قضايا وآراء

السر قوتها الناعمة.. هكذا احتفظت بريطانيا بمكانتها العالمية

1300x600
منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، طرح العالم السياسي الأمريكي والمسؤول السابق في إدارة بل كلينتون، جوزيف ناي، مصطلحا أطلق عليه اسم القوة الناعمة، وهو المفهوم الذي استمر في تحديد ووصف القوة في حقبة ما بعد الحرب الباردة، حيث وصف بالقدرة على جذب الهدف وترويضه دون الإكراه أو استخدام القوة الخشنة كوسيلة للإقناع.

وفي الآونة الأخيرة تم استخدام المصطلح للتأثير على الرأي الجمعي والعام وتغييره من خلال قنوات أقل شفافية، واستخدام الضغط من خلال المنظمات السياسية وغير السياسية. لقد قال جوزيف ناي إنه مع القوة الناعمة "أفضل الدعايات ليست دعاية"، موضحاً أنه في عصر المعلومات تعد "المصداقية أندر الموارد".

صاغ جوزيف ناي هذا المصطلح في كتابه الصادر عام 1990 بعنوان "مُقدرة للقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية"، كما قام بتطوير المفهوم في كتابه الصادر عام 2004 بعنوان "القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة الدولية". يستخدم المصطلح حالياً على نطاق واسع في الشؤون الدولية.

في القرن التاسع عشر قيل إن "الشمس لا تغرب عن الإمبراطورية البريطانية أبدا"، بالإضافة إلى مثل متداول في الهند يقول "حتى الله لا يستطيع أن يثق بالإنجليز في الظلام". إلا أن هذا المثل كان صحيحا بلا أدنى شك، حيث انتشرت الإمبراطورية البريطانية في معظم دول العالم بقوتها الخشنة والناعمة، وكانت قوتها الناعمة أكثر تأثيراً في قوة تأثيرها في المجتمع الدولي حتى يومنا.

ومع ذلك منذ الحرب العالمية الثانية عندما ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي كقوتين عالميتين، فقد تضاءلت ببطء الإمبراطورية البريطانية التي أعيدت تسميتها بالكومنولث، لكن ما زالت المملكة المتحدة تحتفظ بمكانتها في التأثير في الأحداث الدولية من خلال ما نريد تعريفه وتوضيحه في هذا المقال، وهي القوة الناعمة للمملكة المتحدة.

وفقا لتقرير القوة الناعمة "يتم نشر القوة الخشنة في صورة من الإكراه مثل استخدام القوة، أو التهديد باستخدام القوة، أو العقوبات الاقتصادية"، وفي الوقت نفسه تتضمن "القوة الناعمة" "الجذب الإيجابي والإقناع لتحقيق أهداف السياسة الخارجية".

لقد كانت القوة الخشنة هي التي جعلت المملكة المتحدة توسع إمبراطوريتها في السابق، لكن في العصر الحالي القوة الناعمة هي التي جعلت المملكة المتحدة تحافظ بها على مكانتها الدولية في العصر الحالي.

فوفقا لمؤشر القوة الناعمة العالمي لعام 2022، الصادر عن "Brand Finance"، تحتل المملكة المتحدة المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وتأتي ألمانيا والصين واليابان في المراكز الخمسة الأولى بعدهم. ولقد صرح ديفيد هاي الرئيس التنفيذي لشركة "Brand Finance" في التقرير: "بينما لا يزال يتعين رؤية التأثير طويل المدى لانسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، كانت النتيجة المباشرة هي تقديم بعض الوضوح والاستقرار للوضع السياسي والاقتصادي بعد سنوات من الصراع وعدم استقرار مكانة المملكة المتحدة في المجتمع الدولي".

أحد أسباب الأداء القوي للمملكة المتحدة في تقرير القوة الناعمة هو عمل الحكومة على تطوير لقاح "Oxford-AstraZeneca"، والتطبيق المثير للإعجاب لخطة إعطاء اللقاح لسكانها، حيث حصلت على مراكز متقدمة في السنوات الثلاث الماضية وخصوصا عام 2022، لتصبح في المركز الثاني بعد الولايات المتحدة بـ64.9 نقطة بفارق بـ5.6 نقاط عن المركز الأول الذي حصلت عليه الولايات المتحدة الأمريكية بـ70.7 نقطة لتتصدر القائمة بفارق بسيط على المملكة المتحدة.

كما لعبت حكومة المملكة المتحدة دورا رائدا في تزويد أوكرانيا بوسائل الدفاع عن نفسها ضد الغزو الروسي. وبالتالي ففي الحدثين العالميين الكبيرين في العقد الثاني من القرن الـ21 أظهرت المملكة المتحدة أنها قادرة على الاحتفاظ بمنصب قيادي في المجتمع الدولي.

كيف تستخدم المملكة المتحدة الثقافة كأحد أسلحة القوة الناعمة؟

هناك عدة طرق لجعل الآخرين يريدون ما تريد: يمكنك إكراههم بالتهديدات، ويمكنك تحفيزهم بالدوافع، أو يمكنك جذبهم واستضافتهم لجعلهم يريدون ما تريد. وهذه هي القوة الناعمة، حيث يصف ناي القوة الناعمة بأنها أكثر من مجرد تأثير، لأن التأثير يمكن أن يعتمد أيضا على القوة الخشنة للتهديدات أو المحفزات، ولكن القوة الناعمة هي أكثر من مجرد الإقناع أو القدرة على تحريك الناس بالحجة، فهي أيضا القدرة على الجاذبية التي تقود غالبا إلى الرضا.

وعند تأسيس مفهوم القوة الناعمة في أواخر الثمانينيات، أوضح جوزيف ناي من جامعة هارفارد أن لها ثلاثة مصادر وهي:

- ثقافتها في الأماكن التي تجذب فيها الآخرين.

- وقيمها السياسية عندما ترقى إليهم في الداخل والخارج.

- وسياستها الخارجية عندما يراها الآخرون شرعية وأخلاقية.

وبينما تتغير القيم السياسية والسياسات الخارجية للمملكة المتحدة بمرور الوقت، تتفوق المملكة المتحدة ثقافيا، فنجد على سبيل المثال لا الحصر مجموعة من الرموز البريطانية التي أصبحت مرتكزات للثقافة العامة في معظم دول العالم مثل شكسبير وديكنز مرورا تولكين ورولينج، حيث يتغلغل الأدب البريطاني في جميع أنحاء العالم تقريباً. كما أن العديد من أنواع الموسيقى البريطانية لاقت انتشارا كبيرا، مثل رواج فريق البيتلز مع موسيقى البوب في الستينيات، وموسيقى الروك في السبعينيات، والرومانسيين الجدد في الثمانينيات، وفرق الفتيات في التسعينيات، وكثيرا ما كانت تُسمع الموسيقى البريطانية على أجهزة الراديو في جميع أنحاء العالم.

كما أنه لا تزال العائلة المالكة في المملكة المتحدة وشبكة بي بي سي، وهما معقلان للحياة البريطانية، ذوي تأثير قوى عالمياً.

وفي العلم هي بلد ستيفن هوكينج، وتشارلز داروين، وآلان تورينج، ومايكل فاراداي، وتيم بيرنرز لي. وفي المجال الرياضي فهي بلد ديفيد بيكهام، كما أن الدوري الإنكليزي لكرة القدم يلقى إقبالا هائلا على تشجيع فرقه، فمن منا لا يعلم أو يتابع النوادي الإنكليزية مثل مانشستر يونايتد، وليفربول، وأرسنال، ومانشستر سيتي، وتشيلسي؟

كما أن اللغة الإنجليزية يتم التحدث بها في غالبية دول العالم وتعتبر اللغة الرسمية الثانية في غالبية الدول، بسبب التأثير الدائم للإمبراطورية البريطانية قديما، ولا تزال اللغة الأكثر استخداما على الإنترنت، حيث تمنح المملكة المتحدة ميزة دولية. وإذا لم تكن اللغة الإنجليزية هي اللغة الأولى للكثير من الشعوب فبالطبع ستكون اللغة الثانية، أو من المحتمل أنهم قد تعرضوا لها بصورة كبيرة من خلال تعليمهم. كما أن "تعليم اللغة الإنجليزية" سواء كان ذلك في مدارس مثل (Harrow) أو (Eton) أو جامعات مثل أكسفورد أو كامبريدج المنتشرة في الكثير من دول العالم؛ تقبل عليه الكثير من الطبقات العليا في جميع دول آسيا وأفريقيا.

بتراكم كل هذه العوامل تعتبر المملكة المتحدة عملاقا ثقافيا في المجتمع الدولي، وهذا يجعلها قوة عظمى عندما يتعلق الأمر بالقوة الناعمة.

كما تعني السمعة العالمية الجيدة للقانون البريطاني أن العديد من البلدان النامية تبني أنظمتها على النسخة البريطانية من القانون، وحتى يومنا هذا تتم تسوية العديد من النزاعات الدولية في محاكم لندن، والتي ينظر إليها على أنها عادلة وخالية من الفساد.

ومع ذلك فإن الأهمية العالمية للمملكة المتحدة في القرن الحادي والعشرين تتجاوز الثقافة، ففي عام 2021 كان لدى المملكة المتحدة خامس أكبر اقتصاد في العالم، ولقد كانت في المراكز العشرة الأولى منذ قرون. وهي أيضا من الدول الرائدة عالميا في مجال الاستثمار الأجنبي المباشر، ففي دراسة للمجلس الثقافي البريطاني وجامعة أدنبره، جاء أن القوة الناعمة تعزز الاستثمار الأجنبي، وكذلك السياحة وتوظيف الطلاب في الخارج. ويمكن ملاحظة ذلك في جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة المتحدة، فنادرا ما كان ينخفض مستواها عن الخمسة الأوائل في تقرير الاستثمار العالمي للأونكتاد، كما أنها من البلاد المصدرة للمنتجات ذات القيمة العالية، مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والبحث والتطوير والتمويل.

كما أن لديها مكانة دولية في المؤسسات الدولية، فهي من الدول صاحبة حق الفيتو في مجلس الأمن، وبعثاتها الدبلوماسية لديها مكانة متقدمة في المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المنبثقة عنهما. كما أن الملكة إليزابيث الثانية هي الملكة الدستورية لست عشرة دولة من مجموع 53 من دول الكومنولث التي ترأسها، كما ترأس كنيسة إنجلترا منذ 6 شباط/ فبراير 1952. فهي ملكة المملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، وهي رئيسة الكومنولث وملكة 12 دولة أصبحت مستقلة هي: جامايكا، باربادوس، باهاماس، غرينادا، بابوا غينيا الجديدة، جزر سليمان، توفالو، سانت لوسيا، سانت فينسنت والغرينادين، بليز، أنتيغوا وباربودا، سانت كيتس ونيفيس.

ما هو تأثير القوة الناعمة للمملكة المتحدة في الأزمة الأوكرانية؟

تلحق القوة الناعمة الضرر بروسيا الآن بعد غزوها لأوكرانيا، في حين أن استخدام العقوبات ضدها هو شكل من أشكال القوة الخشنة، لكن الرد العالمي ضد فلاديمير بوتين قد شهد استخدام العديد من أساليب القوة الناعمة على مستوى غير مسبوق، حيث تستخدم المملكة المتحدة في جميع أنحاء العالم أسلوب الإقناع لتحقيق أهداف السياسة الخارجية البريطانية تجاه الأزمة الأوكرانية.

وربما تمنح القوة الناعمة الصين فرصة للتفكير، حيث فوجئت الصين بسرعة ووحشية العقوبات الغربية المنسقة ضد روسيا، ولا تزال الصين مرتبطة بقوة بالغرب اقتصاديا وماليا أكثر بكثير من روسيا، لذلك كان تأثير القوة الناعمة اقتصاديا كبيرا على الصين، فرأينا رداً ضعيفا من قبل الصين لدعم روسيا في الأزمة الأوكرانية خشية أن تتأثر العلاقات الاقتصادية بين الصين والغرب.

لذلك يجب ألا نستهين بالقوة الناعمة للمملكة المتحدة، حيث يمكن أن تحدث تأثيراً كبيرا. ففي حين أن الشمس ربما تكون قد غابت عن الإمبراطورية البريطانية، إلا أن المملكة المتحدة لا تزال موجودة عالميا بطرق أخرى، لكن يجب التأكيد على أنه لن تكون المملكة المتحدة مرة أخرى كقوة عظمى مثلما كانت في القرن التاسع عشر، لكن التأثير الذي تركته على العالم كان كبيرا جدا ومستمرا، وهذا يعني أنها تمارس مستويات من القوة الناعمة التي لا يستطيع العديد من عمالقة الاقتصاد الصاعد منافستها فيها، لأن القوة الناعمة للمملكة المتحدة متراكمة منذ عقود.

لذلك يجب على القوى الدولية الصاعدة الارتكاز على القوى الناعمة كاستراتيجية رئيسية في بناء منظومتها الدولية، فالقوة الناعمة في الكثير من الأحيان تتفوق على القوة الخشنة للسيطرة، فما بالكم حينما تتفوق الدولة عسكريا واقتصاديا وبالتوازي لديها العديد من وسائل وأساليب القوة الناعمة التي تستطيع من خلالها إرغام الخصوم على الخضوع غير المباشر لاستراتيجيتها.