مقالات مختارة

الدستور الجديد يعيد إنتاج الفرعونية

1300x600

باستثناء الباب الثالث من ورقة الدستور الجديد، الحقوق والحريات والواجبات العامة، وهو باب جيد في مجمله، وإن كان لا يختلف جوهريا عن نفس الباب في دستور لجنة الغرياني ولا يضيف إليه أي إضافة جوهرية، باستثنائه، فإن الدستور الجديد يؤسس لفرعونية جديدة، لصالح مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الجيش، ويهدر أي توازن بين السلطات بما يضمن سلامة المسار الديمقراطي وعدم تغول سلطة على سلطة، وهو الشرط الأساس لمولد فكرة الديمقراطية من أساسها، فإذا تأسس دستور يتيح لسلطة التغول على غيرها فلم يعد هناك ديمقراطية وإنما ديكتاتورية واستبداد، مهما حشوت الدستور نصوصا جميلة، فقد كان دستور كل نظم القمع في العالم الثالث يحتوي نصوصا جميلة عن الحريات وحقوق الشعوب، ولكنها بالكامل تتبخر على أرضية تغول سلطة رأس الدولة أو جيشها على باقي مؤسسات الدولة عمليا، والنص الجديد يمنح رئيس الجمهورية سلطات بالغة الخطورة، ويجعله محور الدولة كلها، باستثناء الجيش، وبيده التلاعب في كل مؤسساتها، ووضع الدستور الجديد - باحتراف - خوازيق صغيرة لهذه الفرعونية الجديدة، وسط سطور ضخمة تافهة للتغطية لا غير، وخذ عندك المادة 137 وهي التي تتيح لرئيس الجمهورية إصدار قرار بوقف البرلمان عن العمل، ثم الدعوة لحل البرلمان عبر استفتاء، بمزاجه، فإذا أتت نتيجة الاستفتاء بالموافقة حل البرلمان "المعطل" ساعتها، وإذا أتت نتيجة الاستفتاء برفض قرار الرئيس، عاد البرلمان للعمل، بدون أن عقوبة أو أعباء يتحملها الرئيس المستهتر، وبدون أي ضمانات أن لا يفعلها مجددا، بل إن النص الدستوري يتيح للرئيس تعطيل البرلمان والتلاعب به وتهديده بالحل بشكل دائم طوال السنوات الخمس التي هي مدته، حيث منحته الحق في وقف البرلمان كل عدة أشهر أو حتى كل عدة أسابيع وعرقلة عمله والدعوة لاستفتاء جديد بحل البرلمان، رغم فشله في الاستفتاء السابق، واكتفوا بشرط خائب جدا، وهو أن لا يكون الاستفتاء الجديد لنفس السبب الذي طرح في الاستفتاء السابق، أي أن الرئيس من حقه أن يتلاعب بالبرلمان ويعطله ويوقفه ويهدده بالحل طالما أمن أي عقوبة أو توابع لسلوكه هذا، وبطبيعة الحال، سيكون البرلمان طوع إرادة الرئيس ويشتري رضاه حتى يتحاشى هذا التهديد كل عدة أشهر، وكان دستور الغرياني أكثر دقة وثورية وديمقراطية في هذه النقطة تحديدا، لأنه قرر إذا رفض الشعب حل البرلمان في الاستفتاء فعلى الرئيس أن يتقدم باستقالته على الفور من منصبه، حتى لا يكون برلمان الأمة عرضة للتلاعب، حذفوا هذه الضمانة، لماذا؟ اسألوهم.

وفي المادة 146، منح الدستور الجديد رئيس الجمهورية الحق في اختيار رئيس الوزراء، رغم أن أي دستور يحترم إرادة الشعب يجعل من الحزب أو الأحزاب الفائزة بأغلبية البرلمان حق تشكيل الحكومة، لكن لأن أصحابنا ديمقراطيون من طراز خاص، منعوا البرلمان المعبر عن الأمة من تشكيل الحكومة التي تنفذ رؤية وبرامج هذا الحزب أو الائتلاف إن كانوا أكثر من حزب، ومنحوها لرئيس الجمهورية، ثم قالوا أن الرئيس يحتاج إلى موافقة نصف البرلمان زائد واحد للتصديق على اختياره، فإن لم يحصل عليه كلف الحزب الفائز بالانتخابات بتشكيل الحكومة، فين ودنك يا جحا، ثم إذا لم يحصل هذا الحزب على موافقة أغلبية البرلمان المطلقة أصدر رئيس الجمهورية قرارا بحل البرلمان، ولاحظ أن الرئيس هو اللاعب وهو القطب والباقون يدورون في فلك إرادته واختياره، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، سنفترض أن الحزب الفائز نجح في تشكيل الحكومة وحصل على تصديق غالبية البرلمان، هنا منحت المادة 147 لرئيس الجمهورية مجددا الحق في إعادة تشكيل الحكومة بطريقة لطيفة جدا، وواحدة واحدة، لأنها منحت الرئيس الحق في عزل أي وزير - مش عاجبه - واشترطت لذلك شرطا مخففا جدا، هو أن يحصل الرئيس على موافقة ثلث البرلمان فقط لكي يفعل ذلك، والنص ترك هذا الأمر مفتوحا، فهو من حقه تغيير وزير واثنين وعشرة وعشرين، لا يوجد أي حد دستوري لحقه في ذلك، وفق نص المادة، كما أن هذا يجعل الرئيس يتحالف مع الأقليات الصغيرة للتلاعب بإرادة الأمة ويهدد الحكومة بصفة دائمة ويضعها تحت حذائه، لأن لك أن تتخيل أن ثلثي البرلمان تتمسك بالوزير أي غالبية ممثلي الأمة الساحقة، ولكن الرئيس يبصق على هؤلاء جميعا ويقرر ـ استنادا إلى حفنة صغيرة تمثل أقلية، والحقيقة أن الرئيس يحتاج ربع البرلمان فقط وليس ثلثه لتغيير أي وزير أو مجموعة وزراء لأن المادة 102 منحته الحق في تعيين 5% من أعضاء البرلمان (حوالي 25 عضوا)، يختارهم بمزاجه وعلى مقاسه، وأضف إلى ما سبق أن نص المادة 146، منع أي حكومة شرعية منتخبة من اختيار أركان الدولة، ممثلة في وزارات الدفاع والداخلية والعدل والخارجية، وهي الوزارات التي تمثل السلطة الحقيقية للدولة، وجعلت اختيارهم خاصا برئيس الجمهورية، وتخيل معي أن رئيس الحكومة وكامل أعضاء حكومته يجتمعون ويضع وزير الداخلية أو العدل أو الخارجيه حذاءه في وجهه، ويمكن أن يلعب على موبايله أثناء الاجتماع، لأنه لا يخصه، هو أتى مجاملة له ليس أكثر، وليس ملزما بأي سياسات يحددها، هو ملزم بطاعة الرئيس الذي يعينه ويعزله، أما رئيس الحكومة فهو بالنسبة له طرطور، ولك أن تتخيل رئيس حكومة وحكومة تريد تنفيذ سياسات وإصلاحات في الدولة وهي لا تملك أي ولاية على الشرطة ولا علاقات مصر الخارجية بكاملها ولا على مؤسسة العدالة ولا على الجيش، ونحن نتحدث هنا عن حكومة، وليس عن جمعية رعاية الأمهات المعيلات.

باختصار، نص الدستور الجديد يعيد إنتاج الفرعونية، ويجعل من رئيس الجمهورية الحاكم نصف الإله، الذي يتحكم بكل شيء، ويتلاعب بكل شيء، وذراعه مهيمنة على المؤسسة الأمنية بكل أذرعها وتدخلاتها في تفاصيل حياة الناس بما فيها الانتخابات، وذراعه تخترق مؤسسة العدالة لأن كثيرا من مفاتيحها بيد وزير العدل وهي الحاسمة في إدارة الانتخابات، وذراعه مسيطرة على كل ما يتصل بالديبلوماسية المصرية وسياسات الدولة مع الخارج بما يؤثر جوهريا على سياساتها بالداخل وقدراتها وإمكانيات نجاحها من خلال الاتفاقيات والمعونات وغيرها، ودع عنك أنه صاحب العلاقة الوحيد مع المؤسسة العسكرية، رغم تقليص نفوذه عليها هو الآخر، وتلك قصة أخرى..

(عن صحيفة المصريون)