كتاب عربي 21

عشرون عاما على رحيله: أين أصبحت طروحات الشيخ مهدي شمس الدين الإصلاحية؟

1300x600

في كانون الثاني/ يناير من العام 2001 توفي رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين، تاركا خلفا إرثا مهما من المؤسسات والكتب والدراسات والأطروحات النهضوية الإصلاحية.

وقد ترك بصمات مهمة في تاريخ الحركة الإسلامية في العالم العربي، إضافة لمساهماته في الحوار القومي-الإسلامي، ومواجهة الخلافات المذهبية، وتأصيل الموقف الإسلامي من الأوطان في مواجهة الطروحات التقسيمية، وصولا لأطروحته الشهيرة حول ولاية الأمة على نفسها؛ في الرد على أطروحة ولاية الفقيه ولمعالجة إشكالية الحكم في الإسلام، ومشروعه التصالحي داخل الدول العربية والإسلامية وبين مختلف التيارات والأنظمة.

 

أطروحته الشهيرة حول ولاية الأمة على نفسها؛ في الرد على أطروحة ولاية الفقيه ولمعالجة إشكالية الحكم في الإسلام، ومشروعه التصالحي داخل الدول العربية والإسلامية وبين مختلف التيارات والأنظمة

واليوم وبعد عشرين عاما على رحيله، أين أصبحت الأطروحات الفكرية والإصلاحية التي قدّمها الشيخ شمس الدين لتطوير الفكر الإسلامي ولمواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية؟ ولماذا لم يتم الاستفادة من المشروع الإصلاحي الذي قدّمه في مواجهة الخلافات المذهبية والقُطرية؟ ومن هو المسؤول اليوم عن الحاجة لإعادة تسليط الضوء على هذه الشخصية الفكرية والإسلامية المميّزة إلى جانب غيرها من الشخصيات الإسلامية التي واجهت كل أشكال التطرف والعنف وتركت بصمات هامة في مسيرة الحركة الإسلامية العربية والعالمية؟

لقد بدأت مسيرة الشيخ شمس الدين الفكرية والسياسية والحركية في العراق، حيث كان أحد مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية ووكيلا للإمام السيد محسن الحكيم في العديد من المدن العراقية، إضافة لمساهماته الفكرية والتأريخية منذ بداية بروزه في الحوزة الدينية إلى جانب غيره من العلماء والمفكرين الإسلاميين، لكنه انتقل للعمل في لبنان حيث لعب دورا بارزا في تأسيس الحركة الإسلامية اللبنانية.

لكن دوره السياسي بدأ بالبروز عندما تولى منصب نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلى جانب الإمام موسى الصدر، ومن ثم تصدى لقيادة المجلس بعد خطف الإمام، وصولا لترؤس المجلس وإشرافه على العديد من المؤسسات الإسلامية، ودوره الإرشادي والقيادي لحركة أمل والعديد من الهيئات الإسلامية، وصولا لتأسيس المقاومة المدنية الشاملة لمواجهة الاحتلال الصهيوني للبنان عام 1982.

ورغم انشغالاته في العمل السياسي والميداني وهموم التبليغ، ومتابعة الأوضاع البنانية والعربية والإسلامية ومواكبة مختلف التطورات السياسية، وتأسيس العديد من المؤسسات التربوية والأكاديمية والاجتماعية، ورغم الظروف القاسية والتحديات المختلفة التي واجهها في مسيرته المتنوعة، فإن الإسهامات الفكرية والإصلاحية والنهضوية التي قدّمها خلال هذه المسيرة تتقدّم على كل الإنجازات التي تركها بعد رحيله.

ولا يمكن في مقال مختصر عرض كل الإسهامات الفكرية والإصلاحية التي قدمها الشيخ شمس الدين، لأن ذلك يتطلب دراسات مطوّلة. وقد أعد بعض طلابه والعاملين معه بعض الدراسات والكتب التي تلقي الضوء على مشروعه الفكري والإصلاحي، وصدرت بعض الدراسات الجامعية حول فكره وأطروحاته المختلفة. لكن نظرا لأهمية هذه الأطروحات اليوم والحاجة إليها، وبسبب التقصير في الإضاءة عليها بعد مرور عشرين عاما على رحيله، سأركز على بعض هذه الأطروحات والتي يمكن أن تساهم اليوم، إلى جانب بقية الأطروحات الإصلاحية التي قدّمها الكثير من العلماء والمفكرين المسلمين، في مواجهة التحديات المختلفة.

ومن هذه الأطروحات الوحدوية والإصلاحية والنهضوية: 

 

 

الدعوة لتجاوز الخلاف المذهبي التاريخي عبر ترك الخلافات الماضية والتفكير بالحاضر والمستقبل، والرد على الإشكالات حول الصراع على الخلافة، من خلال أطروحة ولاية الأمة والتي تدعو الأمة لاختيار من يقودها

أولا: الدعوة لتجاوز الخلاف المذهبي التاريخي عبر ترك الخلافات الماضية والتفكير بالحاضر والمستقبل، والرد على الإشكالات حول الصراع على الخلافة، من خلال أطروحة ولاية الأمة والتي تدعو الأمة لاختيار من يقودها بعيدا عن أية خلافات مذهبية أو سياسية، وبذلك قدّم أطروحة جديدة تتعارض مع الدعوة للخلافة الإسلامية أو ولاية الفقيه، وفتح باب الاجتهاد الواسع في كيفية إدارة الحكم على كل المستويات.

ثانيا: المصالحة بين كل التيارات السياسية والدينية والحزبية وتجاوز الخلافات التاريخية، وقد كان له دور مؤسس في الحوار القومي- الإسلامي، والإسلامي-العلماني، والإسلامي-الإسلامي، إضافة لإطلاق عملية المصالحات بين القوى المعارضة والحكم في بعض الدول العربية، ودعوته للمسلمين الشيعة لإعطاء الأولوية لأوطانهم والانفتاح على الآخرين، وصولا لمشروعه السياسي تحت عنوان: "ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة"، لمواجهة التطبيع مع العدو الصهيوني وعدم تحويل الخلافات إلى صراعات داخلية، وتأكيده على مشروعية الدول القائمة اليوم منعا للانجرار وراء صراعات جديدة.

ثالثا: رفض كافة أشكال العنف الداخلي والرد على كل من يحاول تبرير العنف تحت أي عنوان، والدعوة لاعتماد التغيير السياسي والفكري، طبعا مع التأكيد على أحقية مقاومة الاحتلال الصهيوني ودعمه المطلق للشعب الفلسطيني.

رابعا: تطوير نظريات الحكم، والاستفادة من تجربة الإمام علي في الحكم وما قدّمه من أطروحات للإدارة والحكم من خلال كتابه إلى واليه مالك الأشتر، إضافة لتعزيز دور المرأة في المجتمع والقيادة والقضاء.

هذه بعض الأطروحات التي قدّمها الشيخ شمس الدين، وهناك أطروحات وأفكار كثيرة تحتاج لإعادة قراءتها بهدوء وعمق للاستفادة منها اليوم في مواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية، كما أن التجربة السياسية والتنظيمية والميدانية والمؤسساتية التي عاشها الشيخ شمس الدين تحتاج لقراءة جديدة،.وهذا لا يعني عدم انتقاد هذه التجربة وبروز بعض الخلافات في تقييمها، أو تباين بالرأي بين ما طرحه شمس الدين وحركات إسلامية أخرى، والذي أدى أحيانا لبعض التصادم والصراع السياسي والميداني.

 

 

أطروحات وأفكار كثيرة تحتاج لإعادة قراءتها بهدوء وعمق للاستفادة منها اليوم في مواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية، كما أن التجربة السياسية والتنظيمية والميدانية والمؤسساتية التي عاشها الشيخ شمس الدين تحتاج لقراءة جديدة

 

لكن المشكلة الأخطر التي يواجهها تراث الشيخ شمس الدين الفكري والإصلاحي اليوم، سواء من محبيه أو تلاميذه أو من عمل معه وضمن مؤسساته، أو من الذين اختلفوا معه، أنه لم تتم الاستفادة من هذا التراث الفكري الإصلاحي بالشكل المطلوب، ولولا الجهد المتواضع الذي قام به نجله الوزير السابق إبراهيم شمس الدين بنشر وإعادة نشر بعض كتبه، وبعض الدراسات الجامعية والفكرية التي أضاءت على فكره ونهجه، لكان النسيان قد طوى هذا المشروع الإسلامي الفكري والإصلاحي. وللأسف هناك من يسيء إلى هذه التجربة المهمة عبر التركيز على نقاط صغيرة وتفصيلية، ولا تتم الإضاءة على المشروع الفكري الشامل والتغييري الذي طرحه الشيخ شمس الدين.

ولعل اليوم، وفي الذكرى العشرين لرحيله، تتم استعادة هذا المشروع الإصلاحي المهم من خلال الإضاءة عليه وإعادة دراسته بشكل ممنهج وشامل وعلى ضوء التحديات المعاصرة، ومن خلال ذلك يتم إحياء ذكرى هذا المفكر والقيادي الإسلامي المهم في مسيرة الحركة الإسلامية الإصلاحية.

twitter.com/KassirKassem