مقالات مختارة

النظام العراقي يستنسخ ممارسات إسرائيلية ورثها من الاحتلال

1300x600
كتبت هيفاء زنكنة: إن تتجول في المدن الفلسطينية، إذا ماسمح لك بذلك، يعني أن ترى بأم عينيك وأن تعيش على الأرض ممارسات النظام الصهيوني، العنصرية، المهمشة لـ « الآخر»، حتى وإن كان الآخر هو أهل البلد الأصليين. وتتبدى ممارسات النظام الصهيوني، بأشكال متعددة، تبدأ بوصف العرب، على اختلاف أديانهم، بالإرهابيين وتنتهي باعتقالهم وتعذيبهم، مرورا بعزلهم عنصريا في كانتونات خانقة، ونقاط تفتيش لا حصر لها، تهدف إلى إجبارهم على الهجرة والتخلي عن أرضهم وبلدهم. كل هذا يتم تحت شعار أن إسرائيل بلد ديمقراطي، محب للسلام.

هذه الصورة تشبه كثيرا، في العديد من النواحي، وضع « العراق الجديد» وممارساته. فلقد انتقلت الممارسات الإسرائيلية عبر سنوات الاحتلال التسعة وتدريب الجيش والقوات الخاصة وحراسة المنشآت فأصبحت الممارسات السائدة بعد الإنسحاب الجزئي نهاية عام 2011. وقبل ان تنطلق الاصوات استنكارا واتهاما، سأبين بعض أوجه التشابه التي عشتها، خلال تواجدي، أخيرا، في عدد من المدن الفلسطينية، من بينها: نابلس والقدس والخليل وبيت لحم ورام الله، اولا للمشاركة في احتفالية الادب الفلسطيني بعامها السابع وثانيا : من خلال تدريسي لمادة الصحافة الثقافية، بمركز السكاكيني، برام الله، وعملي مع 15 صحافيا فلسطينيا شابا يعملون في مختلف اجهزة الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة. حيث كان الشباب يلاقون مصاعب جمة في الوصول الى المكان بسبب نقاط التفتيش وصعوبة التنقل والحصول على الأذن بالتجوال . حين تصبح رحلة عشرين دقيقة فاصلة بين مدينة واخرى رحلة عذاب تمتد على مدى ساعات، فيجبر المرء على التفكير مرات ومرات بان يتعوذ من الشيطان ويبقى في بيته بدلا من الخروج. هذه الحالة، يعيشها المواطن العراقي يوميا .

فنقاط التفتيش تزيد على المئات في المدن بالاضافة الى الجدران الاسمنتية الفاصلة بين المناطق والتي تشبه جدار الفصل العنصري بفلسطين. 

ان سياسة اسرائيل مبنية على العنصرية وتفريغ المدن من سكانها ورسم خارطة فلسطين وفقا لذلك، مستخدمة بذلك كل الطرق بضمنها حملات المداهمة والتفتيش والاعتقال القسري. ولاتفتأ الادارة الاسرائيلية تخترع الطريقة بعد الاخرى لشرعنة افعالها بغطاء قانوني، وتغيير القوانين بسرعة لتتماشى مع ما تريد تحقيقه ضد الفلسطينيين. فالاعتقال الاداري يعني ان المعتقل لايعرف ماهي تهمته او أمد اعتقاله الذي قد يمتد الى سنوات. وهي ذات السياسة التي يطبقها النظام العراقي.

من مداهمات للبيوت الى الاعتقالات العشوائية بدون امر بالقاء القبض او المحاكمة او توجيه تهمة او الاعتقال حسب المادة أربعة ارهاب، ووفق شهادة المخبر السري، وعقوبتها الاعدام. واذا ماعلمنا ان هناك ما يزيد على الاربعين تهمة عقوبتها الاعدام لادركنا معنى ان يعتقل المرء بواسطة اجهزة أمن وشرطة نظام «العراق الجديد الديمقراطي». ويزيد عدد المعتقلين بالعراق على 30 ألف معتقل بينهم 4500 امرأة تعرضن للاساءة والاعتداء الجسدي والاغتصاب في بعض الحالات، حسب تقارير منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش ومركز جنيف الدولي للعدالة. 

واذا كان الاحتلال الانجلو أمريكي قد استند في استقطاب اتباعه من العراقيين على عكازي العرقية والطائفية، فان حكومات الاحتلال الطائفية المتعاقبة ابدعت في استغلال ثروة البلاد الهائلة لتطوير آلية الفساد وترسيخه. هذه الخلطة القاتلة بالاضافة الى سياسة اعادة رسم خارطة العراق عبر التهجير القسري الطائفي وحصار المدن، أثبتت فاعليتها، بمرور الوقت، لابقاء السلطة بيد ذات الوجوه الاولى التي فتحت ابواب العراق للغزو والاحتلال، واشهرها الجعفري والحكيم والمالكي وعلاوي والسامرائي والجلبي والبارزاني وطالباني. 

من الناحية السياسية، تعمل السلطة الفلسطينية عبر لجان التنسيق الامني الاسرائيلي الفلسطيني، اسميا، لأن السلطة الحقيقية هي بيد اسرائيل التي تنفذ ما تريده كيفما تشاء وفق مصلحتها، وغالبا ما تستخدم اسرائيل السلطة الفلسطينية كدرع يحميها من غضب الشعب الفلسطيني أو كوجه تزويقي لتمرير سياستها. 

النظام العراقي لايختلف كثيرا عن ذلك. فهو مربوط من عنقه بمعاهدة الاطار الاستراتيجي التي وقعها نوري المالكي، أمين عام حزب الدعوة الطائفي، مع ادارة جورج بوش عام 2008 . لتنفيذ المعاهدة، تم تشكيل سبع لجان تنسيق مشترك، كل لجنة مختصة بجانب من جوانب ادارة الدولة سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا وثقافيا وتجارة واتصالات وتعليما. وقد شكلت للإشراف على عمل اللجان، لجنة التنسيق العليا، التي يترأسها من الجانب العراقي نوري المالكي. وكانت وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس قد وصفت المعاهدة، غير المحددة زمنيا، بأنها «وثيقة حية» ترمز إلى الصداقة طويلة الأمد بين الولايات المتحدة والعراق، وتجسد التزام الولايات المتحدة لمستقبل الديمقراطية في العراق، بالاضافة الى حمايتها للأمن القومي الامريكي. والملاحظ ان نوري المالكي هو الذي أصر على ان تكون لقاءات اللجان شهرية منتظمة وان تركز على الجانبين الأمني والعسكري، خاصة، فيما يتعلق بطلبات التزود بالسلاح والتقنية الحديثة لمحاربة «الارهاب». ومعنى الارهاب، هنا، وكما اثبتت اعوام حكم حزب الدعوة، حسب شعار «تصفية الحساب» وحملات الانتقام المستمرة، هي تصفية كل من يرفع صوته احتجاجا على سياسة النظام الطائفية وفساده. 

من هذا المنطلق، يأتي توسل المالكي بالادارة الامريكية لتزويده بالسلاح، سابقا وحاليا، طبيعيا. وهو لايختلف في استجدائه عمن سبقه من مسؤولي حكومات الاحتلال الذين لايجدون غضاضة في خدمة السيد والخنوع لاوامره «ولكن على أبناء جلدتهم أسود» كما قال الشاعر الراحل معروف الرصافي .

فمن دخل البلاد وحكم مستقويا بالاجنبي، لايشعر بالاطمئنان تجاه أبناء شعبه ويعيش حالة ذعر على شخصه ومنصبه من التظاهرات والاعتصامات والانتفاضات. وتهمة «الارهاب» جاهزة كدرع لتحصين الحاكم المستبد وسيده المحتل.

فلا عجب ان يعلن الرئيس الامريكي باراك اوباما عن ارسال 300 «مستشار عسكري» الى بغداد، بعد توقيع نظام المالكي على اتفاق حصانة لقوات العمليات الخاصة الامريكية، والاتفاق على استخدام الطائرات بلا طيار وهي ذاتها التي تستخدمها اسرائيل لاستهداف وتصفية قادة المقاومة الفلسطينية المتهمين، كما العراقيين، بالارهاب، بالاضافة الى الصمت المحيط بقصف المدن كعقوبة جماعية، بحجة الدفاع عن السكان. لقد اثبت نظام «العراق الجديد» الذي أسسه المحتل، بطائفيته وفساده، انه غير قادر اطلاقا على التحرر من نير سيده بل وشرع الابواب لمحتل ثان وثالث، ليوفر بالنتيجة أفضل ضمان للامن الاسرائيلي عبر تفتيت العراق.

(القدس العربي)