تقارير

فتح أول متجر لبيع الخمور في الرياض.. ما دلالاته وتفاعلاته؟

الخمر من كبائر الذنوب، ولكن السماح ببيعه وتقنينه ووضع أنظمة لذلك أمر أكبر وأعظم، لأنها محادة لله-
الخمر من كبائر الذنوب، ولكن السماح ببيعه وتقنينه ووضع أنظمة لذلك أمر أكبر وأعظم، لأنها محادة لله-
أعلنت المملكة العربية السعودية مؤخرا أنها ستفتح متجرا لبيع المشروبات الكحولية في الحي الدبلوماسي في العاصمة الرياض، لمجموعة مختارة من المغتربين غير المسلمين بحسب ما نشرته "رويترز" ووكالات أنباء أخرى.

ووفقا للخبر فسيقتصر عملاء المتجر على الموظفين الدبلوماسيين، الذين كانوا يستوردون الخمور لسنوات في عبوات رسمية مغلقة تُعرف باسم الحقائب الدبلوماسية، وهو أول متجر من نوعه سيتم افتتاحه في السعودية منذ أكثر من 70 عاما.

ومن المعروف أن بيع الخمور حرام بإجماع المسلمين، ما يثير تساؤلات حول موقف علماء السعودية من فتح هذا المتجر لبيع الخمور في العاصمة الرياض.. وهل التقييدات المذكورة في الإعلان تنقله من دائرة الحرمة وتجعله أمرا مقبولا كإجراء إداري لتنظيم بعض شؤون الدبلوماسيين المقيمين في السعودية؟

الأكاديمي السعودي، أستاذ الفقه وأصوله بجامعة أم القرى، الدكتور محمد السعيدي، علق على الخبر بالقول: "لم أسمع هذا الخبر سوى من وكالة رويترز، ولم تعلنه الدولة أو وزارة التجارة في السعودية، لذا فإن هذا الخبر يبقى في إطار عشرات الأخبار المشكوك فيها" على حد قوله.


                              محمد السعيدي.. أستاذ الفقه وأصوله بجامعة أم القرى

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "لهذا ليس لدي تعليق إلى أن يكون هناك تصريح سعودي بذلك، مع العلم أن الفقهاء أجمعوا على جواز شرب اليهودي والنصراني للخمور في بيوتهما، وأن يشتريا الخمر لأنفسهما، وهذا الإجماع كان قديما جدا، قبل أن تؤسس المملكة العربية السعودية".

وتابع: "وقد كان هناك حظر على جميع أنواع الخمور منذ تأسيس المملكة العربية السعودية، وليس منذ إصابة أحد البريطانيين وهو مخمور كما يقال في وسائل الإعلام المختلفة".

ولفت السعيدي أنه "كان يُسمح للدبلوماسيين البريطانيين بجلب الخمور معهم وفق المعاملة الخاصة بالدبلوماسيين، لكن هذه المجلوبات زادت عن حدها لدرجة قيام شركة بريطانية بتوريد الخمور إلى المملكة وفق هذا النظام، لكن المملكة أوقفت نشاط هذه الشركة وحاكمت أعضاءها".

وأردف: "علما بأن مثل هذا الكلام سمعناه منذ أربعين سنة وهو يتردد بين الحين والآخر"، موضحا أن "العادة جرت أن يكتب ولي الأمر بمثل هذه القضايا إلى هيئة كبار العلماء في السعودية" لاستشارتهم بذلك.

يذكر أن الخبر الذي نشرته "رويترز" ووكالات أنباء أخرى بشأن اعتزام الحكومة السعودية افتتاح أول متجر لبيع المشروبات الكحولية (الخمور) في الحي الدبلوماسي في العاصمة الرياض، لم تعلق عليه أية جهة رسمية سعودية نفيا أو إثباتا.

من جهته علق الداعية السعودي، إمام وخطيب جامع الملك عبد العزيز بالدمام سابقا، عماد المبيض على الخبر بالقول: "الخمر من كبائر الذنوب، ولكن السماح ببيعه وتقنينه ووضع أنظمة لذلك أمر أكبر وأعظم، لأنها محادة لله في التشريع ورد لأحكامه وتعدي على مرجعية الشريعة وحكمها".

وأرفق المبيض المقيم حاليا في بريطانيا مع تغريدته السابقة عبر حسابه على منصة (أكس)، تويتر سابقا، مقطعا صوتيا بعنوان "بيان حكم بيع الخمر وتقنينه"، جاء فيه: "إن هذا يعد سابقة خطيرة في بلاد الحرمين"، وأضاف: "ولست بصدد بيان حكم شرب الخمر، فهذا مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهو كبيرة من الكبائر، وجاء فيها حد من حدود الله، ولست بصدد التوسع ببيان آثار الخمر على بلادنا ومجتمعنا..".

وتابع: "بل إن حديثي عن أمر أعظم من شرب الخمر، وهو موضوع استحلال بسنِّ أنظمة وقوانين تبيحه وتشرعه، وهذه سابقة خطيرة ينبغي التوقف عندها، نحن تعاهدنا وتعاقدنا أن نحكم بشريعة الله عز وجل، وأن مرجعيتنا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أما أن يتم الآن هذا التشريع فإنه يخالف هذا النظام، وهذا العقد الذي تعهد به ولاة الأمر منا".



وفي قراءته لدلالات وأبعاد هذا القرار، رأى الباحث والداعية السلفي المغربي، حسن الكتاني أن "هذا الإجراء يأتي في إطار التحولات والتوجهات الجديدة للمملكة العربية السعودية، وهي فيما يظهر تحاول تغيير الصورة التي كانت عليها من قبل، من أنها دولة سنية تطبق أحكام الشريعة، وتحافظ على منهج السلف الصالح، وتحمي شرع الله، حسب ما كانت تعلن عنه الدولة في سابق عهدها".

وأضاف: "لكن من الواضح أنه في عهد محمد بن سلمان تحاول الدولة أن تحدث فصلا بينها وبين ما كانت عليه من قبل، حتى إن ابن سلمان أعلن وصرح بأن تبني الدولة للدعوة السلفية يومذاك كان فقط أمرا اتخذته الدولة لمصالح معينة، أما الآن فهناك فك ارتباط بين الدولة وبين المنهج السلفي".


                                              حسن الكتاني.. داعية مغربي

وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول: "ويظهر هذا بالسياسات الجديدة، ومن أبرزها الإتيان بتركي آل الشيخ ليقود هيئة الترفيه، وهو ما يشير إلى أن الدولة أصبحت غير ملتزمة بدين الله، أما بالنسبة للمشروبات (الخمور) فمن المعلوم وجود ذلك سابقا، لكنه كان سرا، أما أن يتم ذلك علنا كما جاء في الخبر، فهذا نوع من التطبيع التدريجي مع هذه المنكرات، كما تم ذلك مع الغناء والرقص، والإتيان بالمغنيات والفاجرات، وإحدى المغنيات كانت تسب الله وتسب الأنبياء علانية في حفلتها".

وأردف: "ولما اعترض على دعوة تلك المغنية الفاجرة، تم دعوتها مرة ثانية، وهو ما يدلل على أن الأمر تجاوز حد الترفيه إلى إفساد العقائد والأخلاق"، منبها على أن كل ذلك يحدث في بلاد الحرمين بعد أن تم اعتقال عشرات العلماء والدعاة والمصلحين الذين كانوا يدعون الناس إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

بدوره قال الباحث والناشط الإسلامي الكويتي، أسامة الثويني: "من ناحية مبدئية فإن الدولة الإسلامية تترك رعاياها من غير المسلمين يصنعون خمرهم، ويتبادلونه في حياتهم الخاصة، ولكنها لا تتدخل في ذلك، ولا تقوم بالإشراف على تداول الخمر ولا الاتجار به، ولا استثماره بفرض ضريبة عليه".

وتابع: "فلا يجوز أن يرد على خزينة الدولة دينار واحد جرّاء بيع الخمر أو ضريبته، كما أنه لا يجوز أن يكون بيع الخمر علنيا ضمن الحياة العامة كالأسواق العامة التي يشترك فيها المسلمون مع غيرهم، وغير المسلم من رعايا الدولة الإسلامية ومن غير رعاياها (كالدبلوماسيين) يلتزم بشكل صارم بالنظام العام في الدولة والمجتمع".


                                       أسامة الثويني.. ناشط إسلامي كويتي

ووصف الثويني في تصريحاته لـ"عربي21" ما يجري اليوم في بلاد المسلمين اليوم بأنه "مباين تماما لنظام الإسلام وأحكامه ذات الصلة، فثمة دول تركت مثل هذه الأحكام (تجريم تداول الخمور) وراءها ظهريا منذ فترة، وثمة دول تسير في هذا الطريق، فبالأمس أجازت قطر البيع العلني للخمور قبيل أو إبّان المونديال، واليوم السعودية تجيز فتح متجر لبيع الخمور مخصص للدبلوماسيين ضمن تنظيم معين".

وأردف: "في الحقيقة، يجب أن لا نتفاجأ بمثل هذه التطورات أو بالأخرى الانتكاسات، فبسبب غياب الإسلام وسلطانه على الدولة والحياة والمجتمع تتقدم أولويات ومصالح مختلفة، كسياحة هنا أو مونديال رياضي هناك، كما أنه لا يجب أن نتفاجأ من افتتاح متجر لبيع الخمور في السعودية خاص بالدبلوماسيين".

وختم كلامه بالقول: "ومما يؤسف له أن قاطرة التحلل من البقية الباقية التي تميز بلاد المسلمين عن مدن الغرب والشرق تتسارع في هذا البلد العزيز (السعودية)". 
التعليقات (0)