مقالات مختارة

ما الذي يقتلنا الآن.. البراميل الإيرانية أم قنبلتها النووية؟

جمال خاشقجي
1300x600
1300x600
كتب جمال خاشقجي: القنبلة النووية الإيرانية فرضية، قد تكون وقد لا تكون، بعد عشرة أعوام وفق الاتفاق النووي الذي وقّعته طهران مع القوى الكبرى صباح الثلاثاء الماضي، ولكن البراميل المتفجرة -التي تصنعها إيران، وترسلها للنظامين الطائفيين في العراق وسورية؛ لتُلقى بعد ذلك على رؤوس المدنيين- حقيقة، ويبدو أنه من النفاق الدولي أن ننشغل بالفرضية على حساب الواقع.

البراميل المتفجرة تقتل الآن، بينما تقرأ هذه المقالة، أطفالا ونساء في سورية والعراق، ولكنها لم ترد ولو بسطر في عشرات الصفحات التي رسمت اتفاق فيينا، والذي "بفضله سيحل السلام في الشرق الأوسط والعالم"، كما يمكن لأي سياسي أميركي أو أوروبي أسهم في صياغة الاتفاق الصعب أن يقول (فيما لو فاز) في حفلة تسلم جائزة نوبل للسلام.

إنها سلاح كراهية وليست سلاح حرب، لا تستحق علماء يحددون مواصفاتها ومحتوياتها، لا تحتاج إلى نسبة معينة من "التخصيب"، ولا لأجهزة طرد مركزي يجادل الخبراء في عددها والمسموح منها والممنوع. أي طالب بليد في الكيمياء يستطيع صنعها في ورشة رديئة إن توافرت لديه الحماية من المحاسبة والضمير الميت، واجتمع كل ذلك في طهران وبغداد ودمشق، ولو غفلت السعودية أكثر عن اليمن لصُنعت أيضا في صنعاء وصعدة، قنابل صمّمت  دون أجهزة توجيه متطورة، هدفها معاقبة المدنيين وإرهابهم، إنها مثل سيارة مفخخة تترك في شارع جانبي لتنفجر وسط باعة جوالين أو طلبة مدارس، حينها تكون إرهابا، ولكنها حتى الآن سلاح حربي في العرف الأميركي والأوروبي، إنها سيارات مفخخة تُلقى من حوامات لمعاقبة المدنيين الذين تمردوا على النظام، ولا تستطيع أن تفرق بين مدرسة أو مقر عسكري.

لو أرادت الولايات المتحدة أن تجرّم قنابل الكراهية هذه، لكان سهلا عليها ذلك، تدفع بقضيتها إلى محكمة الجنايات الدولية، ثم مجلس الأمن، ثم تصدر قرارا يجرّم صانعيها وملقيها، ولكنها لم تفعل. 

هي حسابات سياسية، الروس استخدموها بغزارة في حربهم في الشيشان خلال التسعينات، وجعلوا عالي العاصمة غروزني سافلها، فاستدعى بشار الأسد تجربتهم إلى حلب وحمص وريف دمشق ودرعا، ودمّر أجمل مدن الشام بقنابل صنعتها إيران، والآن يستخدمها جيش العراق الطائفي شريك واشنطن في الحرب على الإرهاب ضد المدنيين العراقيين، وليس "داعش"، فالخبير العسكري الأميركي يعرف هذه القنابل ومحدودية أثرها في المسلحين وفداحة أثرها في المدنيين. 

ثمة احتجاجات عابرة في الإعلام الغربي، أو على لسان سياسيين وبرلمانيين هناك، ولكنها لم تصبح قضية سلم عالمي تستحق أن يجتمع وزراء خارجية ست دول كبرى من أجلها مع إيران؛ لمناقشتها والضغط عليها، ذلك أنهم جميعا لا يزالون يعيشون في "الخطر الافتراضي" الذي يهدد إسرائيل، متجاهلين "الخطر الواقعي" الذي تعيشه المنطقة.

لذلك، السعودية ومعظم دول الخليج وضحايا البراميل المتفجرة في سورية والعراق غاضبون ومتوجسون من اتفاق فيينا، فهذه البراميل وعلى خطورتها رمز للسياسة الإيرانية العدوانية في المنطقة، إنها "الحشد الشعبي" في العراق، وتهجير السنّة هناك، وانقلاب الحوثيين وصالح في اليمن، وقصفهم للمدنيين في كل مدينة رفضتهم، ومليشيات تشحن من أقصى الأرض، من باميان الأفغانية، لتدرب وتسلح لتمضي وتقتل حمويين وحلبيين وحماصنة لا يعرفونهم من قبل، ولا يمثلون عداء لهم، ناهيك عن مليشيات العدو القريب "حزب الله"، الذي يقاتل في الزبداني، وإيرانيين وعراقيين يقاتلون حول دمشق وفي حلب، لا تجوز مقارنتهم بالمقاتلين الأجانب في صفوف "داعش" أو "النصرة"، فهؤلاء خارج القانون، ولو عاد أحدهم إلى بلاده لاعتقل، ولكن المليشيات الشيعية تشحن في طائرات إيرانية رسمية تطير في مسارات جوية معتمدة من "الاتحاد الدولي للنقل الجوي"، ويعودون إلى بلادهم، ليتم الاحتفاء بهم "كأبطال أو شهداء" لا إرهابيين أو مجرمي حرب.

كمواطن، معني بأمنه وأمن أهله في هذا الشرق العربي الحزين، أجد أن السياسة الإيرانية العدوانية الحالية هي الخطر الداهم، وليس القنبلة النووية، وبالتالي أنا غير معني بالخطر "الافتراضي" المقبل، وهو ما يستوجب وقفة عالمية ضده، وقبل ذلك وقفة من الدول القادرة محليا على التصدي له، لذلك أؤيد وبقوة سياسة بلدي المملكة العربية السعودية، وأراها المشروع الوحيد الذي يمكن أن يحميني، بل ينقذ السوري واليمني والعراقي من التغول الإيراني، وسيكون التسامح مع إيران في مقابل "تنازلاتها" المزعومة في فيينا أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه، حتى لو جاء ذلك بوعود ومواثيق من الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي ما فتئ يرسل التعهدات والوعود لدول الخليج منذ اجتماع كامب ديفيد قبل أسابيع وحتى الأمس.

لقد قدمت دول الخليج وعدا للرئيس في قمة كامب ديفيد بدعم الاتفاق، وهو دعم يحتاجه في معركته المقبلة مع الكونغرس لتمريرها، ولكن حري بقادة هذه الدول والمملكة تحديدا وهي القوة الوحيدة القادرة والمستقرة في المنطقة والتي أنيطت بها ليس آمال شعوبها فقط بل كل شعوب المنطقة، أن تراجع أداء الإدارة الأميركية منذ احتفالية كامب ديفيد، هل تغيرت؟ هل تحسن دعمها وتعدلت رؤيتها للصراع في سورية؟ هل تدعم الجهد السعودي في اليمن لتحريره من الانقلاب الإيراني مثلما وعدت؟ الإشارات تقول إن لا جديد، المنطقة في حاجة إلى أفعال لا أقوال، وحتى ذلك الحين فإن تقديم دعم للاتفاق على بياض مضر للأمن القومي في المنطقة.

فمثلما تفاوض إيران بشراسة، يجب أن نفاوض مثلها وبشراسة أكبر، ومثلما تقاوم هي بقوة يجب أن نقاوم بقوة أكبر. للإيرانيين مشروعهم الذي يتعارض مع مشروعنا، ولا يوجد سبب لقبول طرح أوروبي حالم لا يعرف المنطقة وغير معني بأمن أهلها. إن ثمة مساحة يمكن أن يتقارب فيها المشروعان، فنحن نريد بناء المنطقة على أسس عدالة وتعددية، وهم يريدونها طائفية ضيقة.

موقف عربي صلب تقوده السعودية ضد الاتفاق ضروري لسلام المنطقة، طالما أن الخطر الافتراضي مقدّم على الخطر الواقع الآن. إنها وصفة لاتفاق سلام يفضي إلى حروب طائفية لا تنتهي، ولا حاجة للقول مرة أخرى إن هناك مشروعا سعوديا يرفض الهيمنة الإيرانية، وستواجهه بكل قوة، كما قال الراحل سعود الفيصل: "لسنا دعاة حرب، ولكن إن قُرعت طبولها فنحن جاهزون".

(عن الحياة)
التعليقات (1)
المغربي
الأحد، 19-07-2015 01:52 ص
يا استاذ خاشقجي, توقف عن تلك الاسطوانة المشروخة التي ما تنفك ترددها في مقالاتك ومداخلاتك التلفزونية. تلك الاسطوانة التي تحاول ان تحقم من خلالها تدخلات ايران وتهديداتها للدول العربية الشرقاوسطية في محادثات جنيف والتي افضت الى الاتفاق النووي. محادثات جنيف ولطيلة 12 سنة لم تكن الا عن النووي الايراني فقط لا غير. لم تكن عن تدخلات ايران في المنطقة ولا عن السلم الاهلي او الاممي لدول الشرق الاوسط او العالمي. لم تكن لا عن الفستق الاراني ولا عن البطيخ الا يراني ولا عن سجاده. لا تحاول بغباء ان تحرف اتفاق النووي الاراني بما هو تعزيزا للسلم العالمي (او هكذا يفترضه داعموه وفي مقدمتهم اميركا ويحاولون تسويقه), ان تحرفه لجهة السلم الشرقاوسطي لتشير بعد ذلك الى البراميل المتفجرة المدعومة ارانيا و محاولتك البائسة بالتالي للايحاء بان الاتفاق فاشل ولا يعزز السلم في الشرق الاوسط الخ الخ الخ.. يا استاذ خاشقجي تعلم من المشادة الكلامية بين نتنياهو ووزير خارجية بريطانيا فيليب هاموند بشأن إيران, عندما حاول نتنياهو هو الاخر اقحام مسائل وسلوك ايران في الاتفاق النووي عندما قال نتنياهو: "لا يوجد اشتراط بأن تغير إيران سلوكها، وهذا ما يجعل الاتفاق معيبا في جوهره." حيث رد عليه وزير خارجية بريطانيا فيليب هاموند باختصار شديد ولكن بحزم وحدة متناهيتين: "لطالما أوضحنا أن هذا الاتفاق يخص الملف النووي." وترك نتنياهوَ الارعنَ والذي كان قد خرج عن طوره جراء الاتفاق, تركه في حيص بيص. اذا كانت العلاقة المميزة والمتينة بين كل الغرب وتلك الدولة المدللة (اسرائيل) لم تمنع وزير خارجية ابريطانيا من ذلك الرد الحازم على نتنياهو لاجِمًا إياه, حيث لم يراع الظرف العصيب الذي يمر به نتانياهو واسرائيل في اعقاب هذا الاتفاق, فكيف بي بالغرب وامريكا ستفعل بكم ايها الأعراب من دول الشرق الوسط وفي مقدمتها دول الخليج وفي مقدمة مقدمتها العربية السعودية!! والله لأشفق عليك يا استاذ وعلى السعودية. وازيد اشفق عليك حين تقول " لذلك أؤيد وبقوة سياسة بلدي المملكة العربية السعودية، وأراها المشروع الوحيد الذي يمكن أن يحميني، بل ينقذ السوري واليمني والعراقي من التغول الإيراني". اذا اخدنا العراق فقط في قولك: مَن تآمر على عراق صدام حسين حتى اهداه في الاخير على طبق من فضة لايران!, الم تكن الا السعودية! ثم لما عاثت مليشيات المالكي فسادا في سنة العراق في عراق ما بعد الاحتلال الامريكي حتى طفح الكيل بسنة العراق فانبرى لمليشيات المالكي رجالٌ اشداء من تنظيم الدولة الاسلامية قادرون ليس على هزيمة اذرع ايران ومليشيالتها في العراق وسوريا فحسب بل قادرون على ان يجعلوا عالي ايران سافلها ويقضوا على كل ازلام ايران في المنطقة. اقول لما لاحت بوادر ان يُهزم جمع ايران الصفوية ويولوا الذبر على يد تنظيم الدولة الاسلامية, مَن سارع بعد ذلك ليرمي لايران طوق النجاة فدخل على الخط فيما يسمى التحالف لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية !! حتى لتَجدَ ايرانُ نفسَها في الاخير وقد جلست القرفصاء الى مائدة وقد وُضع العراق فيها على طبق من ذهب بعدما كان على فضة! بل ولربما تفتحت شهيتها (وهي بالفعل كذلك) لتلتهم دولا اخرى غير العراق! الم تكن الا السعودية هي التي تساعد ايران بسياستها الخرقاء في المنطقة! والله هزلت !