مقالات مختارة

حجر الطاحونة في الشرق الأوسط

كمال أوزتورك
1300x600
1300x600
كتب كمال أوزتورك: في اليوم نفسه الذي أعلن فيه عن الحكومة الجديدة، قمنا بإسقاط الطائرة الروسية. من المفترض أن أكتب هنا عن الفنون أو الثقافة أو حتى عن المزاح. ما أشد بهجة الدولة التركية اليوم. بينما أيامنا مملة وروتينية. لا يمكن لنا أن نعيش بهدوء مثل كاتب نرويجي في إحدى الزوايا. لننتقل إلى آخر التطورات.

عندما تحتك أحجار الطاحونة ببعضها

عندما كنت طفلا، ذهبت الى طاحونة ماء. وكان أبي يضع القمح ليصبح طحينا. كانت المرة الأولى التي أرى فيها طاحونة ماء. هي حجران دائران ضخمان يتحركان بقوة الماء. الصوت الذي كان يخرجه حجر الطاحونة عندما يسحق القمح كان يسبب لي الذعر. لكن تحول القمح إلى طحين وأخذنا الطحين للأكل. كان أمرا مثيرا. ابن عمي كان يقول: "هذا الجمال ليس له طعم". ضحكنا لأيام على ذلك الطفل ابن المدينة الذي لم ير في حياته القمح وهو يتحول إلى طحين.

فكرت كثيرا في ما يمكن أن يحدث لو لم يكن هناك قمح بين حجري الطاحونة. قال لي أحد العارفين بالأمر إن الأحجار سوف تحتك ببعضها البعض وتتشقق، ما يؤدي إلى إفسادها. أصحاب الطاحونة ينتبهون لذلك جيدا.

اليوم في الشرق الأوسط، يمكن تشبيه حال دول العالم الإسلامي بأحجار الطاحونة والقمح الذي يتم طحنه لإنتاج الطحين. الدول تحارب بعضها بعضا وتدمر بعضها بعضا، تقريبا يطحن بعضها بعضا. ودول الشرق والغرب تراقب هذه الدول -وهي تطحن بعضها طحنا- وهي تفرك أيديها ببعضها. وفي النتيجة هم ينتصرون وطاحونتهم هي التي تبقى مستمرة في العمل لتنتج القمح.

إذا كنا نحن من أسقط الطائرة الروسية فلنستعد للهزة.

منذ إسقاط الطائرة الروسية ازدادت عناصر الخطر بالنسبة لنا. تصريحات بوتين المسمومة، وإلغاء لافروف لزيارته كلها إشارات إلى ذلك. أمريكا أصلا تريد أن تدخل روسيا في مستنقع الشرق الأوسط وأن تضعف تماما مثل أحجار الطاحونة. هذا ما يحدث، الآن روسيا يزداد عمق انخراطها في المنطقة بشكل لا رجعة فيه.

الغرب الآن يشاهد روسيا وتركيا وهما يطحنان بعضهما البعض. نعم نحن عضو في حزب الناتو، لكن ما لم تحدث مواجهات ساخنة فإننا لا ننتظر من الناتو أن يحرك ساكنا. لو تمعنا في الأمر فإن صواريخ الباتريوت حتى لن تجدي نفعا في هذا الأمر. وسوف يفسد التوازن الاقتصادي. ولن ننتظر من أمريكا أو أوروبا أن تمد يدها لنا. سوف نحترق بنارنا، هذا هو الواضح.

القوات التركية المسلحة حتى تقوم بإسقاط طائرة تابعة لدولة مثل روسيا، فإنه من المؤكد أنها قامت بالأمر بناء على أسس سليمة. يعني أنها لو لم تدخل الطائرة الحدود التركية فإنها لم تكن لتسقطها. إذا قامت دولة باختراق مجالك الجوي ولم تعط الأمر بضربها فإنك تفقد الحق في أن تدعو نفسك دولة. لا ننسى أن هذه المنطقة أكثر منطقة فيها خوف وجبن، ما يجعلها المنطقة المفضلة للدببة والضباع وابن آوى.

روسيا، بعدما انكسر غرورها في أوكرانيا وانكسارها الاقتصادي بعد انخفاض أسعار البترول الروسي تريد الانتقام من العقوبات وااإنتصار لحب الأنا الموجود لدى بوتين. ومن أجل ذلك جاءت إلى سوريا. الآن إسقاط الطائرة، ومقتل الطيارين، كلها أمور تضع كاريزما بوتين في موقف محرج للغاية. فمن أجل التخلص من كافة هذه الأمور والنجاة من الهزة التي من الممكن حدوثها، لنقف وقفة صحيحة في علاقاتنا مع روسيا.

مجلس وزاري جديد.. نظرة جديدة: تركيا قوية

أمس، وفي نهاية الخطاب تحدثت عن بداية عهد تركيا قوية في هذه الفترة الزمنية. اقتصادنا إذا كان قويا، جيشنا إذا كان قويا بالشكل الذي يشعر الآخرين بالخوف، استخباراتنا إذا كانت ترى كل شيء، وقدراتنا التواصلية إذا كنا نستطيع الشرح بشكل صحيح فإنه لن يستطيع أحد أن ينتصر عليك أو أن يخترق مجالك الجوي بدون أي سابق إنذار.

السيد الرئيس أردوغان وقع على تنصيب الحكومة الجديدة في نفس اليوم الذي أسقطت فيه الطائرة الروسية، أمر محير جدا حقيقة. الحكومة الجديدة حكومة متمكنة قليلة المفاجآت حكومة تحكي العادات والتقاليد. المجلس الوزاري الجديد يعي أنه إنتهى عصر الكلمات وأننا نعيش في مكان يعيش أحداثا وتطورات ساخنة، يعلم أنه يجب أن تكون تركيا قوية. في حين أن رئيس الوزراء داود أوغلو قبل الإعلان عن المجلس الوزاري، تحدث عن أفق بعيد المدى ورؤية من أجل أن تكون تركيا قوية.

هذه الجغرافيا لا تتحمل الخطأ والمزاح

هذه الأرض، يعيش فيها النار والبارود جنبا إلى جنب، في أي لحظة يمكن أن تنفجر. الخطأ والمزاح ليس لهما مكان. يجب أن نكون واعين جدا. يجب أن نتصرف مثل رجال الإطفاء الذين ينقذون أهل البيت الذي يتعرض للإحتراق، سوف يخرج أهل البيت من بيتهم سالمين غانمين.

تركيا لم تصل بعد إلى القوة التي تريدها اقتصاديا وتكنولوجيا واستخباراتيا وتواصليا. في التاريخ دائما ما تستفيد أوروبا من تصادم تركيا مع روسيا. دائما ما كانت تحرك أحجار الطاحونة حتى يطحن بعضها بعضا. الآن يجب على أمريكا وأوروبا أن تشاهد بصمت وبدقة أزمة الطائرة.

الحماس والبهجة في مثل هذه الأوقات تغزو الأوردة والشرايين. في أذهاننا نريد تركيا قوية لكن أجسادنا ليست جاهزة بعد لمثل هذا الأمر. حتى يصل الذهن والبدن إلى الجاهزية التامة هناك الكثير من العمل على الصعيد السياسي والدبلوماسي. لنرفض أن نكون أحد أحجار الطاحونة التي يمزق بعضها الآخر. يكفينا ما فينا من تمزق.

(عن صحيفة "يني شفق" التركية- ترجمة خاصة لـ"عربي21")
التعليقات (0)