تقارير

المسجد العُمري في غزة.. أضخم وأعرق مساجد القطاع

المسجد العمري الكبير في قطاع غزة.. أكبر المساجد وأعرقها في القطاع (عربي21)

يُعتبر المسجد العُمري "الكبير" بمدينة غزة واحدا من أهم المعالم الإسلامية في فلسطين، وأول وأكبر وأعرق مساجد قطاع غزة وله تاريخ كبير يعود إلى أكثر من 3 آلاف سنة.

يقع المسجد بحي الدرج وسط مدينة غزة، وهو ملاصق لسوق القيسارية التاريخي، وهو ضخم البناء والقيمة الأثرية وجميل الشكل والهندسة، تقام فيه الصلوات ويدرس فيه المدرسون، وبجانبه مكتبة عامرة منذ القدم.

وكان في المسجد هيكل وثني لعبادة الأصنام، والشمس والكواكب في عهد اليونان الوثنيين، ثم أحرق في عهد الروم المسيحيين وأزيلت آثاره، ليتحول فيما بعد إلى مسجد للمسلمين يطلق عليه اسم "المسجد العُمري" نسبة للخليفة عُمر بن الخطاب و"الكبير" لأنه أكبر المساجد.

وكشف المؤرخ الدكتور عبد اللطيف أبو هاشم مدير المخطوطات والآثار بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية وصاحب عدة مؤلفات حول معالم غزة التاريخية ومساجدها؛ أنه كان في نفس موقع المسجد في العهود القديمة قبل انتشار المسيحية معبد وثني للإله (مارنا مارنيوس) وتحول إلى كاتدرائية بمساعي القديس برفيريوس عام 407م وبمساعدة الإمبراطورة البيزنطية افيدوكسيا.

 

 


وقال أبو هاشم لـ "عربي 21": "بعد انتشار الإسلام في غزة حُولت كاتدرائية افيدوكسيا إلى مسجد عرف بالمسجد العُمري".

وأضاف: "ظل هذا المسجد قائماً حتى نشوب الحروب الصليبية وحوله فرسان الهيكل إلى كاتدرائية، عرفت باسم كاتدرائية سان جون (القديس يوحنا) وكان ذلك حوالي عام 1149م".

وتابع: "بعد صلح الرملة وعودة السيادة العربية الإسلامية إلى غزة عاد المسجد كما كان مسجداً واحتفظ بأجزاء من بنائه المعماري القديم ذي الطابع القوطي ووسعه السلطان المملوكي الناصر محمد وأضيفت إليه في العهدين المملوكي والعثماني إضافات ما زالت قائمة حتى اليوم".

وأوضح أن السلطان لاجين سلطان المماليك أنشأ باباً ومئذنة سنة 697هـ / 1281م، وقام بتوسعته الناصر محمد، وعمر في العهد العثماني، مشيرا إلى أنه تمت إضافة صف خيم من الجهة القبلية وأقيم فيه محراب ومنبر واتخذ موضع الناقوس منارة ثم فتح الباب الشمالي المعروف بباب التينة والنافذتان الشماليتان وكذلك الباب القبلي.

وأشار أبو هاشم إلى أنه دمر قسم كبير من المسجد إبان الحرب العالمية الأولى إثر القصف البريطاني؛ وتركز الدمار في الجانب الشرقي منه وأعيد بناؤه على يد المجلس الإسلامي الأعلى عام 1345هـ.

واعتبر المؤرخ الفلسطيني مكتبة المسجد بأنها من أهم دور الكتب والمخطوطات في فلسطين، وتضاهي بذلك مكتبة المسجد الأقصى، ومكتبة أحمد باشا الجزار، وغيرها من المكتبات ودور الكتب التي احتوت على ذخائر ونفائس التراث، مشيرا إلى أنه كان يوجد بها عشرون ألف مجلد في مختلف العلوم والفنون، إلا أنها تعرضت للسرقة والعبث والاستهتار بكنوز الأجداد حيث ظلت عامرة حتى مجيء الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام ثم تفرقت تلك الكتب القيمة من مخطوطة ومطبوعة ونالت مكاتب القاهرة وباريس وبرلين منها قسطاً وافراً وحظاً عظيماً.

 


وأكد أن هذه المكتبة تحتوي على 187 مخطوطة ما بين مصنف كبير ورسالة صغيرة، ويعود تاريخ نسخ أقدم مخطوط إلى سنة 920هـ.

وترجع نشأة هذه المكتبة بحسب أبو هاشم إلى الظاهر بيبرس البندقداري الذي أقام بها المنشآت من مساجد وزوايا ومستشفيات وبيمارستانات ومكتبات، فكانت هذه المكتبة تسمى في السابق (مكتبة الظاهر بيبرس).

وأوضح أستاذ التاريخ والمؤرخ الدكتور غسان الشامي في حديثه لـ "عربي21" أن مساحة المسجد العمري تبلغ 4100 متر مربع، ومساحة فنائه 1190 مترا مربعا، ويوجد به 38 عامودا من الرخام الجميل والمتين البناء، والذي يعكس في جماله وروعته الفن المعماري القديم.

وأشار إلى أنه يحده من الناحية الجنوبية سوق القيسارية ومن الناحية الشرقية سوق الزاوية ولا يبعد عنه قصر الباشا سوى بضعة أمتار من الناحية الشمالية، ويحده من الناحية الشرقية سوق الذهب.

وقال: "للمسجد 5 أبواب رئيسية تفتح على الأسواق، فيما تعتبر مئذنته من أشهر معالمه، فهي لوحة نموذجية من الطراز المعماري المملوكي، وتبدأ على شكل مربع في الأسفل، ومثمنة في النصف العلوي، وطولها حوالي 36 مترا".

وأضاف: "يتسع المسجد لـ 5000 مصل، ويضم في طابقه الأول قاعة رئيسة للصلاة ومصلى للنساء، كما يضم في طابقه العلوي مدرسة لتعليم القرآن الكريم، فيما يحتوي الطابق السفلي على قاعة استقبالات وقاعة أثرية يتعدى عمرها ألفي عام".

 



ومن جهته شدد الشيخ عاهد زينو إمام المسجد العُمري على أهمية الدور الدعوي الذي يقوم به هذا المسجد لا سيما بعدما تحول إلى مكان تقام فيه كل المناسبات والجنازات للشهداء والقادة، مؤكدا أنه بمثابة مركز إشعاع علمي وحضاري.

واستعرض زينو في حديثه لـ "عربي21" أهم لجان وأنشطة المسجد، مشيرا إلى أنه يحتضن ديوان القراء المبدعين، وفيه مركز تعليم القرآن الكريم الذي يُشرف على تحفيظ وتعليم الأطفال والفتية كتاب الله وسنة نبيه.

 



وقال: "المسجد العمري وبعد ما مر عليه من تحولات وديانات هو الآن مدرسة وجامعة فكرية وعلمية واجتماعية استمرّت في إخراج أساتذة وعلماء وقراء ومبدعين في شتى المجالات الإنسانية، خرج منذ أن أصبح مسجداً الكثير من الفقهاء والمفسرين والمحدثين وعلماء في الطب والهندسة وغيرها من علوم الدّين والدّنيا".

وأضاف: "لقد قام المسجد بدوره التعليمي منذ أيّامه الأولى واستمرّ في التطوّر والنّمو جيلًا بعد جيل ليؤدّي مهامه في صناعة الحياة ليصبح جامعةً ومنارةً علميةً وفكريةً رائدة".

 



وأكد زينو أن المسجد العُمري يحتل المراتب الأولى على مستوى مدينة غزة بالأخص بمجالس العلم اليومية والمتخصصة.

ومن جهته أكد طارق هنية المرشد السياحي في المسجد العُمري أنه يستقبل يوميا عشرات الوفود السياحية والرحلات المدرسية وممثلي المؤسسات وكذلك الأجانب لمعرفة تاريخ المسجد.

وشدد هنية في حديثه لـ "عربي21" على أن المسجد العُمري لعب دورا مهما إبان انتفاضة الحجارة عام 1987م وكان مسجدا مركزيا لانطلاق المسيرات والمظاهرات منه.

وذكر أسماء أبواب المسجد الخمسة وهي: باب "التينة" الشمالي، وباب "عمر من الخطاب" الجنوبي، وبابان من الناحية الغربية، والباب الشرقي.

وأوضح أن للمسجد محرابين أحدهما في الصحن الداخلي وآخر في الساحة الشرقية.

وأكد هنية أنه يؤم المسجد يوميا ما بين 1000 إلى 1500 مصل، في حين أنه يتسع إلى 5 آلاف مصل خلال صلاة الجمعة وتراويح شهر رمضان.