قضايا وآراء

تونس: مأزق دستوري أم مأزق سياسي؟

1300x600
عند توافقهم على النظام البرلماني المعدّل وعلى القانون الانتخابي، كان الآباء المؤسسون للجمهورية الثانية يطمحون إلى وضع نظام حكم يحقق غايتين أساسيتين: أولا تفكيك مركزية السلطة التي قلبت النظام الرئاسي إلى نظام رئاسوي زمن المخلوع، ثانيا منع تغوّل أي حزب سياسي على المشهد العام كما فعل الحزب الحاكم في تونس خلال المرحلتين الدستورية والتجمعية.

لقد حرصت التوافقات التأسيسية على توزيع السلطات بين مختلف الفاعلين السياسيين بصورة تمنع عودة الاستبداد، ولكن العديد من العوامل السياقية - مثل الضغائن الأيديولوجية وانعدام الثقة بين الفاعلين السياسيين، وغياب سردية موحدة للثورة، و"هلامية" المشروع الوطني الجامع - جعلت تلك "التوافقات التأسيسية" محتاجة بصورة دورية إلى "توافقات سياسية" تمنع تفجّر "الألغام" التي أخفاها الاحتفاء بـ"الاستثناء التونسي". إنها ألغام ترتبط من جهة أولى بالدستور ذاته من جهة وجود بعض الفراغات أو المسكوت عنه أو التناقض الممكن بين بعض فصوله، وترتبط من جهة ثانية بطبيعة النظام السياسي ذاته والقانون الانتخابي.
ألغام ترتبط من جهة أولى بالدستور ذاته من جهة وجود بعض الفراغات أو المسكوت عنه أو التناقض الممكن بين بعض فصوله، وترتبط من جهة ثانية بطبيعة النظام السياسي ذاته والقانون الانتخابي

لقد كانت اللحظة التأسيسية لحظة واعدة، ولكنها كانت أيضا لحظة مأزومة. فهي لحظة واعدة من جهة ما تبشّر به من "وضعية مثالية" تشتغل فيها جميع المؤسسات والسطات"معا" لتحقيق الصالح العام، أي مأسسة شعارات الثورة أو تحويل مطالبها إلى سياسة للدولة داخليا وخارجيا. إنها وضعية "مثالية" لأنها تفترض تجانس الرئاستين التنفيذيتين من جهة أولى، وتفترض من جهة ثانية التجانس بين السلطة التنفيذية - برأسيها - وبين السلطة التشريعية، خاصة الحزب الحاصل على الأغلبية.

ويعلم المتابع للشأن التونسي أن هذه الوضعية لم تتحقق إلا بصورة عابرة/ هشة بعد انتخابات 2014. فرغم "تغّول" نداء تونس- سيطرته على الرئاسات الثلاث دون تعبير أي طرف عن وجود "تخوفات" جدية على الديمقراطية - ورغم إحكام المرحوم الباجي قائد السبسي سلطته على رئاسة الحكومة وعلى مجلس النواب مؤقتا، فإن تمرد رئيس الوزراء يوسف الشاهد على وضعية "الوزير الأول"، وانقسام حركة النداء إلى أكثر من "شق" - بسبب الصراعات الكبيرة بين قادة النداء ومؤسسيه - كل ذلك قد تسبب في أزمات سياسية دورية لم تنته بوفاة الرئيس السابق، ولا يبدو أن وصول السيد قيس سعيد إلى رئاسة الجمهورية سيكون مساعدا على الخروج منها.

رغم الفوارق الكثيرة بين المرحوم الباجي قائد السبسي والرئيس الحالي قيس سعيد - اختلافات في التجربة داخل أجهزة الدولة، في وجود رافعة حزبية انتخابية، في الحزام/المشروع السياسي بعد دخول قرطاج.. الخ - فإن ما يجمع بين الرجلين هو خلفيتهما الحقوقية، وسعيهما إلى الانقلاب واقعيا على القانون المنظم للسلطات، وذلك بمركزة السلطة في قرطاج ومحاولة تهميش السلطة التشريعية، وتدجين رئيس الوزراء ليتحول بحكم الأمر الواقع إلى "وزير أول" كما كان الأمر زمن المخلوع.
على خلاف المرحوم قائد السبسي، فإن الرأسمال الرمزي للسيد قيس سعيد يكاد ينحصر في صفة "الخبير الدستوري". فلا يعرف التونسيون عن هذا "الانسان المستقر" أكثر من أنه كان مدرسا للدستور في الجامعة برتبة أستاذ مساعد

ولكنّ الخلفية الحقوقية للمرحوم الباجي قائد السبسي لم تكن تحتل مركز جملته السياسية، ولم تكن تلك الخلفية ذات تأثير كبير في إنتاج المواقف السياسية المطلوبة لإدارة الصراعات داخل حركة النداء وخارجها. لقد كان المرحوم الباجي يسوّق لنفسه باعتباره "رجل دولة"، أي باعتباره ذلك البورقيبي الذي دعاه منطق الواجب - لا الايمان بالثورة - للرجوع إلى السياسة بقصد إعادة هيبتها وحماية نمطها المجتمعي.

وعلى خلاف المرحوم قائد السبسي، فإن الرأسمال الرمزي للسيد قيس سعيد يكاد ينحصر في صفة "الخبير الدستوري". فلا يعرف التونسيون عن هذا "الانسان المستقر" أكثر من أنه كان مدرسا للدستور في الجامعة برتبة أستاذ مساعد - أي برتبة متدنية حسب التراتبية العلمية الجامعية - ولكنّ هذا "الخبير الدستوري" بدا منحازا إلى الثورة وإلى قضايا شعبه الكبرى أكثر من غالبية "الخبراء"، وهم في الحقيقة مجرد ملحقات وظيفية ببعض الأحزاب أو اللوبيات المالية والجهوية. ولذلك أضيف إلى رأسماله الرمزي الأصلي رأسمال جديد يرتبط بـ"المثقف العضوي" المتصالح مع دينه وهويته، لكن من غير أن يتماهى مع الإسلام السياسي أو مع خصومه الأيديولوجيين.

وقد سمحت بعض المعطيات السياقية - من مثل اختلاف المنظومة القديمة على دعم مرشح معين، ومواجهة السيد نبيل القروى في الدور الثاني - بوصول السيد قيس سعيد إلى قرطاج بنسبة تصويت عالية. وبقراءته لتلك النسبة على أساس أنها نوع من "التفويض الشعبي"، عمد الرئيس قيس سعيد إلى توظيف الأزمة البرلمانية - بل تعميقها - ليحاول النجاح فيما فشل فيه المرحوم قائد السبسي: الانقلاب على القانون المنظم للسلطات ومركزة السلطة في قرطاج دون الحاجة إلى تقديم مشروع قانون لتعديل الدستور.

يأبى التاريخ - الذي يقال إنه لا يعيد نفسه إلا في شكل مهزلة - أن يحرم التونسيين من مهازله منذ أن كتبوا دستور جمهوريتهم الثانية. ولعل سبب سخرية التاريخ من دستور "الجمهورية الثانية" هو تحوّلها - بمسارها الانتقالي وبما تدعيه من مأسسة لاستحقاقات الثورة - إلا مجرد لحظة ثانية في الجمهورية الأولى.
لعل قضية المحكمة الدستورية هي أعظم مثال على الطبيعة السياسية للأزمة. فغياب المحكمة راجع بالأساس إلى توازنات وحسابات سياسية - داخلية وإقليمية - تتجاوز مجلس النواب، وهو أمر لا يختلف عن الأسباب العميقة لموقف رئيس الجمهورية من المحكمة الدستورية

فبعد أن التقي الخطّان المتوازيان على حد عبارة المرحوم قائد السبسي - خط النهضة وخط نداء تونس - في توافق سياسي لم يستفد منه إلا طلقاء الثورة والمشبوهون من مختلف الأيديولوجيات والفئات، ها هو "الخبير الدستوري" قيس سعيد يُنصّب نفسه مرجعا أعلى للدستور ويبشّر التونسيين - من خلال تعليله لرد قانون المحكمة الدستورية إلى مجلس النواب - باستحالة إرساء "المحكمة الدستورية" بسبب تجاوز الآجال الموضوعة لذلك.

ولعل قضية المحكمة الدستورية هي أعظم مثال على الطبيعة السياسية للأزمة. فغياب المحكمة راجع بالأساس إلى توازنات وحسابات سياسية - داخلية وإقليمية - تتجاوز مجلس النواب، وهو أمر لا يختلف عن الأسباب العميقة لموقف رئيس الجمهورية من المحكمة الدستورية الآن وهنا: رفض إرساء سلطة تحكيميةٍ تحرم الرئيس من "احتكار" تأويل الدستور وتعطي للحزام السياسي لرئيس الحكومة "المتمرد" قدرة أكبر على المناورة في إطار حرب الصلاحيات - أو حرب المحاور الإقليمية - مع رئاسة الجمهورية.

twitter.com/adel_arabi21