قضايا وآراء

العقوبات أمريكية.. والمستنقع للاقتصاد العالمي وللروس والأوروبيين

1300x600
على وقع كلام كريستين لاغارد بأن الاقتصاد العالمي سيبقى تحت وطأة التضخم الذي سيضرب في صميم اقتصادات الدول الكبرى؛ وأننا سنبقى تحت زمن الغموض الذي يحمل مرحلة اللايقين في الاقتصاد والسياسة عالميا، ولا أدل من أن التضخم في بريطانيا والولايات المتحدة قارب 9 في المائة؛ فلا تندهشوا إذا أصبح سعر برميل النفط 150 دولارا للبرميل، وسعر الغاز إذا تضاعف ورفع معه أسعار الكهرباء إلى مستويات قياسية في كل القارة العجوز. كذلك لا مفر من ارتفاع أسعار القمع والزيوت والسلة الغذائية في أرجاء العالم، والأدهى أن كل ذلك يترافق مع موجة التضخم الآخذة في التوسع وضرب العالم بعد جائحة كوفيد- 19 من كل جانب.

هكذا كانت مقدمة مقالتي الأسبوع المنصرم وهكذا تبقى الأجواء، لا بل هناك من العوامل السياسية والجيوسياسية ما يعزز صعوبة الأيام القادمة في حال استمرار حالة الحرب القائمة، التي حتى الساعة لا يُعرف متى نهايتها في ظل تلبد الأجواء رغم لقاء لافروف- كوليبا في أنطاليا التركية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الدبلوماسية التركية تملك الكثير لإحياء طريق الحلول، نظرا لما تمثله أنقرة من ثقة لكلا الطرفين من جهة، ولدورها المحوري والاستراتيجي في مواضيع الطاقة والغاز من البحر الأسود إلى البحر المتوسط وإمدادات الغاز وأنابيبه عبر العالم، خاصة بالنسبة لحاجات القارة الأوروبية، من جهة أخرى.

إن ما يجري في السياسة والعسكرة يجد ترجمته سريعا في الاقتصاد العالمي عموما، إنْ لجهة أسعار الوقود والغاز وإنْ لجهة الأمن الغذائي العالمي، الذي بات وضعه على المحك، لا سيما في اقتصادات ناشئة من جهة واقتصادات منهكة بفعل كوفيد- 19 ومخلفاته من ركود مترافق مع تضخم عالمي، يكاد يشل الحركة الاقتصادية في دول كبرى من جهة أخرى. لكن المفارقة اليوم تقع على وقع العقوبات الأمريكية المستمرة والمتلاحقة والمتصاعدة، وآخرها الحديث عن مزيد من العقوبات عبر الخزانة الأمريكية، لكن السوط الأشد جاء ليضرب قطاعات النفط والغاز الروسي في الشكل والاقتصاد الأوروبي في المضمون.

إنني أكاد أرى في القرارات الأمريكية جملة أهداف كبرى، وإن كانت الكلفة على أوكرانيا وتوابعها ومأساة شعبها التائه حول بلدان أوروبا، برغم كل ما رافق هذه المسألة من عنصرية بغيضة. لقد عمد الأمريكان إلى الإمعان في العقوبات والاستمرار بها لضرب العلاقات الألمانية- الروسية، ومن ثم أول الأهداف المنجزة هو وقف العمل بخط أنابيب "نورد ستريم 2"، وتعتبر واشنطن أن أوروبا تجعل نفسها رهينة للغاز الروسي في إمداداتها من الطاقة.

وتتهم روسيا الولايات المتحدة بالسعي في المقام الأول لتحقيق مصالحها الاقتصادية بمعارضتها لـ"نورد ستريم 2". وتعرض الولايات المتحدة غازها الصخري المسال كبديل للغاز الروسي في السوق الأوروبية، وهنا بيت القصيد.

أما ثاني الأهداف، فهو دق الإسفين طويل الأمد بين ألمانيا ومن خلفها أوروبا والاتحاد الروسي، ومن ثم عدم السماح لامتداد أي شكل من العلاقات الاستراتيجية الاقتصادية الطويلة الأجل، أم أخطر الأهداف وأخبثها قد يكون في ضرب الأذية في عمق الاقتصاد الألماني والصناعة الأقوى في العالم، حيث وقف إمدادات الطاقة أو رفع تكاليفها، سيشكل مدخلا أساسيا في إيقاع أحد أكبر الاقتصادات العالمية في مستنقع لا يُعلم حتى الساعة مدى قعره.

إلى ذلك، جاء كلام المستشار الألماني شولتس واضحا وبراغماتيا، حيث قال إن واردات الطاقة الروسية أساسية لحياة الأوروبيين اليومية، مشيرا إلى أنه لا يمكن ضمان إمدادات القارة من دونها في هذه المرحلة. وقال شولتس بهذا الصدد؛ إن الحكومة الألمانية تعمل بلا هوادة مع شركائها في الاتحاد الأوروبي وخارجه، من أجل تطوير بدائل من الطاقة الروسية. وتابع: لكنّ هذا لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها.

وعليه، ماذا عن دول أخرى أشد حاجة من ألمانيا للغاز الروسي وإمداداته، كبلغاريا التي تعتمد على الغاز الروسي بما يقارب 77 في المائة، ولاتفيا التي تعتمد بما يفوق 90 في المائة، ويستورد الاتحاد الأوروبي 40 في المائة من حاجاته من الغاز من روسيا. ولا تؤيد بلدان عديدة فرض حظر بهدف حرمان موسكو من عائدات أساسية لها، وعارض عدد من الوزراء في حكومة شولتس حتى الآن اتخاذ تدابير ضد الغاز الروسي.

إن التجارب تقول؛ إن الأمريكان غالبا من ينصرون الديمقراطية التي توافق أهواءهم وتخدم أهدافهم الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية والاستراتيجية البعيدة المدى، خاصة إذا كان بإمكانهم أن يتداركوا التداعيات عن شعبهم بالقدر الكافي، رغم معاناة المواطن الأمريكي. ولكن السؤال الكبير: هل تنبأ الأمريكان بماذا سيحل باقتصادات حلفائهم الأوروبيين وأولهم ألمانيا؟

أو ماذا سيحل بالاقتصاد العالمي الذي غدت شاشات بورصاته تتراقص مع كل خبر عسكري أو دبلوماسي في العالم؟ ثم هل أعد الأمريكان في حساباتهم ماذا سيحل في انعكاسات قراراتهم على الأمن الغذائي العالمي؟ حكام الأمريكان يملكون مخارج لقرارتهم في تعويض واردات الغاز والنفط الروسي، ولكن الحلفاء الأوروبيين على الأغلب، سيدفعون الثمن ومعهم الكثير من دول العالم المستوردة للغاز والنفط والحبوب.