كتاب عربي 21

هل تُصبح تونس جماهيرية؟

1300x600

في أحد أشهر برامجها السياسية بثت إذاعة أوروبا الأولى الفرنسية تعليقا سياسيا عن الخطاب الأخير الذي ألقاه قائد الانقلاب في تونس منذ أيام مشبهة إياه بقذافي ليبيا في طبيعة خطابه الشعبوي ورؤيته الشمولية. بل إن البرنامج خُتم بالتساؤل عن مصير الجمهورية التونسية التي قد تتحوّل معه إلى شكل سياسي شبيه بجماهيرية القذافي. فهل يمكن أن تتحوّل تونس إلى جماهيرية؟ 

صحيح أن مواقع التواصل الاجتماعي التونسية خاصة قد ضجّت منذ الانقلاب بصور وتعليقات ساخرة تشبّه الرئيس التونسي بالعقيد القذافي لكنها لم تكتس طابعا جدّيا إلا مؤخرا بعد نزوع الرجل نحو تجميع كل السلطات في يده. فما هي الأسس التي قام عليها هذا الربط والتشبيه؟ وهل يمكن فعلا أن تنتكس الثورة التونسية نحو دكتاتورية القذافي؟ 

خطاب "القائد"

لم يخرج خطاب قائد الانقلاب الأخير عن نسق خطابته السابقة الذي يتميز بجملة من الخصائص الفارقة. هو خطاب تقسمي يرتكز على "هُم" من جهة و"نحن" من جهة ثانية فضمير الجمع المذكر الغائب هم أعداء الرئيس ومشروعه وقد وصفهم بأبشع النعوت فهم "حشرات مخمورون مرتزقة خونة عملاء" مكانهم كما قال "مزبلة التاريخ" وقد أضاف إليهم في خطابه الأخير صفة "الوحوش". أما ضمير المتكلّم الجمع الذين يمثلهم الرئيس فهم "الشرفاء الوطنيون المخلصون ودورهم صناعة التاريخ وبناء الوطن وتخليصه من الخونة والأعداء". 

لم يفت قائدَ الانقلاب التذكيرُ بتضحياته وصبره في مواجهة الأعداء الذين وصفهم بالطامعين في المناصب والسلطة وأنه كان على دراية وعلم بكل مخططاتهم ولم يستثن في ذلك الأحزاب والجماعات التي ساند انقلابه على الشرعية وعلى الدستور. كانت صفة الطمع والانتهازية موجّهة في خطابه إلى حزب التيار الديمقراطي الذي طالب من الانقلابيّ تفعيل الفصل 80 الذي بموجبه انقلاب على الدستور نفسه ضمن ما سماه بالإجراءات الاستثنائية. كما كان الخطاب موجها إلى حركة الشعب القومية وإلى اتحاد الشغل الذين وصفهم بالطامعين في المناصب والحقائب وبأنهم خانوه وخانوا مشروعه في الإنقاذ.

ترددت كلمة الشعب وأموال الشعب وحق الشعب ومعاناة الشعب وآلام الشعب وباسم الشعب في خطابه للتذكير بأنه يستمدّ شرعيته من الشعب وأنه ناطق باسمه معبّر عنه وحده دون غيره. هنا تكمن خطورة هذا الخطاب المراوغ الذي يستمدّ شكله ومضامينه وأسانيده من مراجع الخطابات الشعبوية التي أنتجتها الأنظمة الفاشية والقومية في أوج سطوتها. 

أما بقية القرارات التي أعلن عنها فلا تمثل غير استباق وهروب إلى الأمام توقيا من تحركات الشارع التي أعلنتها مختلف الجبهات المقاومة للانقلاب. فليس الاستفتاء الالكتروني إلا أضحوكة انقلابية لا تعدو أن تكون رسالة للخارج الذي طالبه بوضع سقف زمني لمغامراته. وليس موعد الانتخابات السابقة لأوانها إلا إمعانا في التزييف والإيهام بالبقاء تحت سقف الدستور الذي لم يخف احتقاره له وهو الذي أوصله إلى سدّة الحكم بعد أن وصفه بالفاقد للمشروعية.

حظوظ الجماهيرية 

لكن هل يكفي خطاب شعبويّ بائس وشخصية قذافية لكي تتحوّل تونس إلى جماهيرية ؟ صحيح أن قائد الانقلاب قد أعدّ تنسيقيات محلية هي عبارة عن هياكل جهوية قريبة من نظام اللجان الثورية الليبية. كما أنه يؤمن بالبناء القاعدي والانتخاب المباشر من الشعب وهي كلها مفاهيم قريبة من " الفكر القذافي" لكنه لن يكون قادرا على تحقيق هذا الوهم لأسباب كثيرة. 

لقد راكمت تونس طوال تاريخها الحديث تجارب سياسية وحزبية نشطة خلقت حركية مجتمعية هامة مع وجود مجتمع مدني قويّ نسبيا مقارنة ببقية الدول العربية الأخرى. صحيح أيضا أن هذا البناء لا يزال هشا لكنه صعب التجاوز أو الاجتثاث لأنه تحوّل إلى ما يشبه الثقافة الجمعية التي لولا الوضع الاقتصادي الخطير لترسخت وأينعت ولأنجحت مسار البلاد الانتقالي. 

 

تقف تونس اليوم أمام أخطر منعطفاتها السياسية التي صارت تهدد كيان الدولة نفسها بالتفكك بعد أن أمعن قائد الانقلاب في التفريق بين التونسيين وفي اعتماد خطاب الشحن والشيطنة والتهديد بدل خطاب التهدئة والتجميع.

 



فبعد أشهر من الانقلاب على الدستور وعلى البرلمان ورغم القصف الإعلامي الكبير على الوعي الجمعي التونسي فإن أغلب النخب بما فيها تلك التي دعمت الانقلاب وساندته في البداية قد استفاقت من غفوتها وصارت تطالب بمقاومته في الشارع وإسقاطه. أما عموم المواطنين فقد كانت آثار الجائحة والوضع الاقتصادي الخطير الذي نتج عنها رافعة أساسية للقبول بالانقلاب الذي رفع شعار الانقاذ والخلاص ومحاربة الفساد. 

لكن مرور الزمن ومواصلة انهيار القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار سرعان ما كشف عجز الانقلابيين عن تحقيق وعودهم وأنّ كل غايتهم إنما كانت السيطرة على الحكم وتركيز دكتاتورية جديدة بمساعدة غرف المخابرات العربية الداعمة للانقلابات. 

لا تزال جبهة الرفض تتمدد كل يوم مع انكشاف المشروع الحقيقي وراء تعليق عمل البرلمان خاصة بعد تمرّد قائد الانقلاب على الدستور واستهدافه حرية التعبير والزج بمعارضيه في السجون. هذا النسق التصاعدي لا يترك أمام المغامرين إلا منفذين : فإما العودة إلى الشرعية وإلى المؤسسات وهو ما رفضه الزعيم مؤخرا أو الذهاب إلى المواجهة في الشارع بشكل يُعرّض البلاد إلى كل أنواع الانزلاقات التي لا تُعرف نهايتها. 

تقف تونس اليوم أمام أخطر منعطفاتها السياسية التي صارت تهدد كيان الدولة نفسها بالتفكك بعد أن أمعن قائد الانقلاب في التفريق بين التونسيين وفي اعتماد خطاب الشحن والشيطنة والتهديد بدل خطاب التهدئة والتجميع. لكن مهما يكن من أمر الانقلابيين فإن الطريق يبدو مسدودا أمامهم وهو الأمر الذي سيحوّل الانقلاب إلى فرصة تاريخية تصحح بها تونس مساراتها نحو الحرية والديمقراطية بشكل يمنع تجدد الاهتزازات بعد أن انكشفت الساحة الداخلية وفُرزت كل المكونات فيها فرزا.