أفكَار

الحرب الإسرائيلية ضد غزة توجه ضربة لمشروع الدولة القومية والحدود القطرية

 إننا على أبواب مرحلة جديدة سوف تكون قاسية ومُكلفة على أهل فلسطين خاصة لكنها سوف تغير الكثير من المفاهيم والوقائع وكل ذلك سيكون مؤذن لمرحلة ينهي بها هذا الظلم الإسرائيلي.  (الأناضول)
إننا على أبواب مرحلة جديدة سوف تكون قاسية ومُكلفة على أهل فلسطين خاصة لكنها سوف تغير الكثير من المفاهيم والوقائع وكل ذلك سيكون مؤذن لمرحلة ينهي بها هذا الظلم الإسرائيلي. (الأناضول)
لا شك أن ما بعد السابع من تشرين أول/ أوكتوبر 2023 سيكون تاريخًا فارقًا في السياق الفلسطيني بل والمنطقة ككل. فهناك أبعاد كثيرة سوف تساهم في خلق واقع جديد سواء من ناحية النظر والتعامل مع إسرائيل كقوة إقليمية متفوقة في الشرق الأوسط، أو من ناحية إعادة إنتاج نظرة الإنسان العربي إلى نفسه ورفع سقف الطموح السياسي المرتبط بالقضية الفلسطينية.

 أبعاد "طوفان الأقصى" على القضية الفلسطينية

ابتداءً فإن حالةً من رفع سقف التوقع السياسي المرتبط بالحق الفلسطيني بشكل غير مسبوق قد ظهرت آثارها عند جميع المتابعين للقضية الفلسطينية، حيث تجاوز المخيال العربي عمومًا مسألة تقسيم فلسطين بين العرب والصهاينة، وصولًا إلى الحديث المعلن عن التحرير الكامل لأرض فلسطين من النهر إلى البحر. وهذا الأمل الذي بدأ ينمو وهو مختلف عن الأماني بطبيعة الحال ستكون له أبعاد وجدانية ونتائج توعوية ستنعكس على تحمل الشدائد والصبر والصمود والمقاومة والتضحية في الأيام التالية. 

لقد أثبتت عملية طوفان الأقصى بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك حسابات للقدرات العسكرية والمادية ستتغير إذا ما كان الصراع مرتبطًا بحقوق ثابتة غير قابلة للنسيان أو التفاوض وشعوب تصرُّ على الحصول على حقها. فالصراع على فلسطين صراع حق وباطل حاول العالم الغربي والقوى الكبرى ذات النفوذ خلال القرن الماضي أن يجعلاه صراعًا داخليًا بين شعبين يختلفان على بعض الحقوق.

لقد بينت الحرب الدائرة أن المسجد الأقصى هو قلب القضية الفلسطينية ومحرك الصراع الأبرز في المنطقة، ولذلك جاءت سياسات الاحتلال ومحاولة فرض أمر واقع وفصل الضفة عن قطاع غزة بل وتجزئة القضية والمدن الفلسطينية ـ جاءت ـ كلها بنتائج عكسية فتحرك الشعب الفلسطيني بكل إمكانياته التي تتوجت بما حصل من غزة.

وكان تعنُّت الاحتلال والتطرف والعنصرية المتأصلة في المجتمع الصهيوني ذات أثر عكسي واستجلب ردات فعل فلسطينية فاعلة على مدار الوقت، فالاحتلال يرفض منذ سنوات التفاوض بموضوع الأسرى وها هو اليوم يقف أمام حقيقة أسر عدد كبير من جنوده وضباطه لدى المقاومة وسيضطر عاجلًا أم آجلًا إلى التعاطي مع مسألة الأسرى وصولًا إلى الإفراج عنهم أو عن عدد منهم مكرهًا. لذا، أثبتت هذه الحرب أن الشرعية الفلسطينية لمن يقاوم الاحتلال، حتى من لا يؤيدون خط المقاومة فقد أصبحوا في هذه الظروف يدعمون دفاعها عن فلسطين والشعب الفلسطيني، فيما تقف قوى العالم الكبرى متحدة ضد الحق الفلسطيني.

يمكن القول: إن غزة لن تقبل بالعودة لمرحلة ما قبل السابع من تشرين أولا / أكتوبر الماضي، فالتهدئة مقابل السماح للمساعدات والغذاء بالدخول لن يكون كما كان. بعبارة أخرى، سوف تفرض هذه الحرب معادلات جديدة في طبيعة التعامل مع القطاع المُحاصر في المستقبل القريب على الصعيدين الإسرائيلي والعربي.

أبعاد الحرب ضد غزة على المنطقة

صمود أهل فلسطين عامة وأهل غزة خاصة ودفاعهم عن بلادهم ومقدساتهم وعلى رأسها المسجد الأقصى قدم دروسًا للأمة جمعاء في التضحية والصمود من جانب والتخطيط المُحكم والعمل الدؤوب كأهم أسس لتحرير الشعوب من كل أشكال الظلم والاستبداد والاستعباد. فالسكوت عن الظُلم لا يجلب إلا ظلمًا أكبر، وعدم مُجابهة الظلم يؤذن بتفشي ظُلم أعظم وهو ما تؤكده حالة الضفة الغربية التي لا يزال الاحتلال يهدم بيوت أهلها ويصادر أراضيها ويقتل أبناءها على الرغم من خضوعها لسيطرة السلطة الفلسطينية التي يتبنى رئيسها الحل السلمي والمقاومة السلمية ويرفض أعمال المقاومة المسلحة بشكل صريح ومباشر، ولذا، كان لعملية طوفان الأقصى أثر كبير على الوعي والوجدان لدى الكثير من أبناء الأمة خاصة ما يتعلق بالعمل الدؤوب والتخطيط على كل الأصعدة المُمكنة للتخلص من الاستعباد بكل أشكاله.

تشهد إسرائيل حالة انحطاط بسبب الانقسامات الحادة وعلى كل الأصعدة، وما يحدث الآن من ارتباك على الساحة السياسية هو أيضا بسبب صراعات واختلافات كبيرة بين الاسرائيليين انفسهم. لكن طوفان الأقصى جعل صورة المُجتمع الإسرائيلي المُنقسم والمرتبك ظاهرة بشكل لا يدع مجال للشك.
ولقد رفعت المقاومة الفلسطينية من تطلعات الأمة، وبينت للجميع كيف أن الحصار وقلة الإمكانيات ليست ذريعة، حيث شكلت الإرادة الصلبة والخطة المُحكمة والعمل الدؤوب كسرًا لقواعد المستحيل. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ستكون فكرة تخطي الحدود التي قام بها المُقاومون عملًا ملهمًا لجيل يتخطى ويحطم حدود المستحيل التي فُرضت عليه من الاستعمار الداخلي والخارجي.

نرى اليوم كيف أن هناك فشلًا لمشروع الدولة القومية والحدود القطرية بشكل عجيب. الاستعمار الأوروبي جلب لنا فكرة الدولة القومية وهي بنية ذات سياق أوروبي لحل أزمات أوروبية، بطبيعة الحال صُدرت للعالم والعالم المسلم أيضا، فأصبح الكثير من أبناء الأمة يفكر أولا بقوميتة أو قطريته الضيقة بل وغابت فكرة الأمة عن كثير منها بل غاب حتى التفكير بالأمة عن الكثير من الحركات الإسلامية. المقاومة الفلسطينية تبين لنا أن الأرض المباركة أي فلسطين هي قاسم مشترك بل وأعظم من القطرية والقومية.

أثبت العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أن التطبيع لا فائدة لإسرائيل منه، ولا فائدة للمُطبعين من إسرائيل، بعض الدول التي أرادت أن تُطبع مع الكيان الصهيوني فعلت ذلك لأجل حماية نفسها من دول أخرى في المنطقة، وها هي المقاومة تبين لنا أن إسرائيل لم تستطع أن تحمي نفسها، فكيف لها ان تحمي غيرها؟! لذلك الهرولة نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني ضُرب ضربة قاسية من وكأن ما يجري هو طوفان ضد التطبيع أيضا. لذا، من شأن هذه الحرب أن تُجمد اتفاقيات التطبيع أو حتى قد تنهار وخصوصا إذا ما استمر سقوط المدنيين الشهداء ونقل الصور إلى العالم، فالشعوب سوف تقف بشكل صارم بالمستقبل ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني. 

لا يوجد هناك شيء اسمه الحياد في هذا الصراع. فإما أن تكون مع المُستعمِر أو المُستعمَر إما أن تكون مع الظالم أو المظلوم. بعبارة أخرى، إما أن تكون مع الحق أو الباطل، فلا يوجد منطقة وسطى ومُحايدة في هذا الصراع. طوفان الأقصى وما تبعه من عدوان إسرائيلي هائل سوف يُنتج شعوبا عربية ذات مواقف واضحة من العدوان وسوف يزداد الدعم والتضامن العربي مع أهل فلسطين. والآن نحن بحاجة لتوجيه هذه الشعوب لتحويل هذه العواطف إلى فعل على أرض الواقع. فمثلا موضوع المقاطعة يجب أن يفعل على كل الأصعدة في المنطقة.

إسرائيل أنفقت المليارات على الدعايات السياسية لتحسين صورتها أخلاقيًا وسياسيًا وعسكريًا. لقد أوضحت المقاومة الفلسطينية أن هذا الكيان مُهشم وضعيف حتى أكثر مما كنا نتخيل. وبالتالي صورة الجيش الإسرائيلي بأنه الجيش الذي لا يقهر لم تعد موجودة لا في الخيال الفلسطينيي ولا عربي. فهذا الجيش تهشم بفعل المقاومة والصور التي رأيناها لن تُمسح من الذاكرة إطلاقا. 

تشهد إسرائيل حالة انحطاط بسبب الانقسامات الحادة وعلى كل الأصعدة، وما يحدث الآن من ارتباك على الساحة السياسية هو أيضا بسبب صراعات واختلافات كبيرة بين الاسرائيليين انفسهم. لكن طوفان الأقصى جعل صورة المُجتمع الإسرائيلي المُنقسم والمرتبك ظاهرة بشكل لا يدع مجال للشك.

في النهاية يمكن القول، إننا على أبواب مرحلة جديد سوف تكون قاسية ومُكلفة على أهل فلسطين خاصة لكنها سوف تغير الكثير من المفاهيم والوقائع وكل ذلك سيكون مؤذنا لمرحلة ينهي بها هذا الظلم الإسرائيلي. لكن يجب القول إن هناك مسؤوليات جمة تقع على عاتق الجميع، وهي دعم المقاومة بكل الأشكال، ودعم صمود الشعب الفلسطيني، والتصدي على كل الأصعدة للرواية الصهيونية.

*أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم
التعليقات (1)