ملفات وتقارير

برلمان السيسي يسعى لتجاوز دور مجلس الدولة في إصدار القوانين

مجلس الدولة مختص بمراجعة صياغة التشريعات والقوانين الجديدة- جيتي

لا يملك مجلس النواب المصري الموافقة على أي قانون دون إرساله إلى مجلس الدولة (هيئة قضائية) من أجل مراجعة صياغة التشريعات والقوانين الجديدة، وفق نص الدستور، والمعمول به منذ سنوات طويلة حتى لا تتضمن المواد أي مخالفات دستورية.


لكن يبدو أن هذا الدور مهدد بالانتهاء إلى الأبد مع بدء مجلس النواب مناقشة إجراءات تعديل قانون لائحته الداخلية، لتتضمن إلغاء وجوبية عرض مشروعات القوانين التي يقرها المجلس على قسم التشريع بمجلس الدولة. بناء على مقترح حزب مستقبل وطن الموالي للنظام بحسب موقع "مدى مصر" (مستقل).


ويقوم المجلس بمراجعتها قانونيا وضبط صياغتها، واستبدالها بمنح رئيس المجلس سلطة جوازية في عرض تلك المشروعات على مجلس الدولة من عدمه، بدلا من كونها إلزامية كما ينص الدستور المصري الحالي.


مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة، وفق الدستور، يختص دون غيره بالفصل في المنازعات الإدارية، ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه، كما يختص بالفصل في الدعاوى والطعون التأديبية.


كما يتولى الإفتاء في المسائل القانونية للجهات التي يحددها القانون، ومراجعة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية، التي تحال إليه، ولا يجوز إصدار أو الموافقة على أي تشريع إلا بعد عرضه على المجلس، ويحدد قانون اللائحة الداخلية لمجلس النواب، في مواده إجراءات ذلك.


نزع الرقابة عن كل شيء


فند عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان سابقا، ممدوح إسماعيل، تلك الخطوة، وقال: "المقترح بإلغاء رقابة قضاء مجلس الدولة على التشريعات فيه شبهة قوية بعدم الدستورية لمخالفة المادة 190 من الدستور، ولذلك هم يريدون الالتفاف على ذلك بجعل الإحالة لقسم التشريع جوازيا وهذا لا يقلل من شبهة عدم الدستورية مطلقا".


وأوضح لـ"عربي21": "أن الهدف من ذلك هو إحكام السيطرة التامة على التشريع بحيث يكون البرلمان المعين من السيسي هو الأداة الوحيدة لتنفيذ تشريعات العسكر"، مشيرا إلى "أن مجلس الدولة منذ اصطدامه مع عبد الناصر والسادات ومبارك ورغم تقليمه في عهد السيسي ما زال فيه أصوات ولو قليلة ترفض هيمنة استبداد الدولة".


واستدرك ممدوح وهو محام أيضا، "ولو تم هذا المقترح فسيصبح التشريع يصنع في إدارة العسكر القضائية ثم موافقة برلمان السيسي والمحكمة الدستورية وكلهم معينون من الدولة فهي أداة للنظام منذ أن أنشأها السادات ورفضها قضاة النقض".


ولكن يبقى الأهم، بحسب ممدوح، أن وراء ذلك حزمة تشريعات يريد العسكر تمريرها بسرعة وهنا الخطورة، فما هو القادم والدولة كلها بأيديهم؟ وأخيرا يبقى عنوان هذا المقترح هو أن العسكر لا يريدون أي تواجد لأصحاب القانون والتشريع ويكونون هم وحدهم من يحكمون ويشرعون وينفذون".


تفريغ السلطة القضائية


الخبير والمستشار القانوني، الدكتور مختار العشري، أكد على أهمية المراجعة والصياغة القانونية لتشريعات أي برلمان، قائلا: "الصياغة القانونية هي أمر تخصصي لبعض القانونيين وليس كلهم فما بالك لغير المتخصصين ولا القانونيين، ولا يمكن القول بأن بعض الرؤساء السابقين للمحكمة الدستورية (رؤساء مجلسي النواب والشيوخ) يمكن أن يقوموا بالدور الذي يقوم به قسم التشريع في مجلس الدولة فهو قسم متخصص في هذا الجانب".


ورأى في حديثه لـ"عربي21" أن "النظام العسكري القائم يسعى حاليا إلى تفريغ السلطة القضائية والهيئات القضائية من مضمونها وتحويلها إلى سلطة تابعة للسلطة التنفيذية وليست سلطة مستقلة من سلطات الدولة الثلاث مع السلطتين التشريعية والتنفيذية، ودخولهم لبيت الطاعة العسكري بشكل كامل ويتم ذلك من خلال تعديلات في قوانين السلطة القضائية والهيئات القضائية المختلفة خاصة مجلس الدولة وذلك لتقليص صلاحياته في مراقبة قرارات السلطة التنفيذية".


وتابع: "ومن ذلك أيضا تقليص دوره التشريعي في مراجعة القوانين قبل عرضها على المجالس النيابية وكذا منع تدخله في صياغة القوانين والتشريعات الأمر الذي يبشر بمزيد من التخبط في الدولة المصرية ممثلا هذه المرة في صياغة التشريعات من غير مختصين في الصياغة القانونية".


مقدمة لتشريعات مجحفة


في السياق، حذر المستشار محمد عوض، رئيس محكمة استئناف الإسكندرية سابقا، من مغبة تلك الخطوة "رغم سيطرة النظام على البرلمان والقضاء، وتمريرهما لكل التشريعات، ولكن تجاوز رأي مجلس الدولة من شأنه أن يسن سنة خطيرة، هذا إلى جانب أن الخطوة غير دستورية بالأساس، وستجعل مناخ التشريع أكثر إسهابا وسيولة".


وتوقع في تصريحه لـ"عربي21" أن "يكون هذا الإجراء مقدمة إلى إصدار العديد من القوانين المجحفة، وانتهاك أكبر لحقوق الإنسان في مصر في الفترة المقبلة؛ ولذلك يرغب نظام السيسي في التنصل من أحكام الدستور المقيدة لحركته".


وختم حديثه بالقول: "النظام ليس بحاجة إلى مراجعة التشريعات، فهو يسارع الخطى نحو بناء المزيد من السجون، أربعة سجون جديدة في طريقها للإنشاء، ما يؤكد أن الفترة المقبلة لن تكون سهلة، خاصة في ظل أزمة سد النهضة، وسوف يزيد من انتهاكاته".