعرض لمؤامرة وكل شيء مخطط له، فأحداث 1952 في المنشية مؤامرة، وأحداث 1965 مؤامرة، وأحداث سوريا مؤامرة، والثورات المضادة مؤامرة، وتهديد الغرب وتخوفه من الجماعة ومشروعها الشمولي مؤامرة، ووقوف الجماعات الإسلامية الأخرى ضد نفوذ وتمدد جماعة الإخوان مؤامرة وعمالة للأجهزة الأمنية.. دعم الغرب للأنظمة في وجه الإخوان.. الخ.. قد تكون عقلية المؤامرة في تفسير الأحداث لها ما يعززها على أرض الواقع، لكن المشكلة في الإغراق في عقلية المؤامرة للهروب من التفسيرات الحقيقية لتلك المحن وتحمل المسؤوليات.

وما هي البيئة الحاضنة لعقلية المؤامرة لدى الإخوان؟

ما هي المؤامرة التي يفسر بها الإخوان كل محنهم؟

ولماذا الإغراق في عقلية المؤامرة لدى قيادات الإخوان؟

وما هي آثار عقلية المؤامرة في تفسير الأحداث على الإخوان؟

يمكن تعريف المؤامرة بأنها تدبير مكيدة من قبل دول أو منظمات أو أشخاص بشكل خفي؛ يقصد به إلحاق الضرر والأذى بالآخرين لبواعث الدين أو العرق أو الجنس.

من هذا التعريف يمكن التفريق بين المؤامرة وبين الصراع على المصالح الذي يقوم به بعض الأشخاص أو المنظمات أو الدول؛ من أفعال لتحقيق الأهداف والمصالح الخاصة بهم.

- البيئة الحاضنة لعقلية المؤامرة في البنية الإخوان

الممارسات العملية قد تجعل من البيئة الإخوانية البيئة الأكثر خصوبة، والبيئة المثالية لاستنبات عقلية المؤامرة والإيمان، بها إذ تنمو وتترعرع في الظروف التالية:

ضعف المعرفة السياسية: لا شك بأن ضعف المعرفة والثقافية السياسية هو المحرك الرئيسي لاستنبات عقلية المؤامرة، حيث أصبحت الأسر والكتائب الإخوانية هي المرجعية الثقافية للفرد الإخواني.. أسر وكتائب تتناول وتقدم مناهج تعليمية بعضها تم تأليفه في عصر العشرينيات والثلاثينيات حتى عقد الستينيات، مناهج مشبعة بالمفردات الأيدولوجية، وتقوم على الإيمان والإعجاب بالأمثلة المعيارية التي كانت سائدة في بداية القرن العشرين؛ من الحركات والتنظيمات الشمولية وفكرة التنظيم الواحد، والتي لم يعد لها وجود في الزمن الحالي، وتعتبر مفردات سياسية من مخلفات القرن السياسي المنصرم، حتى أن هذه النماذج المعيارية أصبحت تذكر في الدول الحديثة كمثال للرجعية والتخلف والانحراف السياسي، مثل النازية والفاشية.

الضعف الفكري: لا تكاد تجد مساهمة حقيقية للعالم العربي في الفلسفة والفكر الحديث، وخصوصا في العلوم السياسية، فكل العلوم الإنسانية الحديثة والتي هي البنية التحتية لبناء الأمم والحضارات في العصر الحديث هي منتجات غربية خالصة، من الديمقراطية إلى حقوق الإنسان إلى علم الإدارة إلى علم الاجتماع إلى الفلسفة.. الخ.

ما يقوم به الإخوان في مناهجهم هو تقديس للعلوم السياسية القديمة والتي أنتجها المسلمون القدماء، والتي كانت في وقتها حالة متقدمة، إلا أنهم عجزوا عن تطويرها والبناء عليها، ودخلوا في مرحلة التقديس الذي قاد للجمود. فمن يعيش على المنتجات الفكرية القديمة بالتأكيد سيفسر الأحداث وفقا لتلك المعارف والأفكار والفلسفات، وستجد عقلية المؤامرة البيئة خصبة لتترعرع وتنمو.

هذا الايمان المقدس للعلوم السياسية القديمة جعل من الإخوان فئات محجمة عن القبول بما يتم إنتاجه من العلوم السياسية الحديثة، وإن تم القبول بها يتم هضمها بشكل بطيء جدا وبعد عقود من ميلادها وبعد فوات الأوان، وبعد أن يكونوا قد هاجموها لعقود من الزمن ويتعاملوا معها على أنها غزو ثقافي وفكري.

ما يقوم به الإخوان تجاه العلوم السياسية الحديثة حالة تشبه حالة الاعتماد على العلوم الطبية القديمة في معالجة الأمراض المستعصية التي تظهر حديثا، فلا شك بأن تلك العلوم تعتبر أشبه بالشعوذة الطبية التي لا تطبب علة بالمقارنة مع علوم الطب الحديث.

الاستبداد السياسي: يكاد يسمى الاستبداد السياسي بالأب لعقلية المؤامرة أو الرحم الولود لها، إذ أن الإستبداد وانعدام الأفق السياسي وما يفرزه من آثار على الحياة السياسية؛ يكون الحاضنة الرئيسية لعقلية المؤامرة، فلا شك بأن الإخوان لو وجدوا انفتاحا سياسيا سوف يكون تطورهم وتعلمهم وحركة مراجعاتهم أسرع واكثر نضوج، ففي البيئات المستبدة لن يكون هناك أفق للتطوير والتحول.

- لماذا يتمسك بعض الإخوان بفكرة المؤامرة؟

لا شك بأن فكرة وجود المؤامرة ملاذ جيد للقيادات الإخوانية أمام قواعدها، وذلك لـ:

التبرير: فعقلية المؤامرة ضرورة لتبرير العجز والفشل، وتبرير الانكسارات والهزائم والقرارات الخاطئة والنتائج الكارثية التي تترتب عليها، فهي أقرب شماعة يمكن أن تلقي عليها القيادات الإخوانية فشلها وتقصيرها، فأسهل طريقة للتنصل من تحمل المسؤولية هو الاحتماء بدرع وتبرير المؤامرة.

التبرؤ: عقلية المؤامرة ضرورة مهمة للقيادات الإخوانية للتخلص من آثار الممارسات التي أنتجت حالات شاذة، كما حصل عند ميلاد الفكر التكفيري في السجون الناصرية وميلاد التيار القطبي. فمثلا الاحتماء بعقلية المؤامرة من قبل القيادات الإخوانية كان ضرورة للتبرؤ من ظاهرة الفكر التكفيري كإفراز لمراحل الاضطهاد السياسي في الستينيات، فهذا التبرؤ كان أسهل طريق للخلاص من هذا المولود الشاذ وإفرازات الظروف السياسية المستبدة والأفكار التي أنتجت الفكر التكفيري، والتي أنبتتها الأيديولوجيات الإسلامية واحتضنتها ودرّستها في مناهجها لفترة من الزمن. التبرؤ واتهام الخصم بأنه المسئول عن ميلاد هذا المنتج الشاذ وتعليل الظاهرة بأنها مؤامرة، فهو الطريق الأقل كلفة والأسهل للتملص من المسؤولية.

تضخم الأنا التنظيمية: عقلية المؤامرة ضرورة لإشباع الأنا التنظيمية. فالشعور بالاستهداف والظهور بمظهر المخلص المهم الذي تحوم حوله الخصوم والمؤامرات العالمية يساهم في جذب الفئات الشابة المتحمسة. فاستحضار عقلية المؤامرة أيضا يساهم في الشعور بالأهمية والاعتقاد بالاستهداف العالمي، مما يعطي ثقة في أبجديات المشروع الذي يبشر به على اعتباره المشروع الذي سوف ينهي كل مشاريع الحضارات الإنسانية الأخرى التي تتعارض معه، وأن هذا المشروع هو هادي البشرية ومخلصها من العذابات التي تعيشها.. الخ. تضخم الأنا التنظيمية باعث مهم من بواعث العيش بعقلية المؤامرة

تضخم الشعور بالماورائيات السياسية اللامحسوسة: دائما القيادات التنظيمية المشبعة بعقلية المؤامرة تحاول تفسير الأحداث الطبيعية على أنها صورة معكوسة لواقع مخفي، وهم وحدهم القادرون على اكتشاف هذا الواقع وفهمه، وأن الحيل لا تنطلي عليهم، فنجد مثل هذه التفسيرات بأن التكفير مؤامرة لضرب صورة الإسلام، وأن الثورات المضادة مؤامرة غربية لإبعاد القوى الإسلامية عن صناعة القرار، وأن كل ما يحدث في العالم هو تنفيذ لمخطط ما ترسمه الحكومة الخفية التي تحكم العالم.. هكذا أفكار وتفسيرات لا توجد إلا في منطق أهل الخيال والمتضخمين والمشبعين بالماورائيات السياسية، مع أن كل تلك الأحداث للمدققين في تفاصيلها سيجدها سياقا طبيعيا للأخطاء التي ترتكب من قبل من وقع عليهم الضرر.

- الآثار المترتبة على عقلية المؤامرة

لا شك بأن الاستحضار الدائم لعقلية المؤامرة في عقول القيادات والقواعد التنظيمية الإخوانية ترك أخطارا وآثارا سيئة على تطورات الحياة السياسية، وتتمثل تلك الأخطار بالتالي في:

عدم تصحيح الأخطاء: سهولة التبرير والتخلص من المسؤولية، وعدم المحاسبة وتصحيح المسير، مما يعني أن الأخطاء لن تصحح وأن من ارتكبها يبقى في مراكز صنع القرار؛ لأن تبرير ما حدث من وجهة نظرهم هو وجود مؤامرة خارجية قاهرة لا يد لأحد فيها إلا العالم الخفي غير المحسوس، مما يتسبب في وقف التطور واستمرار حالة العجز الفشل.

عقلية المؤامرة أخطر ما فيها أنها تقنع أصحاب القرار الخاطئ بأن الطريق صحيح إلا أن المؤامرة من أفشلتهم، فلذلك تتكرر ذات الممارسات ويحصلون مجددا على ذات النكبات والنكسات، وفي كل مرة تُستحضر عقلية المؤامرة للتنصل من المسؤولية، وهكذا يستمر الدوران في دائرة العجز والفشل لعقود وقد يمتد لقرون إن لم يتم الوصول إلى مرحلة الفناء.

ارتهان العقول للشك: يفقد الأخ المسلم الثقة في كل شيء، فيفقد الثقة بأي حدث مستجد، فتجد القواعد التنظيمية فاقدة الثقة بأي عملية إصلاحية أو أي محاولة للتغيير، لأنها أصبحت مقتنعة بأن كل شيء مدبر ومرتب من القوى الخفية، فتصل الأمور إلى مرحلة التبلد السياسي. فسيطرة عقلية المؤامرة تعني جمود التنظيم وتكبيله عن إحداث أي خدش في ردم البلادة والفشل الذي يسيطر على الأمة منذ زمن طويل.

(2) رفع شعار المظلومية والقبول بدور الضحية

بلا شك إن جماعة الإخوان تعرضت إلى جرعات كبيرة من الظلم والتجريف السياسي، ومورست بحقها كل أنواع الإقصاء والتهميش والتهشيم؛ من إعدمات سياسية إلى سجون صماء عمياء عاش فيها قادتها وأفرادها عقودا من الزمن، إلى تضييق ناعم في المعاش والكسب، إلى تهجير ولجوء قسري من بلدانهم وإلى مصادرة الأموال والممتلكات وحظرهم.. هذه الأفعال مورست بحق الإخوان منذ العشرينيات ولا زالت تمارس حتى يومنا الحالي في مصر وفي كثير من بلدان المنطقة.

هذه المظلومية التي وقعت على الإخوان أنشأت لدى الإخوان منظومة من ثقافة المظلومية وعيش دور الضحية، فتم تأليف الروايات التي تتحدث عن السجون والتعذيب والاضطهاد، ونُظمت الأشعار والأناشيد والقصائد (أدب السجون). ولاقت تلك المنتجات الأدبية رواجا كبيرا في صفوت النشء والشباب الإخواني، حيث تكون تلك الأدبيات أول ما يتلقاه الفرد الإخواني عند دخوله للتنظيم وجلوسه على مقاعد التلقي الفكري. وتم استحضار كل النصوص الشرعية والإسقاطات التاريخية، فعملت كل تلك المنتجات على تشكل الشخصية الإخوانية وفقا لمفهوم المظلومية والغربة والاضطهاد، ثم تطور الأمر لاستحضار المظلومية للمسلمين في كل دول العالم، ووصفها بطريقة مضخمة لإثارة الحماس والاحتقان الديني داخل الفرد الإخواني بجرعات كبيرة جدا.

كان لاغتيال الإمام البنا رحمه الله، ومن ثم سجن رفاقه سنوات طويلة، وإعدام سيد قطب، وفتح السجون لمعظم الإخوان؛ الأثر الكبير في تشكيل عقدة المظلومية، لينتج عن ذلك العيش بعقلية ودور الضحية، وتتطور الأمور بعد ذلك لتصبح ثقافة تستحضر لها كل الأدلة الشرعية، حتى وصل الحد إلى الاستمتاع في دور الضحية والتعايش معه، والرغبة أيضا في الوصول إليه لتوظيفه سياسيا واستدرار الشعبوية والتعاطف الشعبي من خلاله، ثم أصبح وسيلة من الوسائل التي يتم توظيفها في العمليات والمعارك الانتخابية.

العيش بعقلية المظلومية والوصول إلى مرحلة وحالة القبول بدور الضحية؛ له آثار كبيرة على تشكيل العقلية الإسلامية، ونتائج كبيرة وخطيرة على نتائج الممارسات السياسية أهمها:

• العيش بعقلية المظلومية وممارسة دور الضحية أنتج حالة كبيرة من من الاحتقان السياسي لدى أبناء الحركة الإسلامية تجاه الأنظمة القائمة، مما فاقم من الأزمة السياسية وعمّق ثنائية الصراع بين الأنظمة والإخوان المسلمين. هذا الاحتقان جعل الأنظمة المستبدة تصب عليهم مزيدا من التنكيل والاضطهاد، وواجهها الإخوان بمزيد من الصبر ومزيد من الاحتقان والقبول أحيانا.

• العيش بعقلية المظلومية والقبول بدور الضحية جعل من الفرد الإخواني يعيش حالة تركيب سياسي معقدة، فصنع منهم قادة في إدارة المعارضات المدعومة بالتعاطف الشعبي، لكن ذلك عمل على تفريغ كوادرهم من الاستعداد ليكونوا رجال دولة وجزءا من المنظومة السياسية، فنجد الإخوان محترفون في العمل المعارض، لكن القدرات تخونهم في إدارة الدولة أو أي جزء منها أو حتى التفكير في المشاركة فيها.

• العيش بعقلية المظلومية والقبول بدور الضحية ضخم العقلية الطوبائية لدى الإخوان في العمل السياسي، حيث أصبحت تتشكل لديهم الأبجديات الفكرية في التعاطي السياسي على مبدأ المثالية والوصول للكمال غير الواقعي، مما دفع القواعد الإخوانية إلى محاولة الابتعاد عن العمل السياسي والتعامل معها باستعلاء ديني. فكلما شارك الإخوان أو حاولوا أن يدخلوا اللعبة السياسية في دولهم، نجد أصواتا عالية تخرج من بين ظهرانيهم تدعوهم إلى المقاطعة وعدم الانخراط في العمل السياسي ما دامت العملية السياسية لم تصل إلى حالة الكمال المطلوب، وكأن التحولات السياسية تكون بالضربة القاضية وكبسة الزر.

• العيش بعقلية المظلومية والقبول بدور الضحية سبّب للإخوان عقدة كبيرة في التعاون مع الدول الغربية في معركتها مع الاستبداد السياسي، فشعورهم بأنهم حالة ضحية للتآمر الغربي عليهم وعدم محاولة التعاون مع الغرب في مواجهة الاستبداد؛ أفقدهم حليفا كان يمكن أن يكون رافعة لهم في مواجهة حالة اللاديمقراطية والاستبداد في المنطقة.

• العيش بدور الضحية وعقلية المظلومية صنع من الأخطاء مكاسب ومن المخطئين ضحايا، فاستمتع أهل الخطأ بإخفاقهم وتلذذوا بدور الضحية، واستمتعوا بإظهار معاناتهم وآلمهم وأوجاعهم، وهو ما يصطلح على تسميته بـ"الألم المرغوب".. كل ذلك كمخرج آمن من تحمل المسؤولية والظهور بمظهر أهل التضحية والبطولة والصمود، وحمل مشاعل الصبر أمام الأجيال القادمة، فيكافأ المخطئ ويُصنع منه بطلا ونموذجا شجاعا.

• العيش بعقلية المظلومية ودور الضحية يفاقم من ضعف الأداء السياسي إذا ما أرادوا التصدي للعمل السياسي العام، فيتم تصدير أهل السجون والاضطهاد على اعتبار أنهم الأبطال الذين قدّموا التضحيات، ويتم إقصاء أهل الكفاءة والمعرفة فتتعمق الخسارة وتتراجع فرص الخلاص.

هذه السطور قد لا تقنع البعض وتذهب أدراج الرياح أمام استدلال بقول سياسي غربي قاله قبل مئات السنين؛ ينادي بالقضاء على الأمة العربية أو الإسلامية؛ لأن العاجز سبقه عجزه النفسي قبل عجز قدراته، والمهزوم نفسيا لن تستطيع أن تساعده ما لم ينهض ويساعد نفسه قبل الآخرين.

التحول للواقعية السياسية والعيش وفقا لنظام "السببية السياسية" (فكل ابتلاء هو نتيجة حتمية لخطا سياسي، وكل إخفاق هو نتيجة طبيعية لضعف التصور والتخطيط للمستقبل، وكل نجاح هو قرار سليم في مكانه وزمانه المناسبين، وكل تقدم هو تصور حقيقي للأمور القائمة) هو أول خطوة يمكن أن يخطوها الإخوان على طريق إنهاء حالة الابتلاء السياسي الذي استمر ملازما لهم منذ ما يقارب قرنا من الزمان.