صحافة دولية

الجزائر بالمقدمة.. كيف أفرزت حرب الطاقة العالمية فائزين غير متوقعين؟

كانت أوروبا تعتمد على الغاز الروسي بنسبة 45 بالمئة قبل بدء الحرب على أوكرانيا- الأناضول
نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" تقريرا للصحفيين ماثيو دالتون وإريك سيلفرز قالا فيه إن أركان عالم الطاقة التي كانت غامضة ذات يوم أصبحت تزدهر، من الكونغو البحرية إلى أذربيجان، مع عثور أوروبا على مصادر جديدة للغاز الطبيعي لتحل محل الإمدادات الروسية، إذ يعيد هذا التحول رسم خريطة الطاقة العالمية بسرعة.

وفي بئر الرباع، في عمق الصحراء، تقوم شركة الطاقة الإيطالية "إيني" وشركة الطاقة المملوكة للدولة في الجزائر بحفر عشرات الآبار، وإنتاج الغاز من الحقول غير المستغلة من قبل في غضون أشهر.

وتربط ثلاثة خطوط أنابيب تحت البحر الأبيض المتوسط احتياطيات الغاز الهائلة في الجزائر بأوروبا. وخلال معظم العقد الماضي، أبقت شركة الغاز الروسية العملاقة غازبروم أسعارها منخفضة، ما دفع الموردين مثل الجزائر إلى الخروج من السوق الأوروبية.

وقبل الحرب، كانت 45 بالمئة من صادرات النفط الروسية تذهب إلى الاتحاد الأوروبي، في حين كانت الهند تشتري معظم نفطها من الولايات المتحدة والعراق والسعودية.

وقطعت روسيا تدفقات الغاز إلى أوروبا لأول مرة في آذار/ مارس 2022، بعد شهر من بدء الحرب.
ومع فرض الغرب عقوبات على النفط الروسي، حصلت الصين والهند على خصومات وأصبحتا المشتريين الرئيسيين للنفط الروسي.

وفي الوقت نفسه، ضاعفت الولايات المتحدة شحناتها من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، وزادت الأخيرة عدد محطات الغاز الطبيعي المسال لديه، واستوردت المزيد من الجزائر والنرويج وتركيا وأذربيجان بدلا من الطاقة الروسية.

ولطالما كان للجزائر تحالف قوي مع روسيا، حيث اشترت كميات كبيرة من الأسلحة من موسكو، لكن تعطش أوروبا المفاجئ للغاز الطبيعي الجزائري يشكل تحديا لهذه العلاقة، وفق التقرير.

وقال محمد عرقاب، وزير الطاقة الجزائري، في مقابلة: "لدينا صداقة وعلاقات سياسية، لكن التجارة أمر آخر".

ويجري المسؤولون الجزائريون مفاوضات بشأن صفقات غاز جديدة مع مشترين في ألمانيا وهولندا وأماكن أخرى في أوروبا. وتقوم شركة إيني الإيطالية باستثمارات كبيرة في الإنتاج الجزائري.

وتجري الحكومة الجزائرية محادثات مع الشركات الأمريكية العملاقة مثل "شيفرون" و"أكسون موبيل" على صفقات تمكن الشركات من إنتاج الغاز في البلاد لأول مرة.

ويقوم ائتلاف تجاري بقيادة شركة "بي بي - BP" التي مقرها لندن بتعزيز إنتاج الغاز في أذربيجان، وهي الجمهورية السوفييتية السابقة الواقعة في منطقة القوقاز. وتربط سلسلة من خطوط الأنابيب بطول 2100 ميل البلاد بكعب إيطاليا. 

ويقول المسؤولون الأذريون إنهم يتقدمون عن الموعد المجدول في ما يتعلق بالتعهد بمضاعفة إمدادات الغاز إلى أوروبا بحلول عام 2027.

وتقترب شركة "إيني" من إنتاج الغاز الطبيعي المسال من منشأة عائمة قبالة ساحل الكونغو.

وأوضح التقرير أن كل النشاط هو إعادة توجيه تدفق الغاز الطبيعي حول العالم، حيث كان الغاز يتدفق في المقام الأول من الجنوب الغربي من روسيا باتجاه البحر الأبيض المتوسط، والآن تستعد أوروبا لتعزيز وارداتها من أفريقيا، مع تدفق الغاز عبر إيطاليا إلى النمسا وبلدان أخرى. 

وارتفعت الصادرات العالمية من الغاز الطبيعي المسال إلى مستوى قياسي، مدفوعة بزيادة حادة في الشحنات الأمريكية إلى أوروبا.

وتأمل أوروبا أن توفر التدفقات الجديدة احتياطيا من الطاقة على مدى السنوات الثلاث المقبلة، وهي الفترة التي يشعر فيها المسؤولون والمحللون بالقلق من أن أزمة العرض ستكون الأكثر حدة. والأمل هو أن يؤدي الغاز الجديد إلى انخفاض الأسعار بعد أن تم قطع خطوط أنابيب نورد ستريم، القناة الرئيسية للغاز الروسي، بسبب التخريب في أيلول/ سبتمبر 2022. 

أقل تكلفة


وبحسب التقرير فإن الإمدادات الجديدة تحل محل بعض الوقود الأكثر تكلفة الذي اعتمدت عليه أوروبا على مدى أكثر من عام، بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر.

وقبل غزو أوكرانيا، كانت روسيا تزود الاتحاد الأوروبي بنحو 45 بالمئة من وارداته من الغاز، أما الآن فهي تمثل 13 بالمئة فقط، ومع ذلك، يمكن لموسكو الضغط على إمدادات الطاقة لأوروبا من خلال قطع تلك الشحنات، كما فعلت في الأشهر التي سبقت غزوها في شباط/ فبراير 2022 وبعده.

وجاء الغزو الروسي في وقت محفوف بالمخاطر بالنسبة لصناعة الطاقة، وخلال جائحة كوفيد 19، خفضت الشركات استثماراتها بسبب انهيار أسعار الغاز الطبيعي والنفط، ولم يكن المنتجون مستعدين لارتفاع حاد في الطلب عندما خففت عمليات الإغلاق، أو اضطراب السوق الناجم عن الحرب.

وشرع المسؤولون والمديرون التنفيذيون الغربيون في حملة مكثفة لدبلوماسية الطاقة، وسافرت رئيسة الوزراء الإيطالية، جيورجيا ميلوني، وسلفها ماريو دراجي إلى الجزائر لإبرام صفقات غاز جديدة. 

وقام المستشار الألماني، أولاف شولتز، بجولة في الدول الأفريقية التي لديها احتياطيات كبيرة من الطاقة في الأشهر التي تلت الحرب، وقام كلاوديو ديسكالزي، الرئيس التنفيذي لشركة إيني، وجويدو بروسكو، الذي يشرف على إنتاج الشركة من النفط والغاز، بجولات عبر القارة بحثا عن مصادر جديدة للغاز لإيطاليا.

وقال بروسكو: "لقد بدأنا على الفور في التواصل مع جيراننا، وخاصة أولئك الذين لديهم أسرع إمكانية للاستجابة، مثل الجزائر".

وقام لويجي دي مايو، السياسي الشعبوي الذي كان وزيرا لخارجية إيطاليا عندما بدأت الحرب، بزيارة أذربيجان لتأمين التزامات بإمدادات جديدة.

وتقع منشأة النفط والغاز التابعة لشركة "إيني" في بئر ربع في الصحراء على بعد حوالي 500 ميل جنوب شرق العاصمة الجزائرية الجزائر. 

وعززت الحكومة الإجراءات الأمنية في المنشأة بعد أن "هاجم متشددون إسلاميون مرتبطون بتنظيم القاعدة محطة للنفط والغاز تابعة لشركة بي بي في جنوب شرق الجزائر قبل عشر سنوات واحتجزوا عمالا كرهائن ما أسفر عن مقتل 38 شخصا"، بحسب الصحيفة.

ويخضع مجمع "إيني" لحراسة جنود جزائريين مسلحين وأفراد أمن، ويبقى العمال في الأرض لنوبات عمل لعدة أسابيع، ويستخدم قطيع من القطط لصد عقارب الصحراء.

ووصل المدير الإداري لشركة "إيني: في الجزائر، أليساندرو تياني، بعد أسابيع من بدء الحرب، في مهمة لضمان حصول إيطاليا - وبالتالي القارة بأكملها - على ما يكفي من الغاز لتحمل انقطاع الإمدادات الروسية، وقال حينها: "لقد دفعنا دواسة السرعة إلى الحد الأقصى".

ويقول المسؤولون الجزائريون إن البلاد يمكن أن تصدر هذا العام 100 مليار متر مكعب من الغاز، أي ما يعادل حوالي 65 بالمئة من حوالي 160 مليار متر مكعب استوردها الاتحاد الأوروبي من روسيا في عام 2021، قبل بدء الحرب.

دور الجزائر
قبل سنوات، وقبل ظهور الغاز الروسي الرخيص، كانت الجزائر المورد الأول لإيطاليا، والآن تعود للمركز الأول مرة أخرى، ما يساعد إيطاليا على استبدال الغاز الذي كانت تحصل عليه من روسيا بشكل شبه كامل، والذي كان يمثل في عام 2021 حوالي 40 بالمئة من وارداتها.

وتريد إيطاليا استغلال هذا النجاح في تصدير بعض إمداداتها عبر حدودها الشمالية إلى النمسا وألمانيا ودول مجاورة أخرى، وقامت الحكومة مؤخرا بتسريع بناء خط أنابيب جديد لنقل الغاز شمالا.

وتتحكم شركة "سنام" في شبكة الغاز الإيطالية، وتدير التدفقات من مبنى عادي يقع على بعد أميال قليلة جنوب ميلانو. 

وذكرت الصحيفة أنه "في الداخل، يُظهر جدار من مصابيح "ليد" تدفق الغاز من وإلى إيطاليا وعبر شبه الجزيرة، بينما كان العام الماضي هو المرة الأولى التي ترسل فيها إيطاليا كميات كبيرة من الغاز إلى الخارج".

ونظرا لأهمية الجزائر الجديدة كمورد للطاقة، فإنها تحاول الولايات المتحدة وأوروبا إبعاد الحكومة عن روسيا، ويعد البلد الأفريقي من أكبر المشترين للمعدات العسكرية الروسية في العالم، وقد تدربت أجيال من الضباط الجزائريين في موسكو. 

وفي حزيران/ يونيو الماضي، التقى الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، حيث اتفقا على ما أسماه البلدان "شراكة استراتيجية معززة".

وتحدد ميزانية الجزائر لهذا العام خطة لاستخدام أرباح النفط والغاز لمضاعفة ميزانيتها الدفاعية تقريبا، بينما يخشى المسؤولون الغربيون أن يذهب جزء كبير من هذا الإنفاق إلى صناعة الأسلحة الروسية. 

وحذر مسؤولون أمريكيون الجزائر من أن المشتريات الكبيرة من روسيا ستعرضها لخطر العقوبات الأمريكية، بموجب قانون يهدف إلى مكافحة مبيعات الأسلحة لروسيا وإيران وكوريا الشمالية.

 وتقول القوى العسكرية الأميركية والأوروبية إن بإمكانها المساعدة في سد هذه الفجوة.

وقال مسؤول أميركي في الجزائر: "لا يمكن التراجع عن المشتريات العسكرية بين عشية وضحاها. ومع ذلك، يمكن للجزائر أن تتجنب إجراء عمليات شراء إضافية كبيرة للمعدات العسكرية الروسية، ونحن نشجعها على التنويع".

ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إنه "عندما بدأ الغزو أعطت الحكومة الجزائرية الاستبدادية إشارات متضاربة حول كيفية الاستجابة، ونقلت صحيفة ليبرتي الجزائرية عن الرئيس التنفيذي لشركة سوناطراك، شركة النفط والغاز المملوكة للدولة في الجزائر، قوله إن الشركة مستعدة لتعزيز صادرات الغاز إلى أوروبا لتحل محل الإمدادات الروسية".

وسرعان ما تراجعت سوناطراك قائلة إن كلام الرئيس التنفيذي قد تم تحريفه، وتقدمت بشكوى ضد ليبرتي.

وفي الأسابيع التي تلت ذلك، أوضحت السلطات الجزائرية أنها حريصة على استعادة حصتها في السوق من روسيا، ثم في نيسان/ أبريل 2022، التقى رئيس الوزراء الإيطالي دراجي بالرئيس الجزائري في العاصمة، حيث وقع مسؤولون تنفيذيون من شركتي "إيني" و"سوناطراك" اتفاقا لزيادة إمدادات الغاز إلى إيطاليا.

وفي أذربيجان، يعمل الائتلاف التجاري الذي تقوده شركة "بي بي" على تعزيز الإنتاج من مشروع "شاه دنيز" في البلاد في بحر قزوين، وتعمل الشركات أيضا على استخراج الغاز المحتجز تحت احتياطيات النفط في حقل ACG، على بعد حوالي 60 ميلا شرقي باكو في بحر قزوين.

 وستساعد هذه الإمدادات الجديدة معا البلاد على الوفاء بالاتفاقية الموقعة العام الماضي لزيادة إمدادات الغاز من 10 مليارات متر مكعب من الغاز إلى 20 مليارا بحلول عام 2027.

وفي الكونغو، ظلت شركة "إيني" تنتج النفط من الحقول البحرية لعقود من الزمن، وتضخ الغاز الطبيعي الفائض إلى بئر تخزين تحت قاع البحر. وعندما خرج الاقتصاد العالمي من عمليات الإغلاق الناجمة عن فيروس كورونا، وضع المسؤولون التنفيذيون خطة لبيع هذا الغاز وإنتاج المزيد باستخدام سفينة يمكنها تسييل الوقود لناقلات الغاز الطبيعي المسال.

وبدأت المفاوضات لشراء واحدة من السفن القليلة المشابهة في السوق من الشركة البلجيكية "إكسمار"، والتي كانت موجودة وغير مستخدمة في ميناء في أوروغواي، إلا أن المنافسين كان لديهم نفس الفكرة.

وقال المدير التنفيذي للبنية التحتية في شركة إكسمار، جوناثان رايس: "كان الجميع يحاولون الحصول هذا الأصل".

وأعلنت "إيني" عن صفقة لشراء السفينة في آب/ أغسطس 2022، قائلة إنها في طريقها لبدء تسييل الغاز هذا العام.

ويشعر بعض المشرعين الأوروبيين بالقلق من أن اعتماد القارة المتزايد على الجزائر وأذربيجان قد يعرضها لـ "أهواء مورد الطاقة الاستبدادي مرة أخرى".

 وقال وزير البيئة الإيطالي السابق، روبرتو سينجولاني، الذي ساعد في قيادة الاستجابة الدبلوماسية للبلاد لأزمة الطاقة بعد بداية الحرب، إن أفضل سياسة هي الحفاظ على تنوع موردي القارة.

وأضاف سينجولاني: "يجب أن يكون لديك أكبر عدد ممكن من الموردين، حتى تقلل من خطر استخدام شخص ما للغاز كرافعة في معركة جيوسياسية".