ملفات وتقارير

تقرير خطير عن "الأبارتايد" ومعاناة الفلسطيني تحت الاحتلال ج5

ميلاد سلامة مع شقيقه الأكبر، آدم- بواسطة عبد سلامة نفسه

من خلال حكاية عائلة فلسطينية تعاني الأمرين تحت الاحتلال الإسرائيلي، يسلط الكاتب الصحفي الأمريكي نيثان ثرول، في هذا المقال الطويل، الضوء على صمود الشعب الفلسطيني في وجه مشروع صهيوني عنصري اعتمد السلب والنهب والتهجير وانتهاك حقوق الإنسان الأساسية منذ اليوم الأول. 

 

بالإضافة إلى قصة العائلة الفلسطينية، يقدم الكاتب معلومات بالغة الأهمية وخلفيات تاريخية عن تهجير الفلسطينيين وتفتيتهم بشكل ممنهج من قبل الاحتلال، بهدف ضمان التفوق الديمغرافي لليهود في أرض فلسطين التاريخية.


وتنشر "عربي21" المقال على 8 حلقات، وتقدم لقرائها هذه الترجمة غير الرسمية للمقال الذي نشر أول مرة باللغة الإنجليزية في "ذي نيويورك ريفيو أوف بوكس"

 

طالع الجزء الأول: حكاية عبد سلامة.. تقرير عن معاناة الفلسطيني تحت الاحتلال ج1

طالع الجزء الثاني: حكاية عبد سلامة.. تقرير عن معاناة الفلسطيني تحت الاحتلال ج2

طالع الجزء الثالث: تقرير خطير عن "الأبارتايد" ومعاناة الفلسطيني تحت الاحتلال ج3

طالع الجزء الرابع: تقرير خطير عن فصول عنصرية الاحتلال تجاه الفلسطينيين ج4

 

طالع الجزء السادس: حكاية عبد سلامة.. معاناة الفلسطيني تحت الاحتلال ج6
 

طالع الجزء السابع: حكاية عبد سلامة.. معاناة الفلسطيني تحت الاحتلال ج7


وفيما يلي الجزء الخامس من المقال:

الجزء الخامس

يوم في حياة عبد سلامة

 


حكاية رجل يبحث عن ابنه تسلط الضوء على واقع الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي

(8)

 

حافلة المدرسة المحترقة في موقع الحادث بالقرب من جعبة، في الضفة الغربية، 16 فبراير 2012

داخل المستشفى في رام الله سمع عبد من أحد الآباء الآخرين أن ميلاد كان واحداً من ثلاثة أطفال جرى نقلهم من هناك إلى مستشفى هداسا آخر في القدس، يقع في إين كيريم، سابقاً القرية الفلسطينية عين كارم.

 

ونظراً لأنه محظور عليه هو نفسه الذهاب إلى هناك فقد اتصل بأحد أبناء عمومته في ضاحية السلام ممن يحملون بطاقة الهوية الزرقاء. بعد ما يزيد عن ساعة، عاد إليه ابن عمه ليقول إنه يوجد بالفعل ثلاثة من ضحايا الحادث هناك، ولكن لم يكن ميلاد من بينهم. ثم وصل خبر مفاده أن الحافلة المدرسية الثانية كانت في طريق عودتها إلى عناتا، فاتصل عبد بأحد أشقائه، وطلب منه أن يذهب لاستقبال الحافلة هناك. بعد دقائق اتصل به شقيقه ليقول له: "ميلاد غير موجود هنا". 

ظلت الهمسات تتطاير وتصل مسامع عبد طوال النهار، تقول إحداها إن ابنك موجود في القاعدة العسكرية مقابل الرام، وتقول أخرى إن ابنك موجود في أحد المستشفيات الإسرائيلية، وتقول الثالثة إن إسرائيل سمحت لأولياء أمور طلبة مدرسة نور الهدى ممن يحملون بطاقة هوية خضراء بعبور نقطة التفتيش والدخول إلى القدس.

 

ظل عبد واقفاً أمام باب قسم الطوارئ، يرفض الإجابة عن أسئلة الصحفيين. وبعد العصر، وبينما تمكن معظم أولياء الأمور من تحديد أماكن وجود أطفالهم من بين ما يقرب من خمسة وسبعين من تلاميذ الروضة الذين كانوا على متن الحافلتين، لم يتمكن عبد وبضعة من أولياء الأمور الآخرين من ذلك. 

ما لم يكن معروفاً لدى عبد هو أن ست جثث كانت ممدة في الغرفة المجاورة للقاعة التي كان ينتظر فيها. إحداها كانت للمعلمة علا الجولاني البالغة من العمر تسعة وثلاثين عاماً، والتي تمكنت من الخروج من الحافلة، ثم بعد أن أخرجت منها عدداً من تلاميذ الروضة لقيت حتفها بعد أن عادت لتنقذ المزيد. فيما بعد أعيدت تسمية المدرسة على اسمها. وأما الجثث الخمس الأخرى فكانت لأطفال، ثلاثة منهم احترقوا تماماً فلم يمكن التعرف عليهم، والاثنان الآخران كانا بنتاً وولداً أمكن التعرف عليهما. 

رغم أنه كان يرغب في الذهاب للبحث عن ابنه في عناتا، إلا أن عبد كان لديه إحساس بوجود ميلاد بالقرب منه. شيء ما في داخله قال له إنه لا ينبغي له أن يغادر. بعد أن غادر أولياء الأمور والأطفال الذين كانوا من حوله، أخبره الموظفون في المستشفى بوجود جثث في الغرفة المجاورة. كان يتحرق للذهاب إلى هناك، إلا أن ابن شقيقه الذي يعمل في رام الله وجاء لينضم إليه في المستشفى رجاه ألا يفعل.

 

ثم خرج طبيب إليهم وقال إنه يرغب في اختيار أولياء الأمور حتى يتعرفوا على الجثث التي كان بالإمكان التعرف عليها. سأل الطبيب عبد عن لون شعر ابنه، فأجابه عبد: "إنه أشقر." قال له الطبيب: "تحتاج لأن تبقى هنا. فالطفل الذي يمكن التعرف عليه لون شعره أسود". 

في تلك اللحظة، بدأ عبد يواجه ما بدا حينها، في واقع الأمر، أشبه باليقين. لقد بات محتملاً جداً أن تكون جثة ميلاد المحترقة ممدة على الطاولة في الغرفة المجاورة. قام هو وابنه آدم بإعطاء الطاقم الطبي عينات من الحامض النووي (دي إن إيه). ومع ذلك كان عبد يمني نفسه بأنه لربما كان ميلاد على قيد الحياة – فما زال عدد أولياء الأمور الذين يفقدون أطفالهم يفوق عدد الجثث الموضوعة في تلك الغرفة.

 

بل إن إحدى العائلات لم تجد ابنها في مستشفى هداسا حتى اليوم التالي. فلعله كان موجوداً في مستشفى آخر. لربما كان ميلاد موجوداً في القاعدة العسكرية الإسرائيلية. ولعل أحد الواقفين بعد الحادث ممن قاموا بنقل الضحايا في سياراتهم الخاصة أخذ ميلاد إلى أحد البيوت في الرام، حيث تعتني به الآن إحدى العائلات وتطعمه وتحاول البحث عن والديه. 


(9)


في نيسان/ أبريل من عام 2014 استضاف مركز القيادة الصهيونية – الرؤية الوطنية، وهو برنامج للتثقيف السياسي وتدريب الشباب الإسرائيلي، محاضرة في حيفا ألقاها داني دايان، الذي كان حينها المبعوث الخارجي الرئيسي لمجلس يشع، والذي هو عبارة عن منظمة تجمع كل المجالس البلدية في المستوطنات.

 

كان دايان قد تنحى مؤخراً عن موقعه كرئيس لتلك المنظمة، والتي تزعمها منذ منتصف عام 2007 وحتى عام 2013. كان من مستخدميه في يشع نفتالي بينيت، والذي غدا الآن سياسياً يمينياً بارزاً، وهو أيضاً وزير سابق تولى، ضمن مناصب أخرى، حقائب الاقتصاد والتعليم والدفاع. أثناء فترة وجود دايان في مجلس يشع، زاد عدد المستوطنين في الضفة الغربية بأكثر من الثلث، على الرغم من أن تلك كانت الفترة الأولى من حكم الرئيس باراك أوباما، والتي وصفها المسؤولون الإسرائيليون بأنها كانت شاقة جداً على المستوطنات.

 

تفاخر دايان، الذي كان قد دعي لحضور اجتماعات في البيت الأبيض في عهد أوباما، قائلاً: "إنني على يقين بأنه في وقت ما أثناء فترة خدمتي كرئيس للمجلس، أضحى مشروع الاستيطان غير قابل للتراجع".

ولد دايان في الأرجنتين لعائلة يهودية جاءت من أوكرانيا. في بيت والديه، كانت توجد على الجدار صورة لشخص فلاديمير "زئيف" جابوتنسكي، زعيم الحركة التنقيحية التي تطورت لتصبح فيما بعد حزب الليكود.

 

في عام 1971، كان دايان في الخامسة عشرة من عمره، وتلك كانت السنة التي هاجرت فيها عائلته إلى إسرائيل. بعد عقد من ذلك عُين والده سفيراً لإسرائيل في غوانتيمالا. قضى دايان سبع سنين في الجيش الإسرائيلي، ثم أسس وترأس إلعاد سوفتوير سيستيمز (أنظمة إلعاد لبرامج الكومبيوتر) وهي مؤسسة تكنولوجية يعمل فيها ما يقرب من ألف شخص.

 

وفي عام 2016، سار دايان على خطا والده ودخل وزارة الخارجية ليصبح قنصل إسرائيل العام في نيويورك. وقبيل انتخابات مارس 2021 انضم دايان إلى "الأمل الجديد"، وهو حزب أسسه مؤخراً الوزير السابق من حزب الليكود جدعون سعار. 

في ذلك اليوم من عام 2014، قُدم دايان ليلقي محاضرته، وكان الذي قدمه هو مؤسس "الرؤية الوطنية" آرييل كالنر الذي كان في الثالثة والثلاثين من عمره، وهو اليوم عضو في الكنيست عن حزب الليكود وهو كذلك عضو في اللجنة من أجل السيادة، (وهي مجموعة برلمانية تضغط باتجاه ضم الضفة الغربية)، ويرأس اللجنة من أجل تعزيز الموقف في جبل الهيكل (من خلال زيادة الصلوات والوجود اليهودي في مجمع المسجد الأقصى في القدس الشرقية المضمومة)، ورئيس اللجنة من أجل الكفاح ضد نزع الشرعية ومعاداة السامية (والتي تحارب انتقاد ومقاطعة إسرائيل ومستوطناتها).

 

أخبر كالنر الجمهور قبل محاضرة دايان حول "هاسبارا"، وهي الكلمة العبرية لمفردة "الشرح"، والتي قد تعني أيضاً الدعاية والترويج، أن منظمته رأت أن من الأهمية بمكان توفير "هافانا"، أي الفهم، حول الصراع.

 

ومن أجل ذلك كان لا بد أن تسبق كلمة دايان كلمة أخرى يلقيها دافيد بوكاي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا. تم فيما بعد نشر محاضرة الدكتور بوكاي عبر قناة اليوتيوب التابعة لمنظمة "الرؤية الوطنية" تحت عنوان: "الفلسطينيون: طفيليات العالم".

عادة ما تصف المقالات المنشورة في الصحافة الإسرائيلية والدولية دايان بأنه جذاب، فسلوكه ودي ومظهره مهيب ووجهه ملائكي. كانت كلمته تلك الأمسية بعنوان "الفلسطينيون يتحدثون عن العدل ونحن نتحدث عن المصالح،" وبدأها بقياس، حيث شبه مشروع الاستيطان بطاولة تقف على أربع أرجل.

 

وقال إن أولاهم – والمتمثلة "بجلب كتلة حرجة من الناس إلى يهودا والسامرة" – قيد الإنجاز. وأضاف أنه في عام 1993 "لو لم يكن يوجد ما يزيد عن مائة ألف مقيم في يهودا والسامرة"، دون حساب المستوطنين المقيمين في القدس الشرقية المضمومة، "لتضمنت اتفاقيات أوسلو انسحاباً إسرائيلياً كاملاً. فقط وجود ذلك العدد من المقيمين، وإن كانوا حينها أقل بكثير مما هم عليه اليوم، هو الذي حال دون التوصل إلى اتفاق أسوأ".

 

وفي مجال جمع الأموال أيضاً، أجادت المستوطنات وأحسنت صنعاً، وذلك أن "لدينا الكثير من المتسكعين، وأقصد المعنى الإيجابي للكلمة، ممن يسافرون إلى الخارج ويعودون بالمال لشراء سيارة إسعاف أو بناء كنيس أو مدرسة." إلا أن الأرجل الثلاث الأخرى مفقودة: الدعم السياسي داخل أحزاب إسرائيل الرئيسية، والمساندة من قبل الجمهور الإسرائيلي، وطلب النصرة عالمياً "في أوساط قادة الفكر – أولاً وقبل كل شيء في الولايات المتحدة وأوروبا، العنصران الأكثر نفوذاً ونتيجة لذلك الأكثر تأثيراً على الرأي العام الإسرائيلي".

 

وأكد أن غياب تلك الأرجل الثلاث هو الذي تسبب في أن تعاني اليشع تراجعها البارز الوحيد خلال عقود من الاستيطان، والمتمثل بقرار إسرائيل "طرد" مواطنيها والانسحاب من غزة في أوج الانتفاضة الثانية.

كان دايان يتحدث في الأسابيع الأخيرة من المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية التي قادها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري. قبل ما يزيد قليلاً عن سنة مضت، كان كيري يتحدث أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، وقال لها: "أعتقد أن النافذة من أجل حل الدولتين يجري إغلاقها. أظن أن لدينا فترة ما من الزمن – سنة، أو ما بين سنة ونصف إلى سنتين – أو ينتهي الأمر." سخر دايان من ذكاء كيري وقال: "كنت سأضيف كلمة لأصف بها مدى ذكائه، ولكني لن أفعل".

 

وقال إن دبلوماسيته حتماً ستفشل. ومع ذلك اتفق مع كيري في تنبؤه بالموت الوشيك للدولة الفلسطينية، وقال: "نحن الآن، إلى حد ما، عند نقطة تاريخية من الصراع لأول مرة منذ لجنة بيل في الفترة من 1936 إلى 1937، وهي اللجنة التي أوصت بالتقسيم." وأضاف: "سوف يدرك المجتمع العالمي أن هذه القضية" – أي تقسيم الأرض التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية – "ينبغي أن ترفع عن الطاولة. فهذا لن يحدث. ليس لأن العالم لا يريد لهذا أن يكون هو الحل، ولكن لأنه يفهم أن هذا ليس هو الحل، فهو أمر غير قابل للتنفيذ".

أكد دايان على أنه ما زالت هناك في الأمام العديد من العوائق، وبعضها ذاتي الصنع، وقال: "واحد من الأشياء التي تشكل أكبر عقبة في طريق الاستيطان في يهودا والسامرة هو الموقف الإسرائيلي الذي يدعم حل الدولتين. إنه لأمر بالغ الصعوبة – أعترف بذلك – يصعب جداً تفسير سياسة إسرائيل التي من جهة تقول بحل الدولتين ومن جهة أخرى تبني في يهودا والسامرة".

 

إلا أن ذلك لا يعني بالنسبة لدايان أنه يتوجب على إسرائيل الآن الترويج لبدائل، مثل منح الجنسية للفلسطينيين، كما اقترح بعض المستوطنين، وكذلك بعض القيادات مثل رئيس إسرائيل روفين ريفلين. ومضى دايان يقول: "أظن أن بعض الأفكار التي يجري التعبير عنها، حتى فيما بيننا، حول الدولة الواحدة ومنح الجنسية، هي أفكار بالغة الخطورة. يجب علينا أن ننطلق في اتجاهات مختلفة تماماً. ولكن علينا من أجل هذه الغاية أن نوفر الوقت الكافي لزيادة أعداد اليهود الذين يعيشون في يهودا والسامرة."

كان دايان، بشتى الطرق، يعبر عما كان يقوله الزعماء الصهاينة في فترة ما قبل قيام الدولة. فهم أيضاً كانوا يقولون إن الجهود الدولية لتسوية الصراع ينبغي تحاشيها وتأخيرها إلى أن يحقق اليهود هدفهم بالاستيلاء على الأرض ويصبحوا هم الأغلبية.

 

إلا أن المهمة التي كانت أمام "ييشوف"، كما كان يُطلق على المجتمع اليهودي في فلسطين قبل تأسيس دولة إسرائيل، كانت أصعب بكثير مقارنة بالإقامة في الضفة الغربية هذه الأيام. ففي عام 1882، وجه فلاديمير "زئيف" دوبناو، عضو "بيلو" – أول مجموعة من المستوطنين الصهاينة، رسالة من فلسطين إلى شقيقه، المؤرخ الروسي الشهير سايمون دوبناو، كتب فيها يقول إن الهدف النهائي للرواد اليهود كان "الاستيلاء على فلسطين في الوقت المناسب وإعادة الاستقلال السياسي لليهود بعد أن حرموا منه على مدى ألفي عام. لا تضحك، فهذا ليس مجرد سراب".

 

حينذاك كان اليهود لا يشكلون سوى ثلاثة بالمائة من سكان فلسطين. "يمكن لوسائل تحقيق هذه الغاية أن تتضمن إقامة مختلف أنواع ورش العمل والصناعة والقيام بتوسيع نطاقها بالتدريج – وبكلمة، من خلال السعي لوضع جميع الأرض، جميع الصناعة، في أيدي اليهود... ثم بعد ذلك يقوم اليهود – عند الضرورة – والسلاح في أيديهم – بإعلان أنفسهم على الملأ سادة على أرضهم، أرض آبائهم الأولين". 

كان تيودور هيرتزل، الذي يطلق عليه إعلان استقلال إسرائيل لقب "الأب الروحي للدولة اليهودية"، منتقداً لما قال إنها تلك المحاولات المبكرة للاستعمار، مؤكداً على أنه من الخطأ إقامة المستوطنات قبل أن يُمنح اليهود دولة. وقال هيرتزل في كتيبه الذي صدر في عام 1896 بعنوان "الدولة اليهودية": "لقد قامت تجارب مهمة في الاستعمار، مع أنها انطلقت من فكرة خاطئة هي التسلل التدريجي لليهود، فالتسلل لا مفر سينتهي بشكل سيء. فهو يستمر إلى أن تأتي اللحظة التي لا مفر منها عندما يشعر السكان الأصليون بأنهم مهددون ويجبرون الحكومة على وقف أي تدفق إضافي من اليهود. ولذلك فإن الهجرة غير مجدية ما لم يكن لدينا حق سيادي في الاستمرار بتلك الهجرة".

ومن هنا دعا هيرتزل الحركة الصهيونية إلى أن تسعى أولاً إلى كسب تأييد القوى العظمى لمشروع الدولة اليهودية، ويفضل أن تكون في فلسطين، وقال: "علينا أن نشكل هناك جزءاً من سور واق لأوروبا في مواجهة آسيا، فنشكل قاعدة أمامية للحضارة في مواجهة الهمجية. ينبغي علينا كدولة محايدة أن نبقى على تواصل مع كل أوروبا، والتي عليها بالتالي أن تضمن وجودنا". إلا أن العثمانيين أعرضوا عن مفاتحات هيرتزل، وفي عام 1905 بادرت غالبية الصهاينة – والذين كان أغلبهم حينها من أوروبا الشرقية وكانوا، على العكس من الانطباعات السائدة، متدينين – برفض العرض الذي تمكنوا من تأمينه من البريطانيين للاستيطان في شرق أفريقيا، حيث فضلوا بدلاً من ذلك أن يجربوا حظهم في أرض إسرائيل. 

منذ تلك اللحظة وحتى اليوم، سعت الحركة الصهيونية باستمرار لبيان عدالة قضيتها، وهو ما ركزت عليه محاضرة دايان حول "هاسبارا". لماذا كان لدى عدد قليل من اليهود، جاءوا في الأغلب من الإمبراطورية الروسية، الحق في الاستيلاء على فلسطين رغماً عن أهلها الأصليين الذين كانوا يشكلون الأغلبية؟

 

في عام 1918، اتخذ الييشوف (مجتمع المهاجرين) اليهودي، والذي كان حينها قد نما إلى ما يقرب من ثمانية بالمائة من سكان فلسطين، موقفاً ضد تطبيق المبادئ السوية للديمقراطية وتقرير المصير على فلسطين. وقبيل مؤتمر باريس للسلام، الذي قرر معاهدة فارساي بعد الحرب العالمية الأولى، وضع زعماء الييشوف مسودة خطة لحكومة مؤقتة تناط بها "في جميع الأمور" مهمة ضمان "أن يكون للشعب اليهودي حول العالم صوت حاسم." ولقد شرح جابوتنسكي، المولود في روسيا والمشارك في وضع مسودة الخطة، الحاجة إلى إعاقة قيام ديمقراطية نيابية قائلاً: "لو أنه يوجد دستور عادي هنا، يتحمل المسؤولية عن الأغلبية، إذن فلن تدخل بتاتاً أغلبيتنا".

 

وفي نقاش داخل المؤتمر الصهيوني بعد ثلاثة عشر عاماً من ذلك، دافع الزعيم التنقيحي عن مطلبه غير الليبرالي بألا تقام ديمقراطية إلى أن يحظى اليهود بالأغلبية، قائلاً لزملائه الصهاينة إن مقترح هيرتزل كان حتى أقل ديمقراطية، وبين جابوتنسكي أن رؤية هيرتزل تتحدث عن أن "البلد سوف تحكمه إدارة يهودية قبل أن يصبح اليهود أغلبية، وذلك كأداة، كنوع من سلطة الانتداب، لتمكين الاستيطان". 

وحتى حينما طُرح للمرة الأولى مقترح للتقسيم من شأنه أن يؤسس لأغلبية يهودية، وهو ما فعلته خطة لجنة بيل لعام 1937 تحت الانتداب البريطاني، قال زعيم الييشوف دافيد بن غوريون إنه يمكن أن يقبل بذلك المقترح فقط كخطوة على طريق الحصول على فلسطين بأسرها. لقد اعتمدت خطة بيل نفس المبدأ الذي سار عليه من جاءوا بعدها من أصحاب حل الدولتين: تخصيص منطقة يهودية من خلال رسم خط يتضمن تقريباً جميع المستوطنات اليهودية القائمة. ترك ذلك عدداً قليلاً من اليهود في المنطقة المخصصة للدولة العربية، حوالي 1250 منهم، وعدداً كبيراً من العرب في المنطقة التي خصصت للدولة اليهودية، حوالي 225 ألفاً. دعت الخطة لنقل هؤلاء السكان، مشيرة إلى أن "المكان موجود أو يمكن أن يتاح ضمن الحدود المقترحة للدولة اليهودية لاستيعاب اليهود الذين يعيشون الآن في المنطقة العربية. وإنما تكمن المشكلة الكبرى في عدد العرب الأضخم بكثير،" حيث لا توجد أراض زائدة تصلح للزراعة لكي ينتقلوا إليها داخل فلسطين. 

كانت أكثر جوانب الخطة جذباً لبن غوريون، المولود في بولندا، هي فكرة نقل السكان، والتي قدمت لليهود "إمكانية لم يكونوا يحلمون بها، إمكانية لم نكن نجرؤ على تصورها ولا حتى في الخيال". لم يكن بن غوريون وحيداً في ذلك. فقبل وبعد أن اقترحها البريطانيون، كان كثير من الزعماء الصهاينة الآخرين يفضلون فكرة نقل السكان، بدءاً من هيرتزل الذي كتب في مذكراته في عام 1895 يقول: "سوف نحاول التخلص من السكان المفلسين وتصريفهم عبر الحدود من خلال توفير الشغل لهم في بلدان العبور، بينما نحظر عليهم العمل داخل بلدنا نحن." 

بالنسبة لبن غوريون والقيادة الصهيونية، كان أكبر عيوب خطة بيل هو أنها لم تمنح اليهود كل الأرض. أثناء نقاش ييشوف الدراماتيكي حول التقسيم، دافع بن غوريون عن قبول المقترح كخطوة مرحلية باتجاه الحصول على أرض إسرائيل كاملة. فقد كتب في رسالة وجهها إلى نجله: "إن قيام دولة يهودية على جزء فقط من الأرض ليس نهاية المطاف وإنما البداية، إنه دفعة قوية لجهودنا التاريخية لتحرير بلادنا كاملة".

 

ومضى يقول إنه لسوف يكون لدى الدولة اليهودية "قوة دفاع متطورة – جيش متفوق، لا يساورني شك في أنه سيكون من بين أفضل الجيوش في العالم. وفي تلك اللحظة، أنا واثق أننا لن نخفق في الاستيطان في الأجزاء المتبقية من البلد، من خلال الاتفاق والتفاهم مع جيراننا العرب أو من خلال بعض الوسائل الأخرى".

ثبت مع الوقت أن كلماته كانت تنم عن بصيرة. وذلك أنه فقط بعد قيام الدولة تمكنت الحركة الصهيونية من تنفيذ ما سماه بن غوريون في 1951، وكان حينها يتكلم كرئيس للوزراء، "مشروع استعمار أعظم بكثير من كل ما تم خلال السبعين عاماً الماضية." عندما تقدمت الأمم المتحدة بخطتها للتقسيم في عام 1947، مانحة الأقلية اليهودية التي كانت تشكل 31 بالمائة من مجمل السكان معظم الأرض، كان ييشوف (مجتمع المهاجرين اليهود) يملك حينها أقل من 7 بالمائة من الأراضي.

 

معظم تلك الأرض كانت مشتراة، على الأغلب من ملاك الأراضي الغائبين. بعد انتهاء ما تلا ذلك من حرب في الفترة من 1947 إلى 1949، تمكنت المنظمات الصهيونية ودولة إسرائيل الجديدة من الاستيلاء على معظم أراضي فلسطين في عهد الانتداب، ليس من خلال الشراء وإنما عبر المصادرة. وبحلول عام 1953، كانت 350 من بين 370 من المستوطنات اليهودية الجديدة قد أقيمت على أرض مملوكة للفلسطينيين. لم يسمح بالعودة للفلسطينيين الذين هجروا بسبب الحرب وأصبحوا لاجئين.

 

بل وتعرض آلاف الفلسطينيين لإطلاق الرصاص عليهم والقتل عندما حاولوا التسلل تحت غطاء من الظلام الدامس عائدين إلى بيوتهم وإلى عائلاتهم. وتم الاستيلاء على أراضي وممتلكات اللاجئين العرب. وكذا كان حال معظم أراضي الفلسطينيين الذين بقوا تحت سيطرة إسرائيل، ونزح كثير منهم داخلياً بسبب الحرب وحيل بينهم وبين العودة إلى قراهم. 

 

 

 

 

 

 

 

عبد سلامة يحمل صورة لميلاد آذار/ مارس 2021 - التقطت بواسطة إيهاب جاد الله

 


عبد سلامة، البيرة، الضفة الغربية، آذار/ مارس 2021 - بواسطة إيهاب جاد الله

 

رافعة تكمل قسما من جدار الفصل العنصري الإسرائيلي بالقرب من مخيم شعفاط للاجئين

القدس 20 كانون الأول/ ديسمبر 2011- جيتي

 


حفارة تهدم صفا من المحلات التجارية في مخيم شعفاط للاجئين

في القدس، الضفة الغربية، 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 - التقطت بواسطة أحمد غراب 

 


فني الطوارئ الطبية نادر مرار، يعالج جريحا في سيارة الإسعاف في البيرة

الضفة الغربية، 2015- التقطها حرييت سالم 

 


مسعفون للطوارئ في موقع التحطم قرب حاجز قلنديا، الضفة الغربية،

16 شباط/ فبراير 2012- جيتي

 


 

 

ناشطون إسرائيليون وفلسطينيون يحتجون على شارع 4370، الضفة الغربية

23 كانون الثاني/ يناير 2019- جيتي

 


ميلاد سلامة مع شقيقه الأكبر، آدم- بواسطة عبد سلامة نفسه

 


الطريق 4370، الملقب بـ"طريق الفصل العنصري"، الضفة الغربية، 2019- بواسطة ثوماس كويكس

 


خطة دروبلز لعام 1978 لتطوير المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة

إعادة تخصيص أراضي الضفة الغربية وفقا لاتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995- مايك كينج

 


توضح المنطقة الشمالية من شرق القدس التي تم ضمها بناء على بيانات رسم الخرائط من مكتب الأمم المتحدة

 


مدرسة نور الهدى، عناتا، الضفة الغربية، آذار/ مارس 2021- بواسطة إيهاب جاد الله

 


مخيم شعفاط للاجئين الفلسطينيين، محاط بسور من مستوطنة إسرائيلية

شرق القدس، الضفة الغربية، كانون الثاني/ يناير 2021 - بواسطة أحمد غراب

 


حركة مرور تنتظر في طابور عند حاجز قلنديا على مشارف شرق القدس

الضفة الغربية، 6 أيلول/ سبتمبر 2005- جيتي

 


رسم ميلاد سلامة وهو يرتدي سماعات رأس من رسم فداء سلامة- 17 آذار/ مارس 2021- التقطت الصورة من فداء سلامة