ملفات وتقارير

"التآمر على أمن الدولة".. ورقة سعيّد لمواجهة خصومه السياسيين (تسلسل زمني)

يواجه الموقوفون في قضية التآمر على أمن الدولة عدة تهم سواء بحسب المجلة الجزائية أو بحسب قانون مكافحة الإرهاب المعتمد في تونس- الرئاسة التونسية
ينظر القضاء التونسي، الخميس، في مطلب الإفراج عن الموقوفين في قضية "التآمر على أمن الدولة"، التي يُحاكم فيها أبرز معارضي رئيس البلاد، قيس سعيّد.

وأبرز الموقوفين على ذمة القضية، القيادي السابق في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، والأمين العام السابق للتيار الديمقراطي غازي الشواشي، وأمين عام الحزب الجمهوري عصام الشابي، وأعضاء من جبهة الخلاص الوطني، أكبر تكتل معارض للرئيس سعيّد.

القضية انطلقت بناء على مراسلة وجهتها جهة أمنية إلى وزيرة العدل ليلى جفال في 10 شباط/ فبراير الماضي، تضمنت جملة وحيدة وهي "بلغ إلى علمنا أن عددا من الأشخاص بصدد التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي".

وتشير المراسلة، التي صاغتها الوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب والجرائم المنظمة والماسة بسلامة التراب الوطني، إلى مبادرة سياسية يقودها عدد من القياديين المعارضين البارزين، تواصل عدد منهم مع بعض الدبلوماسيين الأجانب للمشورة.



التسلسل الزمني

كما وجهت المراسلة ذاتها إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بتونس مع ملاحظة "للتعهد والإذن بإجراء الأبحاث اللازمة"، لتقوم النيابة العمومية بتعهيد الوحدة الأمنية بالأبحاث.

وبعد يوم واحد، انطلقت حملة الاعتقالات عبر إيقاف كل من الناشط السياسي محمد خيام التركي ورجل الأعمال المثير للجدل قليل الحضور كمال لطيف، والقيادي السابق في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي علاوة على 5 متهمين آخرين بينهم موظفون ورجال أعمال في حين أوقف الصحفي والمدير العام لإذاعة موزاييك نور الدين بوطار مساء اليوم الموالي، قبل إطلاق سراحه في أيار/ مايو الماضي بكفالة مالية.

و22 و23 شباط/ فبراير الماضي، أذنت النيابة العامة بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب بالاحتفاظ بقيادات من مبادرة جبهة الخلاص الوطني، وهم عصام الشابي وشيماء عيسى وجوهر بن مبارك إضافة إلى ديبلوماسي تونسي سابق التقى خيام التركي في وقت سابق.



وإجمالا، يشمل قرار فتح البحث التحقيقي "17 شخصا وكل من سيكشف عنه البحث" وفق ملف القضية، فيما فتح بحث تحقيقي مستقل ضد المحامي محمد لزهر العكرمي بتعهيد قاضي التحقيق 12 بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب والذي تخلى بعد استنطاقه وإصدار حكم بسجنه عن الملف لقاضي التحقيق 36 بالقطب المتعهّد بالملف الأصلي للقضية.

وشملت التحقيقات رجل الأعمال والنائب السابق وليد الجلاد، والمحامي رضا بلحاج، وسفراء ودبلوماسيين أجانب، سبق لهم أن اشتغلوا في تونس، فضلا عن القائمة بأعمال السفارة الأمريكية في تونس، ناتاشا فرانشيسكي.

شهادات مجهولين
في الأثناء، بحسب ملف الاستنطاقات لدى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، نشره موقع "إنكفاضة" المحلي، استمع القضاء التونسي لـ3 شهادات لأشخاص مجهولي الهوية تم سماعهم في أيام 16 و18 و21 شباط/ فبراير 2023 تباعا، ما يُفسر توسع قائمة المعنيين بالتحقيق.

سُمع الشخص الأول والمسمى بـ XX في ملف القضية بوصفه شاهدا، وقد تحدث عن علاقات رجل الأعمال كمال لطيف بمسؤولين سياسيين وعسكريين واقتصاديين بتونس طيلة السنوات الماضية ومنهم مسؤولون حاليون. كما تحدث عن وجود علاقات واتصالات جمعت لطيف باثنين من الموقوفين السياسيين.

وبعد يومين، تم الاستماع لمخبر آخر تحت اسم XXX، ارتكزت الشهادة على تلقيه اتصالا من صديق له مفاده "تواتر حديث من قبل الجالية التونسية المتواجدة بأوروبا خاصة فرنسا وبلجيكا حول مخطط لقلب نظام الحكم بالبلاد التونسية وعزل السيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد".

وصرح المخبر في شهادته أن "المخطط الانقلابي على نظام الحكم بالبلاد التونسية تم تداوله بالفضاء الأوروبي منذ فترة نظرًا لأن جل الاجتماعات والحلقات التي تم عقدها في هذا الإطار تمت في الخارج".

يذكر XXX في معرض شهادته أسماء كثيرة لسياسيين وبعض الأمنيين الحاليين والسابقين ورجال أعمال ذكر أنهم على اتصال وثيق بكمال لطيف الذي يخطط للانقلاب على رئيس الجمهورية، وقد يستعمل العنف في ذلك بمعية القيادي بحركة النهضة نور الدين البحيري "الذي يقود مجموعة من الخلايا النائمة بمساعدة رؤساء البلديات التابعين لحزبه" وفق شهادته.

في الواقع، تظهر رواية المخبر XXX خالية من البراهين وكأن كل الأجهزة الأمنية التونسية كانت عاجزة عن التفطن لهذا المخطط لولا أن المخبر تقدم بشهادته من "تلقاء نفسه" مثلما يذكر التقرير. كما يصرح المخبر أن "حلقات التخطيط للانقلاب على نظام الحكم تمت في مقر سفارة تونس ببلجيكا دون علم السفير".



وهذا الشخص هو من ذكر أن أحد الموقوفين غير السياسيين يعرف امرأة تعرف بدورها رجل أعمال تونسي يقيم بأمريكا وهو بدوره على اتصال مع كمال لطيف الذي تولى التنسيق لعملية الانقلاب في لقائه مع شخص أجنبي يدعى برنار هنري ليفي في لوكسمبورغ عام 2022. في المقابل نفى كمال لطيف أثناء استنطاقه سفره للكسمبورغ في أي وقت مضى.

وينهي المخبر كلامه بالجملة التالية: "أؤكد لكم أن المعطيات منذ البداية تشير إلى كمال لطيف كرأس مدبّر لعملية الانقلاب على رأس السلطة وهذا ما أكدته الأحاديث اليومية في صفوف الجالية التونسية بالخارج".

نوع الأسئلة
رفض الموقوفون في بداية التحقيقات الإجابة على أسئلة باحث البداية بسبب استنطاقهم تحت طائلة قانون مكافحة الإرهاب، الذي يمنعهم من الاتصال بمحام خلال الـ48 ساعة الأولى.

وتعلقت الأسئلة، بحسب محاضر الجلسات، حول علاقة الموقوفين ببعضهم البعض ومضامين اللقاءات التي جمعتهم وأسبابها. كما تم استنطاق بعضهم على غرار خيام التركي وعصام الشابي وشيماء عيسى عن أسباب تواصلهم ولقائهم مع دبلوماسيين أجانب بتونس، استنادا إلى محادثات على تطبيقات واتساب وتلغرام وسينيال تم الاطلاع عليها.

وفي المقابل، لم تقع مجابهة الموقوفين بأدلة مادية عن أفعال يجرمها القانون بل تم الاستناد في استنطاقهم إلى شهادات لمجهولين تتضمن روايات عن أنهم يخططون للانقلاب ويلتقون أشخاصا مشبوهين يتعمدون قلب النظام والإضرار بالأمن العام الوطني. في حين يظهر أن هاته "الأطراف الخارجية" هم دبلوماسيون معتمدون في تونس على غرار سفراء دول مثل إيطاليا وبريطانيا وفرنسا.



التهم والأحكام

يواجه الموقوفون في قضية "التآمر على أمن الدولة" عدة تهم، سواء بحسب المجلة الجزائية، أو بحسب قانون مكافحة الإرهاب المعتمد في تونس.

ومن أبرز التهم الموجهة للموقوفين بحسب المجلة الجزائية، تكوين وفاق بقصد الاعتداء على الأملاك والأشخاص، والتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وإبداء الرأي لتكوين مؤامرة بقصد ارتكاب أحد الاعتداءات ضد أمن الدولة الداخلي، والاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة، وربط اتصالات مع أعوان دولة أجنبية بغرض الإضرار بحالة البلاد التونسية من الناحية الدبلوماسية، وارتكاب أمر موحش ضد رئيس الجمهورية.

وتتراوح العقوبات السجنية بحسب هذه التهم بين 3 و12 عاما، فضلا عن عقوبة الإعدام فيما يتعلق بتهمة الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة.



أما التهم الموجهة بحسب قانون مكافحة الإرهاب، فتتعلق بتكوين تنظيم إرهابي، والتخطيط لجرائم قتل، وتدريب الأفراد على الإرهاب، وإفشاء المعلومات المتعلقة بالإرهاب، والإضرار بالأمن الغذائي والبيئة، وتوفير الأسلحة والمتفجرات، وإخفاء أو تسهيل إخفاء المصدر الحقيقي لأموال الغرض منها تمويل الجرائم الإرهابية، وهي تهم تتراوح عقوباتها السجنية بين 10 و20 عاما.

دور الرئيس سعيّد
ظهر الرئيس سعيّد في مناسبتين خلال أطوار القضية، حيث تحول إلى مقر وزارة الداخلية في 14 شباط/ فبراير 2023، متوجها بالشكر للقيادات الأمنية مع بدء حملة الاعتقالات.

وأثناء دخوله إلى مقر الوزارة، توجه سعيّد بالقول إلى من كانوا في استقباله من مسؤولين أمنيين: "هؤلاء الذين تم اعتقالهم إرهابيون" في إشارة إلى الموقوفين.

وتساءل الرئيس في الزيارة ذاتها قائلا: "هل هناك بلد في العالم والتاريخ فيها من يطلب اغتيال رئيس الجمهورية وهو تحت حماية الأمن؟".

وفي 17 من الشهر ذاته، استقبل سعيّد، في القصر الرئاسي، وزير الداخلية وعددا من القيادات الأمنية لمتابعة عمليات الإيقاف وأطوار القضية.

لكن سعيّد ألمح قبل عمليات الاعتقال لاستهدافه المعارضين، حيث قال خلال لقاء بوزيرة العدل ليلى جفال، قبل يوم واحد من ورود التقرير الأمني للقضية: "من غير المعقول أن يبقى خارج دائرة المحاسبة من له ملف ينطق بإدانته قبل نطق المحاكم، فالأدلة ثابتة وليست مجرّد قرائن".