قضايا وآراء

تونس ليست مصر ولا تركيا

1300x600
رغم أن تونس قد مثلت استثناء حقيقيا في مسارات ومآلات الربيع العربي (تجنب الاحتراب الأهلي)، فإن انتقالها الديمقراطي عرف عدة أزمات بيّنت مدى هشاشته وقابليته للارتداد إلى مربع ما قبل 14 كانون الثاني/ يناير 2011. وقد أوضحنا في مقالات سابقة الطبيعة البنيوية (اعتماد خيارات المنظومة القديمة وسياساتها الكبرى في إطار "مأسسة" استحقاقات الثورة) والتأسيسية (التوافقات الانتهازية و"الملغّمة" و"المؤقتة" التي حكمت مخرجات المجلس التأسيسي) لتلك الأزمات. فكل ما عرفته تونس منذ هروب المخلوع أزمات "مشتقة" من التعاطي الفاشل مع الثورة، بتحويلها إلى انتقال سياسي شكلي وإفقادها مضمونها الاجتماعي. ولا يمكن استثناء أي طرف من المسؤولية عن هذا الانحراف الخطير، دون أن يعنيَ ذلك التسوية بين الجميع في تلك المسؤولية فيضيع دم الثوار بين قبائل الانتهازيين.

لقد كان مسار "مأسسة الثورة" أشبه ما يكون بمتوالية من الانقلابات الناعمة على جوهرها (الحرية، العدالة، الكرامة الوطنية)، وهي انقلابات شرعنها أصحابها بمنطق "الاستثناء التونسي" الذي يمكن اختزاله في تثبيت رموز المنظومة القديمة في مواقع سلطوية متقدمة في مرحلة التأسيس للجمهورية الثانية (فؤاد المبزع، محمد الغنوشي، ومن بعدهما المرحوم الباجي قائد السبسي).
كل ما عرفته تونس منذ هروب المخلوع أزمات "مشتقة" من التعاطي الفاشل مع الثورة، بتحويلها إلى انتقال سياسي شكلي وإفقادها مضمونها الاجتماعي. ولا يمكن استثناء أي طرف من المسؤولية عن هذا الانحراف الخطير، دون أن يعنيَ ذلك التسوية بين الجميع في تلك المسؤولية فيضيع دم الثوار بين قبائل الانتهازيين

ويمكننا فهم روح تلك المرحلة التأسيسية وما حكمها من موازين قوى بين "المنظومة القديمة" والوافدين الجدد على السلطة؛ باستحضار قولة المرحوم قائد السبسي أمام "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي"، دون أن يتجرأ أحد على معارضته: "نحكم وحدي وما يحكم معايا حد" (أي أنا من يحكم ولا يحكم معي أحد). لقد كان المرحوم الباجي يعبّر عن واقع السلطة خلال أهم مرحلة أعقبت الثورة، وهو واقع سيزداد رسوخا بعد تأسيسه "نداء تونس" وهيمنته على الرئاسات الثلاث بعد انتخابات 2014.

بعد انتخابات 2014 وانتهاج منطق التوافق بين المنظومة القديمة وحركة النهضة، نجحت تلك المنظومة في تحقيق هدفين استراتيجيين: أولا نجحت في استعادة التوازن بصورة شبه كلّية (إعادة تدوير ورثة المخلوع والدفع بهم إلى أهم المراكز السلطوية مع الدفع بالنهضة للقبول بدور الشريك الصغير أو شاهد الزور على خيارات غير شعبية، أهمها قانون المصالحة الاقتصادية الذي استفاد منه الكثير من المشبوهين وأبعدهم عن المساءلة القضائية).

وثانيا نجحت المنظومة القديمة عبر أذرعها الإعلامية (خاصة بعد انقسام نداء تونس إلى شقوق متصارعة ولكن ذات نفوذ واسع داخل أجهزة الدولة) في تحميل النهضة المسؤولية وحدها عن الخيارات السلطوية اللاشعبية، لتضعها في مواجهة الغضب المتنامي والمشروع.

ولا ينفي كل ما تقدّم مسؤولية حركة النهضة عن تلك الخيارات، ولكنه يحاول فهم كيف استطاع الإعلام أن يوجّه الغضب الشعبي ويتلاعب به بطريقة تجعله يختزل منظومة الحكم في النهضة، وكيف يحاول ذلك الإعلام إلى حد هذه اللحظة إظهار القرارت التي اتخذها الرئيس يوم 25 تموز/ يوليو وكأنها صراع بين الرئيس والنهضة وليست صراعا ضد المنظومة الفاسدة برمتها.

مهما اختلف التونسيون والعديد من القوى الإقليمية والدولية في توصيف ما اتخذه الرئيس من إجراءات (انقلاب، تفعيل لصلاحيات دستورية، تصحيح مسار) فإن أغلب المواقع تتفق على أمرين: أولا وجود أزمة حقيقية في تونس لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه لأنها صارت تهدد وجود الدولة ذاتها كما تهدد التزاماتها الخارجية، خاصة تجاه المانحين/ الناهبين الدوليين، وثانيا وجود مخاوف مشروعة من تحول "حالة الاستثناء" أو الوضع المؤقت إلى وضع دائم بحكم عدم وجود خارطة طريق أو ضمانات تحول دون تكريس الاستبداد وضرب الحريات، أو حتى الانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي.
أولا وجود أزمة حقيقية في تونس لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه لأنها صارت تهدد وجود الدولة ذاتها كما تهدد التزاماتها الخارجية، خاصة تجاه المانحين/ الناهبين الدوليين، وثانيا وجود مخاوف مشروعة من تحول "حالة الاستثناء" أو الوضع المؤقت إلى وضع دائم بحكم عدم وجود خارطة طريق أو ضمانات

ولمّا كانت "السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة"، كما قال اللورد أكتون، فإن أغلب القوى السياسية والنقابية والمدنية في تونس دعت رئيس الجمهورية إلى وضع خارطة طريق وتقديم ضمانات تمنع أي انزلاق ممكن نحو حكم الفرد، وهو ما عبّر عنه البيان المشترك للعديد من القوى المدنية (الاتحاد العام التونسي للشغل، نقابة الصحفيين، جمعية القضاة، رابطة حقوق الانسان، هيئة المحامين، وغيرها).

منذ صدور القرارات الرئاسية، أثبتت الوقائع خطل منطق القياس أو الإسقاط. فأنصار "الشرعية" والقائلون بانقلاب الرئيس على الدستور وجدوا أنفسهم عاجزين عن تَونسة السيناريو التركي (إفشال الانقلاب بقوة الشارع وبناء جبهة مقاومة تتجاوز أنصار المنظومة الحاكمة وتشمل المعارضة)، ولذلك دعوا أنصارهم إلى مغادرة الشارع بعد أن فهموا استحالة تطبيق النموذج التركي (فلا الجيش التونسي هو الجيش التركي، ولا الحكومة التي حلها الرئيس هي حكومة أردوغان ذات الشعبية والإنجازات التي تستحق الدفاع عنها).

أما أنصار السيناريو المصري فقد وجدوا أنفسهم أمام رئيس يصرّ على تحركه من داخل الدستور، ويرفض تعليق العمل بذلك الدستور. كما وجدوا أنفسهم أمام مجتمع سياسي ومجتمع مدني يرفضان إعطاء صك على بياض للرئيس أو توكيله ليفعل ما يشاء دون خارطة طريق وضمانات. وهي وضعية تعكس موازين قوى محلية وإقليمية تجعل الانحراف إلى السيناريو المصري أمرا مستبعدا بحكم وجود رفض واسع لهذا السيناريو محليا ودوليا، ولكنها وضعية تجعل السيناريو التركي حديث خرافة، لأن الحزام الحزبي للحكومة - بقيادة حركة النهضة وحزب قلب تونس- لا يمتلك من الإنجازات ما يمكن الدفاع عنه حتى بين قواعد الحزبين، فما بالك بالدفاع عنه بين خصومهما؟
تونس تحتاج إلى خارطة طريق تعيد هندسة المشهد السياسي وتعيد للثورة مضمونها الاجتماعي بعيدا عن منطق الإقصاء أو التعامل الانتقائي (من لدن الرئيس وأنصاره)، وبعيدا أيضا عن سياسة الهروب إلى الأمام وعدم تحمل المسؤولية ورفض المراجعات الجذرية (من لدن النهضة وقياداتها التوافقية التي أثبتت الوقائع فشل سياساتها ولا شعبيتها)
أمام هذه الاستحالة المزدوجة على الأقل إلى حدود هذه اللحظة (استحالة السيناريو المصري واستحالة السيناريو التركي)، فإن تونس تحتاج إلى خارطة طريق تعيد هندسة المشهد السياسي وتعيد للثورة مضمونها الاجتماعي بعيدا عن منطق الإقصاء أو التعامل الانتقائي (من لدن الرئيس وأنصاره)، وبعيدا أيضا عن سياسة الهروب إلى الأمام وعدم تحمل المسؤولية ورفض المراجعات الجذرية (من لدن النهضة وقياداتها التوافقية التي أثبتت الوقائع فشل سياساتها ولا شعبيتها).

وقد أظهرت مواقف أغلب النواب وأبرز القوى الوطنية من قرارات الرئيس (ومعها مواقف طائفة كبيرة من التونسيين) عمق أزمة النظام البرلماني المعدل والقانون الانتخابي واحتياجهما إلى مراجعات جذرية. وهي مراجعات تطرح قضية "الشرعية" مرة أخرى: كيف يمكن تعديل النظام السياسي في وضع تجميد أعمال المجلس النيابي؟ وما هي شرعية أية توافقات تتم خارج ذلك المجلس أو دون الرجوع إلى الإرادة الشعبية عبر آلية الاستفتاء؟ إنهما سؤالان أساسيان سيون على الفاعلين الجماعيين الإجابة عنهما، أو سيكونان مجرد لغو تبعا لتطور الأحداث في تونس.

twitter.com/adel_arabi21