سياسة عربية

أذرع السيسي: لا حرف في وثيقة النهضة يضمن حق مصر بالنيل

السيسي وقع على اتفاق لا يضمن حق مصر الكامل بمياه النيل - أ ف ب
لم يقف الهجوم على توقيع عبد الفتاح السيسي اتفاق إعلان المبادئ الخاص بسد النهضة الإثيوبي عند المعارضين لنظامه، وإنما امتد إلى أشد المؤيدين له من الكتاب الصحفيين، الذين يُصنف بعضهم باعتبارهم "أذرعا إعلامية للسيسي"، نظرا لشدة شراستهم في الدفاع عنه، وعن الانقلاب. 

دبّرنا يا دكتور مغازي
 
في مقال غير متوقع بعنوان "دبّرنا يا دكتور مغازي" في جريدة "المصري اليوم" الأربعاء، قال الكاتب الصحفي سليمان جودة، المعروف بشراسته في مساندة الانقلاب والسيسي: "ليس في وثيقة المبادئ التي جرى توقيعها في الخرطوم، أمس، حرف واحد يضمن لنا حقوقنا التاريخية في مياه النيل".

وتابع: "الوثيقة منشورة بمبادئها العشرة في جميع الصحف، وإذا كان فيها ما يضمن هذه الحقوق، فأرجو ممن يرى ذلك أن يدلني عليه.. أرجوه شاكرا".

واستطرد: "بل إن فيها ما يكاد يكون العكس، لأنها في المبدأ الثالث، مثلا، تتكلم عن أن الدول الثلاث التي وقعت على الوثيقة في العاصمة السودانية، وهى مصر، والسودان، وإثيوبيا، سوف تتخذ جميع الإجراءات المناسبة لتجنب التسبب في ضرر ذي شأن خلال استخدامها للنيل الأزرق.. أي النيل الذي يقام عليه سد النهضة".

وتساءل جودة: "ما هو تعريف الضرر ذي الشأن المذكور في هذا المبدأ؟! ومتى يكون الضرر ذا شأن؟ ومتى لا يكون كذلك؟!".

وأكد الكاتب الصحفي أن "تحديد معاني الألفاظ في مثل هذه الوثائق الدولية ضروري للغاية، ولا غنى عنه أبدا، لأنك وقت الجد سوف تجد أكثر من تفسير، وأكثر من معنى، وأكثر من قصد للضرر ذي الشأن"، مشيرا إلى أن "السؤال التالي هو: بأي المعاني سوف تأخذ عندئذ؟!".

وواصل جودة استعراضه للوثيقة: "هناك ما هو أهم وأخطر، لأن المبدأ الرابع يتحدث عن أنه إذا وقع ضرر ذو شأن لإحدى الدول الثلاث، فسوف تسعى جميعها لتخفيف هذا الضرر أو منعه، فإذا لم تستطع تخفيفه أو منعه، فإن تعويض المتضرر سوف يكون هو الحل البديل".

وهنا تساءل جودة: "إذا افترضنا أن الحصة التاريخية لنا في مياه النيل، وهي 55 مليار متر مكعب، قد نقصت بتأثير من إنشاء سد النهضة، وإذا افترضنا أن هذا النقص قد جرى اعتباره ضررا ذا شأن، فما هو يا ترى التعويض المناسب لنا في مثل هذه الحالة؟!".

وأجاب: "إذا كان القصد هو التعويض المالي.. فأموال الدنيا كلها لا يمكن أن تعوضنا عن قطرة من ماء النهر".

ووجه الكاتب سؤالا ثالثا هو: هل التوقيع من جانبنا على الوثيقة معناه الاعتراف بشرعية إقامة سد النهضة؟! وإذا كان الأمر كذلك، وهو ما يبدو فعلا من خلال المبادئ العشرة على بعضها، فهل معنى هذا الاعتراف هو عودة التمويل الدولي، من جانب عدة دول للسد، بعد أن كانت قد توقفت بفعل تحركاتنا الدبلوماسية، طوال الفترة الماضية؟! وإذا كان التمويل للسد سوف يعود، بتأثير من توقيعنا نحن، فما العائد الذي حصلنا عليه في المقابل؟!

وأضاف سؤالا رابعا هو: عندما ينتهى المكتب الاستشاري الدولي من تقريره حول السد، هل سيكون تقريرا ملزما للطرف الإثيوبي، أم أنه سوف يتم احترامه -على حد تعبير الصيغة المطاطية الواردة في المبدأ الخامس؟! وإذا لم يقرر بأنه سيكون ملزما عند صدوره، فما بالضبط قيمته؟!

واختتم جودة مقاله بسؤال خامس هو: "يتحدث المبدأ الخامس أيضا، في الوثيقة الموقعة من رؤساء الدول الثلاث، عن إخطار دولتي المصب، أي مصر والسودان، بأي ظروف غير منظورة، أو طارئة، تستدعي إعادة الضبط لعملية تشغيل السد.. فما قيمة الإخطار هنا، إذا كان مجرد إخطار، أي أنه للعلم فقط؟!"

وخلص الكاتب إلى أن "هذه تساؤلات خمسة أساسية، ومفصلية، وضاغطة جدا، ولا يملك كل مدرك بيننا لقيمة كل قطرة في ماء النيل إلا أن يطرحها، وبقوة؛ لأنها سوف تظل تؤرقه حتما، ما لم يقع لها على جواب قاطع، وأظن أنه على الدكتور حسام مغازي، وزير الري، أن يجيب عنها بشفافية كاملة، وبصراحة تامة، فهو مع فريق مفاوضاته أشرف على إعداد الوثيقة وصياغتها قبل توقيعها، وهو قطعا يملك الجواب"، وفق قوله.

الخيار الأسوأ.. ماذا لو فشل التفاوض؟

من جهته، قال الكاتب الصحفي عمار علي حسن، في مقاله بعنوان: "الخيار الأسوأ.. ماذا لو فشل التفاوض؟"، في جريدة "الوطن" الأربعاء: "حدد الاتفاق معالم طريق سلمي يعتمد على التعاون والتفاعل الإيجابي الخلاق لحل مشكلة سد النهضة الإثيوبي. لكن ماذا لو ظهر في المستقبل ما يفشله ويغلق الباب أمام الحل السلمي؟

وأضاف عمار على  حسن -المعروف بأنه كان أحد أشد الكتاب شراسة في مهاجمة الإخوان والدكتور مرسي-: "إثيوبيا ربما لا تكون مدفوعة في إنشاء سد النهضة من مصالحها الذاتية البحتة، لكن هناك من يستخدم هذه الدولة الأفريقية القديمة أداةً للضغط على مصر الدولة، أو على السلطة الحالية، كما أن الحصول على جزء من مياه النيل هدف لإسرائيل منذ عقود، وتم طرحه أيام السادات، ولم يمت إلى الآن في أذهان من تعاقبوا على حكم تل أبيب.

واستطرد: "الخيار الأسوأ هذا يمكن أن نسلك معه سبيلين؛ الأول على حسابنا، والثاني ليس كذلك، فمصر بوسعها أن تنفذ من الآن خطة لتحويل زراعتها من الري بالغمر إلى الري بالتنقيط، الذي يستهلك أقل من عُشر الكمية تقريبا، ويمكنها أن تتقدم بخطوات أسرع على  طريق امتلاك طاقة نووية سلمية تمكنها من توليد الكهرباء، وتبحث عن مصادر بديلة للطاقة مثل الطاقة الشمسية. ويتم هذا في الوقت الذى نذهب فيه إلى المحافل الدولية لنقرر حقوقنا التاريخية في مياه النيل، ونبين أي تعسف أو تملص إثيوبي من الاتفاق.

وأضاف: "أما الخيار الثاني، وهو الأشد قتامة، فيتمثل في الحل العسكري، فإذا لم تستجب إثيوبيا لأي خطوات تصالحية أو تفاهمية جادة حول الاتفاق، واستمرت في ابتزازنا، وتشجيع بقية دول حوض النيل على أن تحذو حذوها، يمكننا مساعدة التنظيمات المسلحة في بعض الأقاليم هناك، والراغبة في الانفصال عن سلطة أديس أبابا، علاوة على  مساندة غريمتها إريتريا، وبعض الجماعات الصومالية المتضررة من سلوكيات السلطات الإثيوبية.

وتابع حسن: "قد يتطور الأمر إلى  التهديد بالحروب إن أُغلقت كل الأبواب الأخرى، فما أنفقت مصر على جيشها في سبيل تسليحه وتدريبه إلا لأيام مثل تلك، لكن على الساسة أن يقوموا بمهمتهم أولا، وعلى الشعب أن يقف خلف قواته المسلحة إن دعت الضرورة".

وتابع: "وقتها يمكن أيضا تكوين جبهة الدفاع عن النيل تتمدد لتطوي تحت جناحيها ملايين الشباب، يكون لديهم الاستعداد للاستشهاد في سبيل الدفاع عن النيل، أي عن تسعين مليون مصري سيموتون عطشا إن استمرت إثيوبيا في بناء سدودها وقلّدتها دول أخرى".

واختتم مقاله بالقول: "يمكن إعادة صياغة سياسة مصر حيال بعض القضايا الإقليمية بما يشعر من يحركون إثيوبيا بأن الأرض ستهتز من تحتهم، وبالتالي يبتعدون عن تشجيع إثيوبيا على التمادي في تحديها للأمن القومي المصري".

عندما تعتلي "الجغرافيا" ظهر "التاريخ"

من جهته، قال الكاتب الصحفي محمود خليل، في مقاله بجريدة "الوطن" الأربعاء، بعنوان: "النيل نجاشي" إنه عندما تعتلي الجغرافيا ظهر التاريخ، خطورة سد النهضة ترتبط بموقع إنشائه على النيل الأزرق الذي يضخ نسبة 85% من مياه النيل. ربما كان لدى صانع القرار المصري قناعة بأن إثيوبيا لن تستخدم السد إلا في توليد الكهرباء، وإدارة التوربينات الخاصة بها، وهو أمر لن يؤثر على حصة مصر من المياه، لكن من يضمن لنا ذلك، وماذا يمكن أن يمنع إثيوبيا من استثمار مليارات الأمتار المكعبة من المياه التي سوف تتراكم خلف السد في مجالات أخرى، تبعاً لمبدأ سيادة الدول؟". 

وتابع خليل (المعروف بأنه أحد مؤدي الانقلاب والسيسي): "حتى إذا لم يحدث ذلك، هل من المنطقي أن نضع أنفسنا تحت رحمة دولة تملك أن تسبب لنا مشكلات عديدة، إرضاء لدول أخرى صديقة لها مثل إسرائيل؟ 

وقال: "نصت "وثيقة المبادئ" على أن الغرض من سد النهضة هو توليد الطاقة، والمساهمة في التنمية الاقتصادية، والترويج للتعاون عبر الحدود والتكامل الإقليمي من خلال توليد طاقة نظيفة ومستدامة. 

وتابع: "ما أفهمه من هذا النص أن أغراض السد متعددة، وليست مقصورة على توليد الطاقة، ربما كانت عبارة "التنمية الاقتصادية" التي وردت في هذا البند منصرفة إلى "توليد الكهرباء"، لكن السؤال: ألا تحتمل تأويلات أخرى؟

وأضاف خليل: "هناك موضوع أخطر يتعلق بعملية ملء السد، وهي الخطوة التي تخشاها مصر، لأن الطريقة والمدة الزمنية لتعبئة المياه في خزان السد يمكن أن تؤدي إلى أضرار بالغة على مصر، أبسطها الانتقاص من حصة مصر التاريخية في مياه النيل خلال سنوات التخزين، ناهيك عن المخاطر المرتبطة بالتسرع في إتمام هذه الخطوة من الجانب الإثيوبي (المتعجل أساسا) بشكل يمكن أن يؤدي إلى كوارث طبيعية شديدة الخطورة على كل من مصر والسودان. 

واستطرد خليل: "حصتنا من مياه النيل كانت تزيد على غيرنا من دول الحوض بموجب اتفاقيات دولية، اليوم أصبح التوزيع العادل والمنصف هو المبدأ الحاكم للأنصبة. ليس ذلك وفقط، بل لقد اعترفنا بتوقيعنا على "وثيقة الخرطوم" بحق إثيوبيا -وهي دولة ذات سيادة- في استخدام المياه داخل حدودها، وطبقا لمصالحها، حتى لو أدى ذلك إلى انتقاص حصتنا من المياه! ولو أنك طالعت وثيقة الخرطوم، فستجد أنها جاءت خالية من النص على الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، إلا أن يكون بندا سريا ضمن بنود الاتفاقية!

واختتم بقوله: "في تقديري أن إثيوبيا تفوقت بحقائق الجغرافيا في هذه الوثيقة، في حين لم تُتح ظروف الواقع لمصر حسم حقوقها التاريخية في مياه النيل، وحقها في الاعتراض (الفيتو) على المشروعات التي تضر مصالحها في النيل. وقد تهيأت الظروف لإثيوبيا الآن كي تطلب تمويلا دوليا للسد، بعد أن كانت الدول المانحة تشترط موافقة مصر والسودان على "اتفاق عنتيبى". وها هي مصر تعترف -ضمنا- بهذه الاتفاقية، بالتوقيع على وثيقة المبادئ، لتحقق لإثيوبيا أملا كبيرا في تمويل مشروعها الضخم ببناء سد يختزن خلفه أكثر من 70 مليار متر مكعب من المياه". 

وثيقة تعكس الأوضاع على الأرض

وفي مقاله بعنوان: "وثيقة تعكس الأوضاع على الأرض"، قال عماد الدين حسين بجريدة "الشروق" الأربعاء: هل كان في وسع مصر أن تحصل على اتفاق أو وثيقة أفضل من تلك التي تم توقيعها بالفعل؟
وأجاب: "لم نحصل على كل ما نريده من مطالب أو حقوق في هذه الوثيقة خصوصا في قضية ضرورة قيام إثيوبيا بالإخطار المسبق قبل بناء أي سدود، أو إصرارها على وضع عبارة الاستخدام المنصف للمياه، وهي عبارة قاتلنا طويلا من أجل عدم تطبيقها في الماضي؛ لأنها تعني ببساطة أن إيراد نهر النيل سيتم توزيعه بالتساوي بين دول الحوض، وهو ما يعني غالبا تقليل حصة مصر السنوية، وهى 55 مليار متر مكعب لم تعد تكفينا منذ فترة طويلة في ظل زيادة السكان والتوسع في استصلاح الأراضي لزراعتها".

وتابع عماد الدين، وهو كاتب ناصري، ومن المقربين للسيسي: "في هذه الوثيقة أقرت مصر رسميا بحق إثيوبيا في بناء سد النهضة".

وأضاف: "الأمر المقلق هو أن الصياغات اللغوية مطاطة في أكثر من موضع في الوثيقة، وهو ما يعطى الجانب الإثيوبي إمكانية التملص من أي التزام مستقبلي".

وأضاف: "تقديري المتواضع أن ما جاء في الوثيقة هو ترجمة لموازين القوة على الأرض"!!