آراء ثقافية

خطبة الفلسطيني الأخيرة أمام الرجل الأبيض!

أرشيفية

يصعب على قراء الشعر العربي ألا يعودوا من حين لآخر إلى قصيدة درويش الشهيرة "خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض"، (المنشورة ضمن ديوان أحد عشر كوكبا، سنة 1992). فهي تتجاوز كونها قصيدة رائعة إلى كونها علامة على درب الشعر؛ يحتاج الشعراء إلى تأملها، فهي -في تقديري- تكشف بعض أسرار الشعر؛  كيف يمكن أن يتعاطى الشاعر مع نصوص تنتمي إلى التاريخ والأنثروبولوجيا، دون أن يفقد نصه الشعري طزاجته الشعرية وغنائيته الآسرة ورؤيته السياسية الآنية؟

 

 

معلوم أن درويش يستدعي في مفتتح قصيدته نصا قديما، يتكون من سطرين منسوبين لسياتل، الزعيم الهندي الأحمر لدواميش واسكواميش، وذلك حيث يقول: "هل قلتُ موتى؟ لا موتى هناك. هناك فقط تبديل عوالم". ومن المعلوم أن السطرين جزء من خطبته في حفل استسلام تاريخي سنة 1854، حين سلم أرضه للمستعمرين البيض، محاولا إنقاذ ما تبقى من شعبه الذي شارف على الفناء تحت وطأة قمع المستعمر الأبيض؛ سليل الحضارة الأوروبية!

وبغض النظر عن مدى صحة نسبة الخطبة للزعيم سياتل، فقد ظلت من أكثر النصوص تعبيرا عن ثقافة الهنود الحمر ورؤيتهم البسيطة والعميقة للحياة، ولأرضهم وأوطانهم التي سلبها المستعمر الأوروبي ليقيم حضارته على أنقاضهم وعظامهم بقسوة مرعبة. في قصيدته، يستعير درويش روح الهنود الحمر، متخذا منهم قناعا يرتديه الفلسطيني، الذي يواجه حرب هوية أخرى، قد يكون عدد ضحاياها أقل بكثير من السبعين مليون هندي أحمر، غير أن جرائمها أفدح إذا وضعت في سياقها التاريخي الأحدث، حيث العالم ينفض عن نفسه جرائم الحروب العالمية وينحو نحو حركات التحرر والحقوق المدنية.

ثمة مشترك واضح بين الفلسطيني والهندي الأحمر؛ فليس المطلوب أن يستحوذ الرجل الأبيض على أرضهما، بل المطلوب إبادتهما؛ ألا يكون في العالم هنود حمر ولا فلسطينيون. ومع أن الأسباب والأيديولوجيا لدى المستعمر الأوروبي لأمريكا اختلفت عنها لدى المستوطن الصهيوني لفلسطين، فإن النتيجة واحدة: لا حق للضحية، صاحب الأرض، في الحياة.

وما دام الهندي الأحمر بلا حيلة أمام إجرام المستوطن الأوروبي وأسلحته الفتاكة، فقد ارتكن إلى حضن الطبيعة الأم: الأرض بشجرها وأنهارها وسمائها وطيورها، وكذلك صنع درويش. من هذه الأرضية التي تقدس الحياة من حيث كونها حياة فحسب، لا يجوز سلبها من أحد، ومن حيث كونها محض تحقق إنساني أولي؛ من هذه الأرضية التي تنحاز إلى ما هو بدائي وحر وطازج فينا، يدعو الهندي الأحمر مستعمره دعوة مدهشة: تعال ولن نتقاتل، على هذه الأرض متسع لنا، فمثلما كانت الموارد مشاعا بيننا جميعا، تعال ولنقتسم كل شيء. يقول درويش:

لَنا ما لنا... وَلَنا ما لَكُم منْ سَماءْ
لكُمْ ما لكُمْ... ولكُمْ ما لَنَا من هواءٍ وماءْ
...
تَعالَ لِنَقْتَسِمَ الضّوْءَ في قُوّةِ الظِّلّ، خُذْ ما تُريدْ
منْ اللّيْل، واترُكْ لنا نَجْمتيْن لندْفنَ أَمْواتنا في الْفَلكْ
وخُذْ ما تُريدُ من الْبَحْر، واتْرُكْ لنا مَوْجتَيْنِ لصَيْدِ السّمكْ

لكن الرجل الأبيض يملك قوة مطلقة ودينا غريبا يورثه الأرض ويمنحه حقا مطلقا في قتل ضحاياه، الذين لا يستحقون مشاطرته عالمه:

"نُبَشّرُكُمْ بِالْحَضَارة" قال الْغريبُ، وَقال: أنَا
سَيّدُ الْوقْتِ، جِئْتُ لِكَيْ أرثَ الأرْض منْكُمْ،
فَمُرّوا أمامي، لأحْصيَكُمْ جُثّةً جُثّةً فَوْقَ سطحِ الْبحَيْرَة
"أبشّركُمْ بالْحضارة" قال، لتحيا الأناجيلُ، قال، فَمُرُّوا
لِيَبْقى ليَ الرّبُّ وَحْدي، فإنّ هُنودًا يَموتونَ خَيْرٌ
لسَيّدنا في الْعُلى منْ هُنودٍ يعيشونَ، والرّبّ أَبْيَض
وَأَبْيَضُ هذا النّهارُ: لَكُمْ عالمٌ ولنا عالَمٌ.

لكن بماذا يقاتل الهندي الأحمر مستعمرا قادرا على اقتراف تلك الجرائم؟ بتاريخه، وانتمائه إلى هذه الأرض؛ بمد جذوره أكثر وأكثر في بطنها وسمائها وأشجارها:

سنسمعُ أصواتَ أسلافنا في الرّياح، ونُصْغي
إلى نبْضهمْ في براعم أشجارنا. هذه الأرْض جدّتُنا
...
مشينا حُفاةً لِنَلْمَسَ رُوحَ الحَصَى
وَسِرْنا عُراةً لتَلْبَسَنا الرّوحُ، روحُ الهواء، نساء
...
وَنَحْفظَ ذكرى أحبّتنا في الْجِرارْ
مَعَ الْملْح والزّيْتِ، كنّا نُعَلّقُ أسْماءَهُمْ بُطُيور الجداوِلْ
وكنّا الأوائِلَ، لا سقْفَ بَيْنَ السّماء وَزُرْقة أَبْوابِنَا

على أن هذه القصيدة تجترح قدرة نادرة على شرح نفسها بنفسها. لا حاجة إلى البحث المتعمق لاكتشاف الروح الأسطورية المتغلغلة في صور النص، من حفظ ذكرى الأحبة في جرار الملح والزيت، إلى تعليق أسمائهم بطيور الجداول، وزرقة الأبواب المتصلة بالسماء والدفاع عن طيش الغزلان والريش في جناح الأغاني الأخيرة... هذا مجاز ألهمته طزاجة الحياة القديمة وخطوات الإنسان الأول على هذه الأرض، ونضاله ليبقى وليحفظ ذكرى من أحب: 

سَنمْضي إلى حتْفنا، أوّلاً، سنُدافع عن شَجرٍ نَرْتَديه
وَعَنْ جَرَس اللّيل، عن قمرٍ، فوق أكواخنا نشْتهيه
وعن طيش غزلاننا سندافع، عن طين فخّارِنا سَندُافعْ
وعن ريشنا في جناح الأغاني الأخيرَةِ...

يقول درويش في حوار قديم: "منذ بداياتي الشعرية وأنا أتعامل مع موضوعة الأرض وعناصرها، من عشب وشجر وحطب وحجارة، ككائنات حيّة. إنني، إذاً، مكوّنٌ بطريقة تتيح لي التقاط رسالة الهندي الأحمر. وحين قرأت ثقافتهم أدركت أنهم عبّروا عنّي بأفضل مما عبّرت عن نفسي. ولسوف يشرفني أن يرتقي دفاعي عن الحق الفلسطيني إلى مستوى دفاع الهندي الأحمر، فهو دفاع عن توازن الكون والطبيعة
الذي يشكل سلوك الأبيض خرقاً له".

لكن درويش، لسبب لا يعرفه أحد، اعتبر خطبة الهندي الأحمر "ما قبل الأخيرة".. ولا نعلم لماذا لم تكن الأخيرة شعريا مثلما كانت الأخيرة تاريخيا. فمن حيث التاريخ مثّلت خطبة سياتل نهاية صريحة لنضال الهنود الحمر، وكلمة استسلام أخيرة قالتها الضحية وسكين الرجل الأبيض على عنقها. أما في قصيدة درويش، فهي "ما قبل الأخيرة"، كأنه يومئ إلى أن الفلسطيني لم يقل بعد كلمته الأخيرة، أو لنقل إن قصيدة التشبث بهذه الأرض ليست أخيرة، ثمة كلام آخر سيقوله الفلسطيني مستقبلا، وثمة خطبة أخرى سوف نسمعها، ما هي؟ لم يخبرنا درويش، لكن لعل الصمود الفلسطيني من الشيخ جراح إلى حيفا والضفة وغيرهما في الداخل الفلسطيني... لعله هو من يشي بخطبة أخيرة مغايرة، ومنتظرة بلهف!