سياسة دولية

كيف خذلت السلطة الفلسطينية شعبها في ظل استمرار العدوان على غزة؟

السلطة الفلسطينية فقدت الكثير من حاضنتها خلال السنوات الأخيرة- جيتي
السلطة الفلسطينية فقدت الكثير من حاضنتها خلال السنوات الأخيرة- جيتي
نشرت مجلة "ذي أتلانتيك" مقالا للباحث غيث العمري، تحت عنوان "كيف خذلت السلطة الفلسطينية شعبها؟"، والذي تحدث فيه عن موقف السلطة إزاء ما يجري في قطاع غزة.

وأشار الكاتب إلى أن السلطة الفلسطينية لا تزال تلتزم الصمت على نحو جلي، على الرغم من استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، معتبرا أن الأطراف الفاعلة يتعين عليها اتخاذ خطوات لإصلاح الحكم الفلسطيني بدلاً من ترك فراغ يمكن أن تملأه "حماس".

وأكد أن السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها في عام 1993، وخاصة منذ الانتفاضة الثانية في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، بدأت تفقد مصداقيتها ليس على الصعيد الدبلوماسي فحسب، بل بنظر الشعب الفلسطيني أيضاً، ثم سارعت "حماس" لملء الفراغ اللاحق في الأفكار والسياسة والأمن، واليوم، يدفع الشعب الفلسطيني الثمن.

وأضاف: "من الضروري لأي ترتيب سياسي يتم التوصل إليه بعد هذه الحرب في غزة أن لا يركز فقط على مستقبل هذا القطاع الساحلي، بل على ’إعادة تأهيل السلطة الفلسطينية’ أيضاً".

ومنذ توقيع "اتفاقية أوسلو" في عام 1993، عُرضت على الشعب الفلسطيني رؤيتان متنافستان ومتناقضتان لمستقبله. في الرؤية الأولى، التي طرحتها "منظمة التحرير الفلسطينية" - وهي جماعة علمانية، وإن لم تكن ديمقراطية بأي حال من الأحوال، والمنظمة الأم "للسلطة الفلسطينية" - تم تصور عملية دبلوماسية تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة الاحتلال.

أما الرؤية الثانية التي روجت لها "حماس"، فقد دعت إلى إنشاء دولة فلسطينية من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، وقد لاقت قبولا لدى الفلسطينيين.

وفي الأيام التي أعقبت التوقيع على "اتفاقية أوسلو" مباشرةً، فقد تمتعت "السلطة الفلسطينية" بأفضلية واضحة. فقد أعطت الاتفاقية بحد ذاتها الشعب الفلسطيني الأمل في تحقيق الحرية بعد 25 عاماً من الاحتلال.

وعكس إنشاء "السلطة الفلسطينية" قيام الفلسطينيين بحكم أنفسهم على أجزاء من أراضيهم للمرة الأولى في الذاكرة الحية، وعاد قادة "منظمة التحرير الفلسطينية"، الذين كانوا رمز القضية الفلسطينية على مدى أجيال، للعيش بين شعبهم، ما ولد شعوراً بالفخر.

ولكن تبين أن تلك اللحظة كانت نقطة الذروة. فعملية السلام تعثرت ثم انهارت فيما بعد. وأدى فشلها إلى تقويض الرسالة الأساسية "للسلطة الفلسطينية" - والتي مفادها أن التحرير يمكن تحقيقه من خلال الدبلوماسية - وإلقاء ظلال من الشك ليس فقط على حكمة التوقيع على "اتفاقية أوسلو"، بل على سبب وجود "السلطة الفلسطينية" أيضاً.

ولم تكن "السلطة الفلسطينية" المسؤولة الوحيدة عن تدهور عملية السلام، فقد واصل الاحتلال توسيع المستوطنات، بينما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لتحميل الأطراف المسؤولية.

من المؤكد أن الدبلوماسية الفاشلة أضرت بـ "السلطة الفلسطينية"، ولكن ذلك لم يكن سوى جزء من القصة. فالسلطة الفلسطينية تتحمل مسؤولية كل ما تبقى. فقد حكمت على غرار نظام حسني مبارك في مصر ونظام زين العابدين بن علي في تونس ــ وهو النموذج الذي أدى استبداده الفاسد إلى ردود أفعال عكسية على مستوى المنطقة خلال فترة "الربيع العربي".

وكانت الوظائف الحكومية عبارة عن خدمات سياسية يتم توزيعها على المؤيدين، وكانت الأموال العامة، التي يأتي الكثير منها من المساعدات الدولية، مجرد وسيلة لإثراء المسؤولين. ولم تحتل الكفاءة والاستجابة للمواطنين وتوفير الخدمات سوى مكانة ثانوية. وأصبح الفلسطينيون محبطين من "السلطة الفلسطينية" ومن الحكومة بحد ذاتها.

ورأت "حماس" فرصة سياسية في المشاكل التي تواجهها "السلطة الفلسطينية". ففي عام 2006، دعا رئيس "السلطة الفلسطينية" المنتخب حديثاً محمود عباس إلى إجراء انتخابات، ونظّمت "حماس" حملة فعالة ركزت على فساد "السلطة الفلسطينية" ووعدت بالحكم النظيف. وبفضل تلك الرسائل وآلة سياسية منظمة جيداً، فقد فازت "حماس" بالانتخابات. وبعد مرور عام، تصادمت مع قدامى "السلطة الفلسطينية" في غزة، وكانت قوات الأمن التابعة "للسلطة" منقسمة وتشوبها الخصومات الداخلية. وتمكنت "حماس" المنتصرة من طرد "السلطة الفلسطينية" من غزة، ومنذ ذلك الحين رسّخت سيطرتها على القطاع الساحلي.

وبعد أن كانت "السلطة الفلسطينية" تعاني من صدمة الهزيمة، فإنها تعرضت لضغوط دولية لحملها على إصلاح ذاتها، لا سيما من جانب إدارة جورج بوش الابن التي حشدت الدول الأوروبية والعربية لتحقيق هذا الهدف.

وعينت "السلطة الفلسطينية" سلام فياض رئيساً جديداً للوزراء، فأجرى إصلاحات مهمة. ولكن نهجه لم يلقَ استحسان القادة السياسيين الآخرين في "السلطة الفلسطينية"، الذين عملوا على إضعافه ودفعه على الاستقالة في عام 2013.

ومنذ ذلك الحين، تراجع أداء "السلطة الفلسطينية" بثبات. واليوم، تعتقد نسبة ساحقة تبلغ 87 في المائة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة أن السلطة الفلسطينية فاسدة، وتريد نسبة 78 في المائة استقالة عباس، وترى نسبة 62 في المائة أن "السلطة الفلسطينية" تشكل عبئاً، علماً بأن فقدان الشرعية الشعبية قد خلّف آثاراً على أرض الواقع.

وحتى قبل الحرب الحالية في غزة، كانت بعض مناطق الضفة الغربية غير خاضعة عملياً للحكم. وخفّض المجتمع الدولي مساعداته نظراً للفساد المستشري لـ"السلطة الفلسطينية" وتعاملها مع الأزمات المتنافسة في مناطق أخرى.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، واصلت القوى الخارجية التعامل مع "السلطة الفلسطينية" باعتبارها الممثل الشرعي للفلسطينيين، ولكن في الواقع، يئس زعماء العالم منها إلى حد كبير.
 
وفي ظل ظروف مختلفة - لو كانت "السلطة الفلسطينية" حكومة أكثر فعالية ونظيفة، وتحظى بثقة شعبها بشكل أفضل - فإنه يمكن تصور عودة "السلطة الفلسطينية" إلى غزة عند انتهاء هذه الحرب وقيادتها لعملية إعادة الإعمار والتعافي. ولكن الفلسطينيين ليس لديهم ثقة في قيام "السلطة الفلسطينية" بوضع مصالحهم في الاعتبار. كما أن المجتمع الدولي لا يثق بقدرتها على إدارة الأموال بالمبالغ المطلوبة لإعادة الإعمار، وتفتقر السلطة الفلسطينية على أي حال إلى البنية التحتية المؤسسية الضرورية للاضطلاع بهذه المهمة.

التعليقات (2)