قضايا وآراء

قراءة في "محل النزاع" بين الرئيس وحركة النهضة

1300x600
بعد التصعيد الأخير من رئيس الجمهورية ضد حركة النهضة في قضايا لا علاقة لها بانتظارات المواطنين ومشاغلهم الحياتية - قضايا التأويلات الدستورية للسيطرة على المؤسسات الحاملة للسلاح - يبدو أن تونس تحث الخطى نحو إحياء تلك المناخات الخطيرة التي عرفتها خلال فترات هيمنة الصراع الهوياتي على السجال العام. وقد لا تكون بلادنا في حاجة إلى أديب بحجم غابريال غارسيا ماركيز ليكتب لنا عن "الضغينة في زمن كورونا" أو "الأحقاد الأيديولوجية في زمن كورونا"، ولكنها ما زالت في حاجة ملحّة إلى سياسيين يرتفعون بخطاباتهم إلى مستوى التحدي الذي تطرحه هذه الجائحة.

فرغم حديث الأغلب الأعم من الفاعلين الجماعيين عن ضرورة تقوية "الجبهة الداخلية" في "الحرب" على كورونا - مع ما يفترضه ذلك من مراجعات وتسويات وتنازلات متبادلة وتأجيل لبعض الصراعات غير المهمة في سياق الحرب مع "العدو اللامرئي" - لم ير التونسيون أي تغير إيجابي في العلاقة بين مختلف الفرقاء، بل رأوا مزيدا من التوترات المعمّقة لعطالة المؤسسات وللانقسام بين الأهالي، وهو وضع مفتوح على ممكنات كارثية تتراوح بين الاحتراب الأهلي والدولة الفاشلة.

لفهم حقيقة الصراع المحتدم بين الرئيس وحركة النهضة، قد يكون علينا أن نقوم بما يُسمى في التراث الإسلامي بـ"تحرير محل النزاع"، أي "تعيين وجه الخلاف بين الطرفين". ولمّا كان الرئيس قيس سعيد هو الطرف الأحرص على إظهار مخالفة النهضة ومنازعتها - على الأقل في المستوى الخطابي الظاهر - فإننا مطالبون بتعيين مؤاخذات الرئيس على حركة النهضة، سواء أكانت مؤاخذات تشملها وتشمل سواها، أم كانت مؤاخذات تختص بها ولا تتعداها إلى غيرها. ونحن نذهب إلى أن منازعة الرئيس للنهضة قد تمت في محورين مختلفين ولكنهما متعاقبين:

1- محور سياسي تعامل الرئيس فيه مع حركة النهضة باعتبارها جزءا من "منظومة الفساد" التي هيمنت على الحكم منذ المرحلة التأسيسية، وخانت استحقاقات الثورة وانتظارات المقهورين. وفي هذا المحور – الذي نجد جذوره في خطابات "الخبير الدستوري" قيس سعيد حتى قبل وصوله إلى قصر قرطاج - ضمر البعد الأيديوبوجي، فلم تُستهدف النهضةُ باعتبارها "حركة إسلامية"، ولكن باعتبارها حركة سياسية مطبّعة مع منظومة الفساد ومساهمة في حرف الصراع عن مداراته الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية.

وقد برّر مناصرو الرئيس الاستهداف الممنهج للحركة - على عكس بقية مكوّنات منظومة الفساد - بكونها أصبحت الراعي الأول لتلك المنظومة وغطاءها السياسي الأبرز، منذ مرحلة التوافق بين النهضة وحركة نداء تونس وما تلاها من تشظي الواجهات الحزبية للمنظومة القديمة.

ورغم مشروعية هذا الطرح وكثرة ما يدعمه من معطيات، فإن ما أفقده الكثير من مصداقيته هو دخول "الانتقائية" و"اللامبدئية" عليه. فهو طرح انتقائي من جهة تحديد الأطراف الفاسدة ومحاولة حصرها أو اختزالها في قلب تونس وزعيمه نبيل القروي، وهو أيضا طرح تحكمه "اللا مبدئية" في تعيين الأطراف المشكلة لمنظومة الفساد وغض الطرف عن الكثير منها لأسباب براغماتية، خاصة الفسادين النقابي والإداري المحميين بالمركزية النقابية وبعض مراكز القوى في المنظومة القديمة، والفساد السياسي المتمثل في المحاولات الممنهجة لضرب الانتقال الديمقراطي، خاصةً عبر بوّابة مجلس النواب.

2- محور هوياتي (يصاغ صياغة دينية- أخلاقية)، وفيه ينقل الرئيسُ "محل النزاع" مع حركة النهضة من المستوى السياسي إلى المستوى الأيديولوجي الصريح ويتكثف فيه حضور المعحم الديني والنبرة النقدية للإسلام السياسي. ورغم عدم خلوّ المحور السياسي من موجّهات إيديولوجية كامنة، فإنها كانت تُكبت في الهامش ولا تحضر في مفردات الخطاب الرئاسي إلا على استحياء.

ولكنّ هذه الوضعية تغيّرت في الفترة الأخيرة - خاصة منذ زيارة الرئيس لمصر وما تضمنته من رسائل سياسية للداخل والخارج - فانتقلت النهضة في خطاب الرئيس من الحزب الأخطر في منظومة الفساد (وهي منظومة لا يمكن توصيفها بأنها"إسلامية" ولا بأنها "حداثية"، بل هي منظومة ميتا-أيديولوجية هجينة)، إلى حركة من حركات الإسلام السياسي المهددة للسلم الأهلي والمنذرة بالانقسام الاجتماعي على أساس الهوية.

وسواء أكان هذا الانتقال من الصراع السياسي إلى الحرب الأيديولوجية مغازلةً لمحور إقليمي معلوم (محور الثورات المضادة الرافض لوجود "الإخوان" في أي تجربة ديمقراطية)، أم كان مغازلة لورثة المنظومة القديمة وحلفائهم في اليسار الثقافي، يبدو جليا أن الرئيس يسعى في هذه المرحلة إلى مواجهة النهضة بعيدا عن حلفائها "العلمانيين" (حتى الفاسدين منهم)، وذلك بإحياء الصراع الهوياتي لحشر الحركة في زاوية لا تختلف عن الزاوية التي حشرها فيها المخلوع تمهيدا لحرب الاستئصال ضدها في أوائل التسعينات من القرن الماضي: زاوية الخطر الإسلامي/ الإرهابي المهدد للوحدة الوطنية، والذي يستدعي الاصطفاف خلف "المنقذ" وتأجيل كل الصراعات بين القوى"الحداثية"، بل حتى تأجيل مطلب "الديمقراطية" ذاتها إلى حين التخلص من العدو الوجودي لتونس ونمطها المجتمعي، أي حركة النهضة.

بعد فشله في تغيير شروط اللعبة وموازين القوى السياسية اعتمادا على ملف "محاربة الفساد" (أي الملف الاقتصادي)، يبدو أن الرئيس قيس سعيد يتجه إلى محاولة فرض واقع سياسي جديد، انطلاقا من ملف "محاربة التطرف" أو مقاومة الخطابات التقسيمية للمجتمع التونسي والمهددة لوحدته الوطنية، هي الخطابات التي تقوم على تمييز الإسلاميين عن سائر المسلمين. ولا شك عندنا في أن "النموذج المصري" الذي قام الرئيس بـ"تبييضه" وتبني سرديته الانقلابية لا يمكن أن يكون المخرج من الأزمات الدورية للانتقال الديمقراطي في تونس، ولا يمتلك أية جاذبية خارج أوساط "النخب الانقلابوقراطية" التي تُسمّى مجازا نخبا ديمقراطية.

فإذا كان من اليسير إقناع المواطن التونسي بأن حركة النهضة تتحمل جزءا هاما من المسؤولية - أخلاقيا وسياسيا - عمّا حصل في البلاد منذ المرحلة التأسيسية، فإنه من الصعب إقناع ذلك المواطن بأن البلاد ستصبح جنة بمجرد إخراج النهضة من الحكم (ووضع الإسلاميين في السجون)، أو حتى بمجرد مركزة السلطة بين يدي الرئيس وتنزيل مشروعه للديمقراطية القاعدية أو المجالسية. ولا يبدو في المدى المنظور ما ينبئ باقتراب مغادرة الرئيس للمربع الهوياتي للصراع، بل إن المرجح عندنا هو أن يحاول الرئيس استثمار هذا المربع بالصورة القصوى لتقوية موقعه في حرب "الصلاحيات الدستورية" أو حرب كسر العظام ضد رئيسي الحكومة والبرلمان.

twitter.com/adel_arabi21