قضايا وآراء

كيف سَيتطوّر المشهدُ السياسيُ المغربي في أفقِ انتخابات 2016؟

محمد مالكي
1300x600
1300x600
لم تعُد تفصل المغرب عن الانتخابات التشريعية المقبلة سوى أقل من ثمانية شهور، حيث سيُنظم في 07 أكتوبر/ تشرين الأول 2016 اقتراع اختيار أعضاء مجلس النواب، لتنطلق التجربة البرلمانية المغربية العاشرة منذ الاستقلال. ولأن مُدة الولاية التشريعية حَصرها الفصلُ الثاني والستون من دستور 2011 في خمسِ سنوات، ولكون افتتاح البرلمان يَتمُّ وفقا للفصل الخامس والستين من الدستور في الجمعة الثانية من شهر أكتوبر، فسَيكون إلزاميا احترام الشرعية الدستورية، والتقيد بالدورية التي أُعلِن عنها مؤخرا بخصوص تاريخ إجراء الاقتراع. لذلك، لا يجد متابِعُ الشأن العام المغربي أدنى عناء في ملاحظة الاهتمام المتزايد للنخب السياسية، والحزبية تحديدا، بهذا الاستحقاق، والسعي إلى الاستعداد له، والرهان على الاستفادة القُصوى من نتائجه. بيد أن المشهد السياسي المغربي موسومٌ بالكثير من المتغيرات، التي ستتحكم دون شك في أفق انتخابات 2016 ورهاناتها.

 يَتصدَّر هذه المتغيرات، في تقديرنا، ويعلوها أهمية متغيرُ قيادة "الإسلاميين"، أي "حزب العدالة والتنمية"، للعمل الحكومي ما بين 2011 و2016. فالواضح أن الحصيلة العامة وإن لم تكن سيئة، فإنها لا تحظى بالقبول والارتياح الكاملين من قبل شرائح واسعة من المواطنين، بل يمكن الجزم بأن العديد من الإجراءات ذات الانعكاسات على مَعيش الناس وحياتهم، التي أحجمت الحكومات السابقة عن الإقدام عليها، تجرأت الحكومة الحالية على إدخالها إلى حيّز التنفيذ باسم الكثير من المبررات، المُقنعة وغير المقنعة. لذلك، يشهد المغرب خلال هذه السنة الأخيرة من حياة الحكومة احتجاجات واسعة، يُتوقع أن يتزايد إيقاعُها في قادم الأيام، وهو ما يعني في لغة الانتخابات إمكانية تأثيرها سلبا على الحزب القائد للائتلاف الحكومي، أي العدالة والتنمية، وإن كان هذا الأخير مطمئنا على المحافظة على قاعدته الاجتماعية، استنادا إلى موقعه المتميز في اقتراع 04 سبتمبر/ أيلول 2015 الخاص بالانتخابات الجماعية والجهوية.

 يتعلق المُتغير الثاني بالبديل أو البدائل الممكنة في حالة تراجع مكانة "الإسلاميين"، أي حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2016، والمعني هنا "حزب الأصالة والمعاصرة" المُتصدر للانتخابات الجماعية والجهوية للرابع من سبتمبر/ أيلول 2015. فهل في مُكنه الحلول محلّ "الإسلاميين"، لاسيما وأنه يعتبر نفسه خصما لدودا لهؤلاء، وبديلا سياسيا عنهم، ورافعا قيم "العقلانية والحداثة"؟ لا تُسعفنا معطيات الواقع عن ترجيح هذه الفرضية، لأسباب موضوعية عديدة، أهمها أنه حزب هجين Hybride من حيث هُويتُه، أي تركيبة أعضائه ومناصريه، فولادته حديثة جدا (2009)، وقاعدته الاجتماعية غير مُنسجمة، وروافده الفكرية والإيديولوجية متنازعة الخلفيات. لذلك، نُقدر أن يكون لهذا الطابع المُميِّز لهذا الحزب الأثرُ العميق في الحيلولة بينه وبين أن يكون بديلا حقيقيا، حتى وإن حظي بنتائج متقدمة ووازنة.. إن المشهد السياسي والحزبي المغربي في حاجة ماسة إلى بديل حقيقي، يُناظر "الإسلاميين"، ويفوقهم من حيث قوةُ إقناع الجسم الانتخابي والسلوك التصويتي في الاقتراع المقبل(2016). 

 أما المُتغير الثالث، فيرتبط بالمعارضة السياسية، وتحديدا المعارضة النابعة من حاضِنة الأحزاب الوطنية قديمها وحديثها، التي ظلت لعقود رافعة مشروعَ إعادةِ بناء الدولة الوطنية الحديثة، وهي تتوزع عموما بين "حزب الاستقلال"، وأحزاب "العائلة الاشتراكية" بكل ألوانها. ما هو لافِت في هذا المقام، أن المعارضة فقدت الكثير من ثقلها السياسي وتآكلت، وإن بدرجات متفاوتة، القاعدة الشعبية لمكوناتها الحزبية، لأسباب كثيرة، أهمها عجزها عن تجديد خطاباتها، وتقوية ديمقراطيتها الداخلية، وتعزيز علاقاتها البينية على أساس رؤية سياسية واضحة، واستراتيجية عمل متماسكة وقابلة للتنفيذ. ومن اللافِت أيضا تفاقم صراعاتها الداخلية، وتمزق الأواصر التي تشدها بمناضليها، وضعف ولاء هؤلاء وتبرُّم العديد منهم من الفكرة الحزبية عموما. لذلك، يبدو واضحا أن تكون لهذه النقائص مجتمعة تأثيرات سلبية على أداء المعارضة، وقدرتها على اجتياز استحقاق 2016 باقتدار، كما باتَ مطلوبا من أحزاب المعارضة الإقدام على خطوات شجاعة ـ إن سمح لها الوقت الذي يفصلها عن الاقتراع المقبل بذلك ـ في اتجاه تجاوز تشتتها وبناء كتلة سياسية حقيقية، واجتراح استراتيجية انتخابية تمكنها من تصدّر نتائج الاقتراع القادم.. إنه رهان ليس صعب المنال، لكن يبدو أن الشروط الموضوعية والذاتية لإدراكه مركبة وليست سهلة التيسير.

تُقنعنا المتغيرات الثلاثة أعلاه بأن التوقعات الأقرب إلى التحقق في أفق انتخابات 2016، هي استمرار التنافس بين " الإسلاميين" و" الحداثيين"، أي حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، وإلى جانبهما تنظيمات وأحزاب سياسية وسيطة، أي لا ترقى إلى قوتهما، لكن تستمر الحاجة إليها من أجل تكوين الائتلاف الحكومي، وهي أحزاب مخضرمة تنتسب إلى اليمين واليسار معا. أما وضع المعارضة الوطنية، فقد تطالها هبّة تنظيمية وسياسية، تمكنها من لمّ شملها، والانخراط في جبهة واسعة تشمل كل مكوناتها، أو قد تعجز، بالمقابل، عن إنجاز مثل هذه الهبّة، فستستمر رقما عاديا في المشهد السياسي الذي ستُفرزه انتخابات 2016. 
التعليقات (0)