قضايا وآراء

تونس..أزمة دستورية بعُمق سياسي

1300x600
يُواجهُ التونسيون، ومعهم كل من يُتابع مسار تجربتهم في البناء الديمقراطي، سؤالا كبيرا مفادُه: إلى أين تتجه تونس؟ وهل ثمة مخرج ممكن، وقابل للتنفيذ لأزمة رئاسيات المؤسسات الثلاث: رئاسة الدولة، والبرلمان والحكومة؟.

تتفرع عن سؤال المستقبل والمآل أسئلة كثيرة ومتنوعة، منها ما له صلة بمكانة هذه المؤسسات الثلاث في دستور 2014، والتوزيع الذي كرسته الوثيقة ورسمت حدوده بين الأطراف الثلاثة، وأخرى لها علاقة بطبيعة المشهد السياسي التونسي، والتجاذبات التي تخترقه، وتوجه نشاط مكوناته الحزبية والنقابية. ثم إن الأزمة التي تبدو عميقة في تونس، ولا يظهر في الزمن القريب أفق واضح لتجاوزها، تستبطن عناصر ساهمت في تعقيد الوضع، وعمقت الفجوة بين أطرافه. فمن جهة، هناك رئيس دولة مدعوم بشرعية انتخابية عالية المنسوب، ليس له سند حزبي يرجع إليه لاختبار تصوراته لقيادة تونس، وترشيد سياساته ، وحتى العدول عن بعضها إن اقتضى الأمر، ونصحته مراجعه الحزبية بذلك، وهو أيضا رئيس دولة، دخل حلبة السياسة من خلفية أكاديمية، وتحديدا من محراب " القانون الدستوري"، الذي يُنعت في الفقه القانوني بـ" قانون تنظيم الدولة وضبط ممارسة السلطة"، ومن جهة أخرى، نحن أمام برلمان (مجلس نواب الشعب)، متعدد المكونات، يرأسه زعيم إسلامي، منحت الانتخابات التشريعية أغلبية المقاعد لحزبه، قياسا لغيره من التنظيمات السياسية والحزبية، وهو أيضا رجل خبر السياسة، وتمرس على مكرها منذ عقود، وذاق الاغتراب الإجباري وعذابات المنافي، غير انه امتلك كفاءة الصبر ونَفَسَ تَحَيُن فرصة الانقضاض على السلطة، والتفنن في إدارة خيوطها وهو خارج مناصبها الرسمية،، بالأحرى حين أصبح في قليها على رأس السلطة التشريعية. أما رئيس الحكومة، فيُمثل الحلقة الأضعف، بحسبه في منزلة من المنزلتين، تتقاذفه ضغوطات مؤسستي الرئاسة والبرلمان ورهاناتها المتباينة.

لم يعرف المشهد السياسي التونسي درجة التوتر التي يعيشها اليوم، ففي ظل وجود اتجاهات سياسية متعارضة في أعقاب سقوط النظام، وتشكيل الحكومات الأولى، بما فيها حكومة الترويكا، التي جمعت ثلاث قوى سياسية متباينة المنطلقات والأبعاد، ظل البحث عن التوافق السمة الغالبة، و انتصر منطق الحوار والبحث عن المشترك عن غيره من المواقف المتحكمة في مسار التحول الديمقراطي في تونس.

أما اليوم، وتحديدا منذ الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة، تغلّب منطق التجاذب بين رؤوس المؤسسات الدستورية الثلاث  (رئاسات الدولة والبرلمان والحكومة)، وضعفت ثقافة البحث عن المشترك لخدمة الإنجازات الفعلية التي ينتظرها التونسيون منذ سنوات. أما الوقائع المفسرة لهذا المنحى السلبي في السياسة التونسية فكثيرة ومتعددة. أبرزها ما حصل بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، حين بادر هذا الأخير في أيار/ مايو 2020 إلى تهنئة رئيس المجلس الرئاسي الليبي " فايز السراج" باسترجاع قاعدة الوطية الجوية من قوات اللواء المتقاعد " خليفة حفتر"، ونذكر أن ردّ الرئيس التونسي المباشر اختصره في قوله، مخاطبا رئيس البرلمان " الغنوشي" إن " لتونس رئيسا واحدا" ، مع ما أعقب ذلك من محاولات سحب الثقة من رئيس "مجلس نواب الشعب"، لم تُكلل بالنجاح. وقد توالت الوقائع المؤكدة لهذا المنطق الجديد في السياسة التونسية، كما حصل مع استقالة حكومة الياس الفخفاخ، المرشحة من قبل رئيس الجمهورية، بسبب اتهامها بالفساد وتضارب المصالح. وحتى بعد تعيين رئيس الحكومة الجديد هشام المشيشي، وقبول البرلمان للأسماء المقترحة في حكومته، لم يتردد رئيس الجمهورية في ممارسة اعتراضه على أسماء في عضوية الحكومة الجديدة، لتقديره تورطهم في عمليات فساد، ورفض أداء القسم الدستوري أمامه، وهو ما جعل رئيس الحكومة نفسه يقبل الوزراء المقترحين من قبل الرئيس، وإن كان هناك تضارب للمصالح، كما هو حاصل في شخص وزير الداخلية توفيق شرف الذي ترأس الحملة الانتخابية للرئيس قيس سعيد في ولاية سوسة، والذي سيُقال بدوره بعد شهور إلى جانب وزيري الثقافة والسياحة المحسوبين جميعا على صفّ الرئيس.

والحقيقة ثمة سيل من الوقائع التي تُثبت وجود تجاذب بين الرئاسيات الثلاث ، التي تتحجج جميعها بالدستور وبالصلاحيات الممنوحة لكل واحدة منها بمقتضى الوثيقة الدستورية الجديدة  2014، وهي تخفي في الواقع خلافات سياسية عميقة، تؤدي تونس ضريبته في الاقتصاد، والاجتماع، والاستقرار المطلوب من أجل التنمية.

يعكس العمق السياسي لأزمة الرئاسيات التونسية في عدم وجود ثقة متبادلة بين الأطراف الثلاثة، وبين المكونات المتنوعة الداعمة لها من الخلف. ويُظهر النقاش الدستوري الناظم لهذه الأزمة ـ على ضعف أسانيده وعدم تطابقه مع الوثيقة الدستورية في بعض جوانبه ـ أن تأويلا جديدا يخترق نص الدستور، يروم تغيير روحه من قبل رئيس الجمهورية، أو يهدف إلى إلباسه معاني لا تتوافق مع مقاصد قواعده وأحكامه، كما يُستنتج من مواقف رئيسي البرلمان والحكومة. ومن يتابع تفسيرات رئيس الجمهورية قيس سعيد، يلمس إصراره المنتظم على إبراز المكانة المتخيلة لديه لمؤسسة الرئاسة، حتى وإن جاءت مخالفة لروح الدستور، الذي سعى واضعوه إلى نزع الطابع التراسي أو الرئاسوي Presidentialiste عنه، كما حصلت جزئيا خلال حكم الحبيب بورقيبة، وتأكدت أكثر على عهد من تولى الحكم بعده زين العابدين بن علي.. و الحال أن جوهر الدستور التونسي الجديد أنه نزع هذا الطابع، وأبقى على اختصاصات متوازنة لمؤسسة الرئاسة. أما ما يبدو على أسانيد رئيسي البرلمان والحكومة أن هناك سعيا لحصر رئيس الجمهورية في الزاوية، بذريعة أن الحكومة تنبع من نتائج الانتخابات التشريعية، ويتم مباركتها بموافقة البرلمان وتنصيبه لها، و أن جوهر اللعبة السياسية ينحصر في دائرة البرلمان والحكومة .. لذلك، لن يخدم هذا المنطق المتحكم في تجاذبات الأطراف الثلاثة المصالح العليا لتونس، التي يتوق أبناؤها لجني ثمار التضحيات التي قدموها، والتي غدت لهم مع التدرج في الزمن صعبة المنال، وربما مستحيلة التحقيق.