بورتريه

بانتظار بلفور جديد يمنح الفلسطينيين وطنا (بورتريه)

السير آرثر بلفور - أرشيفية
كان بلفور لعنتنا الأولى.

وكان جائزتهم الكبرى.

وكان اختراع حاييم وايزمن لمادة "النيتروجليسرين" شديدة التفجير التي منح بريطانيا تركيبها لتستخدمها في الحرب العالمية الأولى، يعادل عند بريطانيا بيع فلسطين لليهود.

لم يطلب وايزمن لنفسه شيئا، فقط النصر لبريطانيا في الحرب، ومنح فلسطين لليهود.

وجاء الثنائي البريطاني سايكس والفرنسي بيكو ليضعا اتفاقيتهما التي قسمت تركة السلطنة العثمانية بين ثلاث دول، روسيا وبريطانيا وفرنسا، وكانت بلادنا تئن تحت حد سكين التقسيم.

بريطانيا طلبت شرقي نهر الأردن وفلسطين، ورضيت فرنسا بسوريا ولبنان، وكاد الفرنسي بيكو ينفجر غضبا، ففرنسا أيضا كانت على استعداد لإقامة وطن يهودي في فلسطين إذا ما وضعت فلسطين تحت وصايتها، وكان صراعا مذلا بين أقوى قوتين آنذاك لإرضاء زعماء الصهيونية العالمية.

وأخيرا رسى العطاء على المزاودة الأعلى والتي كانت صاحبتها بريطانيا الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، ولا ننسى دخول الولايات المتحدة الأميركية الوافد الجديد على خط العطاءات بالترغيب أحيانا، والترهيب أحيانا أخرى، وأطلق وزير الخارجية البريطانية آرثر جيمس بلفور وعده الذي حمل اسمه المشؤوم على شكل رسالة إلى البارون المليونير اليهودي روتشيلد، وأرخت الرسالة بتاريخ الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1917.

وكانت رسالة مثيرة للشفقة والتذلل، فقد نظرت الحكومة البريطانية بعينين، واحدة عين العطف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وعين الجحود والنكران للطوائف الأخرى غير اليهودية الموجودة في فلسطين، بحسب نص الرسالة (الوعد).

وبجرة قلم من السيد بلفور، تحول أصحاب الأرض العرب الفلسطينيين إلى طوائف أخرى، وأصبح الطارئون على فلسطين وعلى وطننا العربي أصحاب حق ينظر إلهم بعين العطف.

وهكذا وعد من لا يملك (بلفور)، بمنح من لا يملكون (اليهود) وطنا على حساب من يملكون (العرب). وتحول اليهود الأقلية التي كانت تعد على أصابع اليد الواحدة في فلسطين إلى أكثرية وأغلبية في عين بريطانيا التي كانت تلهث وراء السلطة والمال والقوة بأي ثمن، وبأي وسيلة.

وسنعود قليلا إلى لقاء بلفور ووايزمن قبل الوعد المشؤوم حين همس بلفور في أذن وايزمن : "اعتقد أنه حالما يتوقف إطلاق النار فقد يمكنك الحصول على أورشليمك".

 وفي الوثائق البريطانية نقرأ أن بلفور كتب "لم أقصد أبدا أن نستأنس برغبات السكان وأمانيهم (كما في نص الوعد)، إن الصهيونية أهم بكثير من الرغبات والأفكار المسبقة لسبعمائة ألف عربي كانوا يقطنون تلك الأرض القديمة".

ولبث الروح في الوعد وحتى لا يتحول إلى حبر على ورق، احتلت بريطانيا فلسطين بقيادة الجنرال أرموند اللنبي الذي قال قوله الشهير: "الآن انتصرت الحروب الصليبية، وأصبحت القدس لنا أبدية" ، ولم نفهم نحن العرب كيف أصبحت لهم وقد وعد بلفور بها اليهود، كان التطبيق توضيحا بريطانيا لمقولة اللنبي، فقد وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني وعين اليهودي الصهيوني المتطرف هربرت صموئيل أول مندوب سام لبريطانيا في فلسطين.

وحديثنا عن صموئيل يعيدنا قليلا إلى الوراء عندما نبحث في السيرة الذاتية لصاحب الوعد بلفور الذي كان صهيوني الهوى، فقد تشبع بالأسفار والروايات التوراتية، وحفظ العهد القديم (التوراة) عن ظهر قلب، واهتم بالنصوص التوراتية وبالمسألة اليهودية منذ بدايات القرن العشرين.

ولم يكن اهتمامه بهذه المسائل شخصيا فقط بل كان رسميا حين شغل منصب رئيس وزراء بريطانيا العظمى حين بدأت موجات هجرة يهود أوروبا الشرقية تجتاح بريطانيا، ووقف بلفور منها موقفا معارضا، وفي تلك الحقبة أيضا وتحديدا في عام 1906 كان اللقاء الأول مع حاييم وايزمن وتبادل الرجلان الإعجاب كل منهما بالأخر.

ولا تذكر السيرة الذاتية الكثير عن اهتمامات بلفور بالصهيونية في الفترة ما بين عامي 1906 و1917 بسبب ابتعاده عن المنصب الرسمي الحكومي وإن بقي على تماس غير مباشر مع الرسميين اليهود في الحكومة البريطانية، لكنه ما لبث أن عاد إلى سيرته الأولى في قراءة النص التوراتي للمنطقة بعد أن عين وزيرا للخارجية في حكومة سكوت لويد جورج.
 
وكان آنذاك ميل لدى يهود شرق أوروبا إلى تبني النزعة الثورية التي أخذت تنمو مع ظهور الأفكار الاشتراكية، وهنا تنبه بلفور إلى أنه ينبغي محاربة هذه النزعة بضمان عدم انضمامهم إلى روسيا في الحرب، وسارت به ظنونه إلى القول أنه بإمكان اليهود التأثير على الرئيس الأميركي ولسون لدخول الحرب إلى جانب الحلفاء.

لم يكن اليهود بعيدين عن صياغة ديباجة سايكس بيكو ومؤتمرات السلم التي عقدت بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، والتي أقرت بصورتها النهائية وضع المنطقة العربية تحت الانتداب الاستعماري الغربي، وبدا وكأن النصوص التوراتية كانت تخيم فوق رؤوس المؤتمرين والمتآمرين.

 وبقي الأمر طي الكتمان وسرا لدى الأطراف التي كانت توشك على اقتسام كعكة الوطن العربي الضعيف والمغيب والذي تعرض لحملة تجهيل وتهميش لسنوات طويلة، لكن هذا السر ما لبث أن انكشف بعد استيلاء البلاشفة على الحكم في روسيا، واكتشف الشريف الحسين بن علي الخديعة البريطانية وأن بريطانيا "حليفتنا الكبرى " لم تكن سوى "طامتنا الكبرى" .

أطلق بلفور وعده ومضى في سبيله تاركا السياسة وراء ظهره بعد أن أدى "الأمانة" ورد الجميل للحركة الصهيونية العالمية، واعتزل العمل الرسمي ولم يظهر في أي مناسبة بعد عام 1922، سوى في مناسبة واحدة بعد نحو ثلاث سنوات حين شارك في افتتاح الجامعة العبرية وزار دمشق فاستقبله السوريون والفلسطينيون بتظاهرات كبرى وبسيل من اللعنات، فاضطرت السلطات إلى تهريبه تحت الحراسة المشددة، وبقى منعزلا حتى وفاته عام 1930.

ورحل الرجل وترك لنا إرثا قبيحا، ووعدا مشؤوما، وبقي الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام حاضرا في وجداننا كعرب لاستذكار الرجل واستحضار اللعنات عليه وعلى وعده المشؤوم.