كتب

منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس.. وقائع الشرخ الذي أصاب الجسد الفلسطيني

اليسار جزء من بنية منظمة التحرير الفلسطينية، ومكون أساسي من مكوناتها. ونقاط التقائها مع فتح العلمانية حول المشروع المجتمعي أكبر من التقائه مع حماس ذات الخلفية الدينية.
اليسار جزء من بنية منظمة التحرير الفلسطينية، ومكون أساسي من مكوناتها. ونقاط التقائها مع فتح العلمانية حول المشروع المجتمعي أكبر من التقائه مع حماس ذات الخلفية الدينية.
الكتاب: موقف حماس من منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، ضمن حركة المقاومة الإسلامية حماس، دراسات في الفكر والتجربة
الكاتب: الأثر مؤلف جماعي من تحرير محسن محمد صالح
دار النشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات- بيروت
عامة الكتاب: 672

ـ 1 ـ


تواجه القضية الفلسطينية اليوم أكثر من عقبة. فبالإضافة إلى جرائم المحتل الغاصب وتراخي المجتمع الدولي، يمزَّق الجسد الفلسطيني من الدّاخل بسبب اختلاف المواقف بين حماس التي تسيطر على قطاع غزة، ومنظمة التحرير التي تسيطر على الضفة الغربية.

ويواجه القرار الفلسطيني تشتتا بين اتجاهين:

ـ  اتجاه يرى في المفاوضات الحل الوحيد، ولكن "الشريك الإسرائيلي" يرفض مفاوضته ويواصل برنامج قضم الأرض الفلسطينية وتهجير أهلها، فيما يكتفي أصحاب هذا الاتجاه بالتنديد وانتظار معجزة من المجتمع الدولي، الذي لا ينفكّ يتغير من رفض جرائم إسرائيل دون القدرة على إدانتها إلى مباركتها وتبريرها.

ـ اتجاه يرفض مسار المفاوضات الذي فرضته تسويات أوسلو، ويحاول أن يفعّل المواجهة رغم تفاوت القوى.

والمؤلف الجماعي "حركة المقاومة الإسلامية حماس، دراسات في الفكر والتجربة"، في الأصل مجموعة من الدراسات المحكّمة لنخبة من الأساتذة المتخصصين في القضية الفلسطينية، تستعرض نشأة حركة حماس وتطورها؛ فتناقش رؤيتها السياسية كحركة، وتوضح موقفها من مشاريع التسوية السلمية. يعود إلى العلاقة بين ممثلي هذين الاتجاهين وإلى ما يكمن وراءهما من الخلفيات الفكرية. وتفصّل المقالة الموسعة التي تحمل عنوان "موقف حماس من منظمة التحرير الفلسطينية وفصائله" للباحثين أحمد سعيد نوفل ومحسن محمد صالح، لتفصيل أصول الخلاف بين الفصيلين والاتجاهين بالنتيجة.

ـ 2 ـ

يعمل البحث  "موقف حماس من منظمة التحرير الفلسطينية وفصائله" على التذكير بالأهداف من قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وهو إنشاء كيان يتحدث باسم الشعب الفلسطيني ويمثّله، فيشرف على تشكيلاته المختلفة حتى تشارك بفاعلية في تحرير فلسطين المحتلة منذ سنة 1948، ويختار لذلك انتهاج الكفاح المسلح على أساس المشروع الوطني الفلسطيني القاضي بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر. وإثر انتخاب "المجلس الوطني الفلسطيني" حينها، وهو البرلمان الفلسطيني الذي يعد الهيئة التمثيلية التشريعية العليا للشعب الفلسطيني بأسره داخل فلسطين وخارجها، طرحت المنظمة مشروع الدولة الفلسطينية، مستقلة قائمة على أسس ديمقراطية علمانية، ومبررها في هذا الاختيار أن كفاحها المسلح ليس كفاحا عرقيا أو مذهبيا ضد اليهود، ثم مثّل دخول التنظيمات الفلسطينية الفدائية فيها، بعد سنوات قليلة من تأسيسها المرحلة الثانية من هويتها المتغيّرة باستمرار.

ويستند صاحبا المقالة إلى تصريح خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس، ليقدّرا أنّ الفصائل الإسلامية ممثلة في حماس والجهاد الإسلامي، لم تكن تمانع في الانضواء تحت هذه المنظمة، وكانت تستعد لما سيكون المرحلة الثالثة من حياة هذه المنظمة وهويتها. ويلحان على أنّ الحركة لم تكن ضد منظمة التحرير في ذاتها، وإنما كانت تعارض برنامجها السياسي، بعد أن أعادت النّظر في المشروع الوطني الفلسطيني منذ توقيعها على اتفاقية أوسلو سنة 1993، التي تمنح دولة إسرائيل "الحق في العيش في سلام وأمن"، وتدين استخدام "الإرهاب وأعمال العنف الأخرى"، مقابل فتح باب مفاوضات لا تزال إلى اليوم بدون أفق.


جليّ إذن، أن الباحثين اختارا استهلال المقالة بعرض تعهّد منظمة التحرير الفلسطينية أوان نشأتها بـ "تحرير فلسطين من النهر إلى البحر"، وهو ما تتعهد به حماس ولأجله ترفض تسوية مخرجات اتفاقية أوسلو، ليحملاها  المسؤولية عن الصدع الكبير الذي تعانيه القضية الفلسطينية.

ـ 3 ـ

وليس الحديث عن موقف حماس من منظمة التحرير بهذه البساطة، فحماس توجه النقد الشديد للمنظمة؛ فتتهمها بالفشل في تحقيق وعودها للشعب الفلسطيني، وابتعادها عن ثوابت القضية الوطنية. وهي الاتهامات نفسها التي كانت حركة فتح توجهها للمنظمة في الستينيات لمّا كانت ترفع شعار الكفاح المسلح ضد "إسرائيل"، وتدعو "إلى إزالتها عبر حرب تحرير شعبية؛ فقد كانت تكرّر أنّ المنظمة تحمل شعارات جوفاء، "فهي ليست ثورية، وتأخذ من الشعب ولا تعطيه".

فجوهر الخلاف وفق الباحثين بين حماس والمنظّمة إيديولوجي، انتهى إلى التناقض بين مشروعيهما؛ فخلفية حماس الإسلامية تجعلها ترى أن فلسطين، من البحر إلى النهر، أرض وقف إسلامي ليس لأحد الحق في التفريط فيها. أما الخلفية العلمانية، فتجعل أصحابها يقبلون بحلول التسوية الداعية إلى خيار الدولتين في فلسطين التاريخية، والعيش جنبا إلى جنب مع "إسرائيل" في سلام شامل، ودفعت قياداتها إلى "نبذ العنف" و"العمل المسلح ضدها".

 لا شك أنّ الفلسطينيين اليوم باتوا أكثر إدراكا لإفلاس نهج التسوية السلمية والتعويل على وساطة المجتمع الدولي لفرضها، ولا شك أن الموقف يحتاج مراجعة لكلّ الخيارات لضمان تحرير الأرض وإلى مشروع طويل المدى والنّفس، وهذا يمرّح حتما عبر نبذ الخلاف والترفع عن شهوة السلطة وإغرائها.
ومن سمات هذه العلاقة التغيّر باستمرار، لذلك عمد الباحثان إلى تقسيمها إلى أطوار؛ ففي الفترة الممتدّة من 1987 (تاريخ انطلاق الانتفاضة الأولى) إلى 1993 كانت حماس تحاول أن ترفد النضال الوطني ولا تقدّم نفسها بديلا للمنظمة. ومع ذلك ظهرت حالة من التوتر بين حماس وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، التي اتخذت لنفسها إطارا جديدا هو "القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة"، نتيجة للتنافس على قيادة التحركات الميدانية، بحيث  سعى كلا الجانبين إلى تأكيد أسبقيته في دعمها. ويميل الباحثان إلى حسم الخلاف لفائدة حركة حماس، فيؤكدان أنها "أصدرت بيانها الأول في منتصف كانون الأول/ديسمبر 1987، بينما تأخر تفاعل "القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة" المنبثقة عن فصائل المنظمة إلى كانون الثاني/يناير  1988".

ومن نقاط الاختلاف التي ظهرت في هذه الفترة، مسألة الانضمام إلى المجلس الوطني الفلسطيني؛ فقد وضعت الحركة عشرة شروط للانضمام إليه، تصب أغلبها في رفض التفريط في أي جزء من أرض فلسطين التاريخية، وتأكيد الخيار العسكري نهجا لتحريرها، أو تشترط نسبة تمثيل تعادل ثقلها وتقدّر أن تتراوح بين 40 ـ 50%، وهو ما وجدته قيادة المنظمة وحركة فتح مبالغة وتعجيزا.

ـ 5 ـ

وتمثل الفترة الممتدة بين 1993 (تاريخ اتفاقيات أوسلو وبداية العمل على تأسيس السلطة الفلسطينية في إطار تسوية سياسية مرفوضة من قبل حماس) و2000 الطور الثاني. فقد كُلفت اللجنة التنفيذية بمنظمة التحرير بتشكيل مجلس السلطة الوطنية الفلسطينية، على أن يكون السيد ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية رئيسا. وللاختلاف بين المرجعيات والتصوّرات، كان من البديهي أن تقف حماس في المعارضة بكل ثقلها وأن تواصل استهداف الاحتلال. وكان من البديهي أيضا أن تردّ السلطة الفعل وهي المطالبة باحترام تعهداتها في الاتفاقية، فتوسعت في الاعتقالات، وكثيرا ما انتهى الخلاف إلى الصّدام.

وفي الفترة الممتدة بين سنة 2000 وسنة 2005، وفي ظل انتفاضة الأقصى، انعقدت في القاهرة سنة 2002 مفاوضات لرأب الصدع الكبير بين الفصيلين المتنافسين فتح وحماس، فقد كانت حماس ترى أن اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي والمجلس الوطني مؤسسات قديمة، انتهت مدة صلاحيتها المفترضة منذ سنوات عديدة، ومن ثم لم تعد تعبر في قراراتها عن الشرعية الفلسطينية والثوابت الفلسطينية، ولم تعد تمثل الشعب الفلسطيني بشكل حقيقي. وبالفعل، فقد تم التوافق خلال سنة 2005 على عدد أعضاء المجلس الوطني وضبط في حدود 300 عضو، بحيث يكون نصفهم من الضفة والقطاع والنصف الثاني من الشتات. وأجريت الانتخابات في 2006، وأفضت إلى فوز حساس بأغلبية (74) مقعدا مقابل 45 لفتح.

ـ 6 ـ

تمتد الفترة الرابعة من هذه العلاقة القلّب من 2006 إلى 2013 تاريخ تحرير الأثر، وفيها سيتضخم الصدع وسيتوسّع باستمرار. ويحمّل الباحثان الرئيس الفلسطيني ومنظمة التحرير صراحة المسؤولية في حدوثه. فبعد إعلان نتيجة الانتخابات التشريعية، لجأ الرئيس محمود عباس إلى شرعية المنظمة من جديد، وأصرّ على أن ملف المفاوضات يعود إليها، وأنها تظل مرجعية سلطة الحكم الذاتي، بغض النظر عن القوة السياسية التي تقود الحكومة.

ورغم ارتفاع أصوات داخل فتح تطالب باحترام الإرادة الشعبية وإعطاء الفرصة الكاملة، انتصر التوجه الذي يعمل على تعطيل حكم حماس ونزع أهم صلاحيات الحكم منها. وأمام رفض حماس لقصر سلطتها في دور فني خدماتي، دون أن تشارك في ضبط السياسات الكبرى أو تشرف على المفاوضات، وصلت الخلافات بين الفصيلين إلى الصدام المسلح، فسيطرت حماس على القطاع وسيطرت فتح على الضفة الغربية، وخلّفت "معركة الحسم مع التيار الانقلابي العميل في فتح" وفق التسمية الحمساوية في تشرين الثاني/نوفمبر 2007 بين 116 و161 قتيلا، أغلبهم من مسلحي فتح، وتسبّبت في تعقيدات سياسية كثيرة أمام التسوية السياسية، لا تزال قائمة إلى اليوم.

ـ 7 ـ

تضم منظمة التحرير فصيلين يساريين كبيرين، فضلا عن حركة فتح، هما الجبهتان الشعبية والديمقراطية، وكلاهما يشدّد على ضرورة استمرار الانتفاضة وتفعيل مقاومة الاحتلال، وتبدو علاقتهما بحماس أقل توترا؛ فقد طالبت الجبهة الشعبية بانضمام حماس لمنظمة التحرير الفلسطينية، ووضع إستراتيجية جديدة للمقاومة. وكلاهما يرفض اتفاقية أوسلو، ويرى أنها لا تحقق تطلعات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على الأرض الممثلة سنة 1967. وفضلا عن ذلك، ينتقد الفصيلان الأداء السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي للسلطة الفلسطينية.

تمثّل هذه المعطيات عناصر التقاء مشتركة بين الجبهتين وحماس، ولكن الباحثين ينتهيان إلى نتيجة مفارقة، هي انتصار اليسار الفلسطيني إلى حركة فتح والإلقاء باللائمة في هذا الصدع الكبير على حماس أساسا. 

ويفسّر ذلك بسببين أساسيين، فهذا اليسار:

ـ جزء من بنية منظمة التحرير الفلسطينية، ومكون أساسي من مكوناتها، ونقاط التقائها مع فتح العلمانية حول المشروع المجتمعي، أكبر من التقائه مع حماس ذات الخلفية الدينية.

ـ يعول على تمويل الأنظمة العربية والمنظومة الاشتراكية، وهو تمويل تسيطر عليه حركة فتح، وهذا المعطى يوضع في الاعتبار ويؤثر على استقلالية القرار.

ـ 8 ـ

في الأثر، تذكير بعديد الوقائع التاريخية واستقراء لها على نحو يجعلنا نفهم الأسباب العميقة للانقسام الفلسطيني، وينتهي بتوصيات قد تساعد الفلسطينيين على القيام بالمراجعات الضرورية لتجاوز الخلاف.

وهذا أمر على قدر كبير من الأهمية، ولكن لا بدّ من ملاحظات بشأن هذا الجهد:

يردّ الباحثان الخلاف بين منظمة التحرير عامة وحماس، إلى تحالف علمانيين مستعدين للتفريط في الوقف الإسلامي والأرض المقدّسة، وديّنين يستميتون في الدّفاع عنها.
ـ يسترسل الباحثان في تعداد أخطاء الفصائل الفلسطينية، وفي تبرير كل ما تفعله حماس، ولا إشكال في ذلك طالما يتمّ تقديم الورقة في إطار التصور الحمساوي، ولكن الإشكال في تقديمها باعتبارها بحثا علميا محكّما، فمن خصائص البحث العلمي الحياد والموضوعية، وهذا ما لا يضمنه الأثر.

ـ يردّ الباحثان الخلاف بين منظمة التحرير عامة وحماس، إلى تحالف علمانيين مستعدين للتفريط في الوقف الإسلامي والأرض المقدّسة، وديّنين يستميتون في الدّفاع عنها، ومثل هذا الاتهام الصريح لا يخلو من خطورة وتسرّع، ولا يساعد -في تقديرنا- على حلّ الإشكال الفلسطيني بقدر ما يعمّقه؛ ففضلا عن إغراقه في الإديولوجيا، أثبتت الأيام عدم صحّته. فتصوّر "حماس" تحوّلت بدورها سنة 2017، أي بعد نشر الكتاب موضوع الدراسة، من رفض "التنازل عن أي جزء من أرض فلسطين مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال"، إلى "التعامل مع الواقع دون الإخلال بالثوابت"، والتسليم بأن إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 "صيغة توافقية وطنية مشتركة".

ـ لا شك أنّ الفلسطينيين اليوم باتوا أكثر إدراكا لإفلاس نهج التسوية السلمية والتعويل على وساطة المجتمع الدولي لفرضها، ولا شك أن الموقف يحتاج مراجعة لكلّ الخيارات لضمان تحرير الأرض وإلى مشروع طويل المدى والنّفس، وهذا يمرّح حتما عبر نبذ الخلاف والترفع عن شهوة السلطة وإغرائها.
التعليقات (1)