كتاب عربي 21

الخطر القادم.. خطر الإنسان المقهور

1300x600

أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما توسيع العقوبات على قطاعات رئيسية بالاقتصاد الروسي والسبب، دعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا، وهدد أوباما موسكو - بمباركة ودعم الاتحاد الأوروبي وكندا- بتوسيع العقوبات و الضغط أكثر على الاقتصاد الروسي في حال متابعة بوتين  الخطو في هذا المسار.

ومن جهة أخرى خرج رئيس الاتحاد الأوروبي هيرمان ليعلن أن القصد من وراء هذه العقوبات هو توجيه تحذير قوي، بأن الضم غير الشرعي للأراضي و زعزعة الاستقرار المتعمدة لدولة مجاورة ذات سيادة لا يمكن قبوله في القرن الحادي والعشرين في أوروبا ؟!  

يبدو أن هيرمان قد تناسى في تصريحه، عمداً، بأن يكمل بأن زعزعة الاستقرار المتعمد لدولة عربية، والمساهمة في إبادة أهلها، وقتل أطفالها وتشويهها ومسح معالمها، وتدمير اقتصادها، مسموح ومبارك دولياً، ولا يستدعي أكثر من قلق, أو تنديد, أو شجب, وأما عن تجاوز خط أوباما الأحمر في استخدام  الكيماوي, فموضوع فيه نظر, و يحتاج إلى أمد غير قليل من أجل التدقيق و التحقيق و الفحص و التمحيص.

هكذا يترجم الميثاق العالمي لحقوق الإنسان على أرض الواقع، حيث تفرغ المصطلحات من مضامينها، فالعدالة بلا دلالة و المساواة في غيبوبة و حق الحياة لا يملكه ضعيف مضطهد و شعب بلا سند, إنها مهزلة القرن الحادي والعشرين, يا أسياد العالم،عندما تتحركون لفرض عقوبات اقتصادية خانقة، على موسكو، لأنها زعزعت أمن أوكرانيا، في الوقت الذي تراقبون فيه إبادة شعب كامل و تهجير ملايين السوريين بكل برود واستهتار.

إنها سياسية الكيل بمكيالين, السياسة التي  تتنافى مع الإنسانية وقوانينها, تتعمدون تجاهل الانتهاكات التي يمارسها روسيا, وإيران, و لبنان حزب الله, و عراق المالكي،و داعش ؛ حلفاء الأسد في المنطقة، كامل التجاهل ولا ترونها إلا عندما تتأثر مصالحكم، ويهدد أمن أتباعكم، تخرجون بتصريحات مهينة, عنصرية, علنية, وأنتم شهدتم وتشهدون, كيف تجيش دول الطاغوت, الجيوش لإبادة سوريا وتدمير معالم حضارة عمرها آلاف السنين.

و روسيا – الخطر الأكبر- ما زالت توقع اتفاقيات التسليح مع النظام السوري و تمده بما يبيد به هذا الشعب الذي فقد القدرة على الصراخ تحت الأنقاض,وعقدت صفقات اس 300 و 20 ألف كلاشينكوف، و 20 مليون حزم من الذخيرة، ورشاشات، وقنابل، إضافة إلى مده بالخبراء و المدربين والقائمة تطول- في مرأى العالم الذي يدعي أنه حر و يعتقد أنه إنسان فقد أحل أكل السوري و حرم الأوكراني، أحل الدم الغزاوي و حرم الإسرائيلي؟! 

ربما ترونه استثماراً مشروعاً، طالما أنكم على يقين بأنها لن تطال شعوبكم, أو أراضيكم, أو أصدقاءكم المقربين في الشرق الأوسط .

يهود باراك قالها يوماً : إن مفتاح الحرب الأهلية في سوريا عند بوتين, و لم يقل ذلك عفواً، فأميركا و الاتحاد الأوروبي يدركان أن التنسيق مع روسيا والضغط عليها أول خطوة لحل الأزمة في سوريا، وعلى الرغم من محاولات كيري كسب الموقف الروسي سابقاً بضمان مصالح روسيا في سوريا مقابل تخليها عن حليفها الأسد, إلا أن الموقف لم يأخذ صيغة جدية واضحة إلى الآن .

في مشهد آخر مازالت بريطانيا وفرنسا تريان أن الحل الأنسب للأزمة السورية هو عبر المفاوضات، ويبدو أن الائتلاف السوري المعارض يتفق ضمنياً مع هذا الحل وما كان فوز السيد هادي البحرة مهندس المفاوضات في جنيف، إلا مؤشراً ذا دلالة على هذا الحل وإن لم يأخذ حيز الإعلان بعد، ومن جهة أخرى، كانت معايدة الخطيب الأخيرة للشعب السوري والتي رحب فيها في التفاوض مؤشراً آخر على تنامي أعداد مناصري اتجاه التفاوض.

الشعب السوري يدرك تماماً أهمية التفاوض لحل الأزمات بأقل الخسائر, والشعب السوري، شعب محب للسلام ويبحث اليوم بشكل جدي عن حل لإيقاف نزيف الدم على أرضه، ولكنه يعي تماماً أن للتفاوض مقومات، أهمها تبادل الثقة و علاقات الود بين الأطراف، والتزام كلا الطرفين بمبادئ التفاوض لكن الثقة معدومة بين طرفي النزاع في سوريا، فلا المعارضة تثق بالتزام نظام الأسد بأية قوانين أو معاهدات, والنظام لا يثق بقدرة المعارضة على إلزام كافة أطرافها بأي اتفاق. فعن أي تفاوض يتحدثون؟! التفاوض مع النظام السوري الذي لم يحترم يوماً القرارات الدولية وضرب بها عرض الحائط . أم التفاوض مع روسيا  التي لم تهتم بالمؤتمرات الدولية التي عقدت للبحث في الشأن السوري، إلا لتجهر بدعمها للأنظمة التي تحكمها العصابات, بتحدٍ و وقاحة لم يسبقها إليها إلا موقف جامعة الدول العربية تجاه شعب سوريا.

ريثما يشمئز العالم من إبداع مشاهد الموت و الرعب السورية وتصحو مبادىء الميثاق العالمي لحقوق الإنسان تخصب تربة الإرهاب و ينمو التطرف غازياً أرجاء المعمورة، ليثأر بمبادىء جديدة يحملها إنسان مقهور في داخله وحش الظلم المفترس.