قضايا وآراء

لبنان: ماذا سيُسمع ماكرون لميقاتي في الإليزيه؟

1300x600
لا شك أن لقاء اليوم الجمعة بين رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي؛ يحمل في طياته إشارات ودلالات مهمة، خاصة أن اللقاء يأتي بعد نيل الحكومة الثقة من المجلس النيابي، علما أن الثقة مضمونة حتى قبل انعقاد الجلسة بفعل تمثيل كل القوى السياسية مواربة ضمن الحكومة، فأضحت الحكومة ليست حكومة إنقاذ بل حكومة الضرورة والحاجة قبل الانهيار الكبير.

لذلك، وبعيدا عن كثرة الكلام السفسطائي، سيكون اللقاء مصيريا. فما سيصدر عنه سيرسم مصير التيتانك اللبنانية للأيام القادمة، خصوصا حول الدعم للحكومة اللبنانية، بمعنى الإفراج عن مؤتمر سيدر ونتائجه التي عنوانها 11.7 مليار دولار للبنان لتنشيط القطاعات كافة، ففي ذلك رسالة بأن المجتمع الدولي حاضر لمساعدة لبنان لبداية لطريق الألف ميل مع صندوق النقد الدولي لبلورة اتفاق يعتبر واضح النقاط والأهداف، التي ربما سيسمعها ويكررها الرئيس الفرنسي على مسامع الضيف اللبناني، والتي تتلخص بما يلي:

أولا: موقف موحد تجاه الخسائر والفجوة المالية بين اللاعبين الكبار المعنيين بالخسارة، وهم الدولة والبنك المركزي والمصارف ثم يأتي دور كبار المودعين، مع ضرورة إجراء التدقيق الجنائي لمصرف لبنان، الذي سيكون للبنك المركزي الفرنسي دور ما في قادم الأيام، أقله في إيجاد آليات التدقيق المناسبة والموحدة، للوصول إلى رقم الخسائر الحقيقي الذي يقتنع به صندوق النقد الدولي.

ثانيا: الإصلاحات ثم الإصلاحات ثم الإصلاحات بكل معانيها ومفاعيلها، تلك الجملة التي ملت منها الشفاه ولا تطبق حتى الساعة بفعل المحميات، التي لا بد أن تزال عن المحظيين كافة، وتاليا الحديث عن إصلاح المالية العامة المتزامن مع إصلاح الهيكل الإداري للدولة اللبنانية وقطاع الكهرباء، الذي سيكون القنبلة الموقوتة في قادم الأيام.

ثالثا: الكابيتال كونترول المتزامن مع أي خطة اقتصادية ستشق دربها للخلاص، علما أن الموضوع طال انتظاره ولا خطوات عملية سوى تعاميم موضعية من مصارف لبنان؛ ليست بالكافية ولا الشافية لإنقاذ المودعين والاقتصاد في آن.

رابعا: الخصخصة التي ستكون النجم القادم لولوج الحكومة إلى استثمارات جديدة، مع خلق بيئة تشريعية ملائمة للنهوض بالاقتصاد.

خامسا: وضع حدود للسياسة النقدية وعلاقة الدولة بالمصرف المركزي، ووقف سياسة الطبع التي أرخت بظلالها حيث الكتلة النقدية تقارب 44 تريليون ليرة!! فقد تصدر لبنان مؤشرات التضخم في عام متفوقا على فنزويلا، موديا باللبنانيين إلى قعر جهنم الفقر حيث 82 في المئة من الشعب باتوا فقراء للأسف؟!

سادسا: تحييد لبنان بالقدر الكبير عن ملفات المنطقة الساخنة، وإن كان بالغطاء الحكومي الفرنسي الإيراني الأمريكي نفسه، وبحسب القطعة في سوق المفرق السياسي.

سابعا: الانتخابات النيابية والإعداد لها كأولوية حكومية، حيث تراهن فرنسا على تغير ما في بوصلة البرلمان اللبناني لتعيد التوازن، الذي سيجذب دولا انكفأت عن لبنان، لا سيما دول الخليج العربي. وهنا قد تؤدي فرنسا دورا ما مع السعودية لتليين موقفها، حيث الجفوة السعودية من الحكومة تبدو ظاهرة للعيان.

ثامنا: ضمان الدور الفرنسي في ملفات الغاز، مع ضرورة معالجة ملفات الترسيم العالقة جنوبا مع العدو الإسرائيلي عبر الوساطة الأمريكية والحدود الشمالية، مع تعزيز الدور الروسي، على أن يكون الفرنسي القناة غير المباشرة للحكومة في الملفات الأحفورية، وذلك لما لفرنسا من طموح في غاز المتوسط.

من هنا يجمع الخبراء على ضرورة المضي بجملة إجراءات مصاحبة لتوجهات الفرنسية عبر ما يلي:

أولا: وضع موازنة تحوي على إجراءات مالية تُخفّض العجز إلى أقلّ من 5 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي، وفي ذلك إجراءات تقشفية، قد تحمل مواجهات مع الفئات الشعبية المنهكة أصلا.

ثانيا: خفض الضرائب على الاستثمارات بهدف تشجيعها، وفي ذلك خطوة لا بد أن تكون مصحوبة مع وجه جديد للسياسة الخارجية للبنان بعيدا عن المحاور، وهنا يحتاج الميقاتي وفريقه جهدا استثنائيا.

ثالثا: ترك تحديد أسعار الفائدة للسوق، أي بحسب مبدأ العرض والطلب، ومنع أي تدخل من خارج آليات السوق؛ مصحوبة بأدوات مراقبة فاعلة أمنيا وقضائيا.

رابعا: اعتماد سعر صرف حرّ أو مرن في أقل تقدير، وترك السوق يُحدّد هذا السعر بحسب آلية العرض والطلب. وعلى مصرف لبنان بلورة قدرة وهامش للتحرك، علما أن الحال وصل إلى الاحتياطي الإلزامي مما يصعب المهمة.

خامسا: رفع كل الإجراءات الحمائية التي تُشكّل عائقا أمام التبادل التجاري العالمي، وهنا لا بد من السعي لبعض الاستثناءات.

سادسا: جذب الاستثمار الأجنبي المباشر بهدف تعظيم حجم الاقتصاد الذي تهاوى إلى ما يقارب 18 مليار دولار، بعد أن وصل عام 2017 إلى 56 مليارا.

سابعا: اعتماد الخصخصة أو قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص، الذي أقره البرلمان ولم يفعّل.

ثامنا: تحرير آليات السوق بالكامل من أية قيود، وتشكيل هيئات ناظمة قطاعية لتأمين هذه الغاية.

تاسعا: ضمان حقوق الملكية الخاصة (وهو ما ينطبق على أموال المودعين في المصارف). وهذه الخطوة تشكل رافعة لإعادة الثقة بالاقتصاد والقطاع المصرفي في وقت واحد.

عاشرا: اعتماد المكننة كعنصر أساسي لمكافحة الفساد وتأمين الخدمات العامة بدون استنسابية أو رشاوى، مع السعي لتطبيق الكثير من القوانين الإصلاحية الأخيرة، ومنها قانون الشراء للمناقصات العمومية، مع تفعيل الدور القضائي فعليا بلا حصانات.

باختصار، يريد ميقاتي رافعة دولية فرنسية حقيقية؛ مالية واقتصادية وسياسية لحكومته، يوم قال: لدي ضمانات دولية للمساعدة على الصعد كافة، وتريد فرنسا ومعها المجتمع الدولي جملة معايير: الإصلاحات والشفافية، وسياسة التوازن بميزان الذهب مع ملفات المنطقة لمساعدة لبنان الذي يكاد يلفظ أنفاسه، فأي الخيارين يسبق الآخر: الانهيار أم الإنقاذ؟!