كتاب عربي 21

الإسلام السياسي خلال قرن من الآن

شهيد بولسين
1300x600
1300x600
كيف ستبدو الإسلاموية بعد 100 عام من اليوم؟ ما هو المتوقع أن تحققه فكرة الإسلام السياسي خلال القرن القادم؟ فنحن عندما نجد أنفسنا في حالة من الأزمات المستمرة، لا نميل إلى النظر أمامنا بهذا القدر من البُعد، وقد لا نميل للنظر أمامنا على الإطلاق. وفي المقابل، نجد أنفسنا منهكين بالقلق تجاه الحاجة الملحة للنزاعات والصراعات التي نواجهها اليوم، مفترضين على ما يبدو؛ أن مسؤولية التعامل مع أية أزمات أو صراعات جديدة ستنشأ بعد ذهابنا ستكون مهمة الأجيال القادمة. ولكننا ننسى أننا، نحن الآباء والأمهات والأجداد وأجداد الأجداد، لدينا مسؤولية تجاه من لم يولدوا بعد وسيخلفوننا على هذه الأرض. بالتالي، فعلينا أن نراعي مستقبلهم حتى في الوقت الذي نتصارع فيه مع حاضرنا.

يبدو لي أن أية محاولة لاستباق ما قد يحدث على مدى السنوات المئة المقبلة ستكون محفوفة بالغموض بشكل لا يبعث على الأمل، فنحن في النهاية نتعامل مع "الغيب". فالأيام حبلى بالأحداث التي لا يمكننا أن نعرفها، أو نتنبأ بها، بل سيكون من الحماقة أن ندعي خلاف ذلك. ومع ذلك، ما يمكننا القيام به هو أن ننظر في اتجاهات ومنعطفات التاريخ، ثم نقوم بتحليل الاحتمالات، ونستقرئ مما نعرفه لكي نركز توقعاتنا على الممكن والمعقول.

وأي توقع لمستقبل الحركة الإسلامية سيكون عليه بالضرورة أن يشمل توقعات لمستقبل القوة الغربية، وسياسات الحكومات الغربية تجاه العالم الإسلامي. سيكون علينا أيضا أن نحسب مسار النظام الاقتصادي العالمي، وكيف أنه من المرجح أن يؤثر على الأمة، في منطقة تلو الأخرى. وسيساعدنا في هذا المسعى حقيقة أن الغرب (بما أنه في موقف متميز من الأمن والهيمنة) غير مستنفذ في إدارة أية أزمات مستمرة وغير منشغل بالبقاء على قيد الحياة، ولهذا فهو يقوم بانتظام برسم توقعاته الخاصة حول المستقبل؛ ويضع خططه وجداول أعماله على المدى الطويل.

طبيعي أن 100 عام تعتبر فترة طويلة بشكل يصعب الإلمام به. فإذا استعرضنا التحولات الجذرية في العالم منذ عام 1916 حتى اليوم، ستتشكل لدينا فكرة عن مدى مقدار الأمور التي من الممكن أن تتغير خلال قرن من الزمان. ولكن من المفيد أن ننظر في الماضي؛ لأنه قد يزودنا ببعض وجهات النظر حول أوضاعنا الحالية من النظرة الواسعة للتاريخ. أغلب ما نعاني منه اليوم حدث في المئة عام الماضية فقط: سقوط الدولة العثمانية، وقيام دولة إسرائيل، واتفاقية سايكس بيكو، وتحول بقاع المسلمين إلى دول قومية، واكتشاف النفط، وصعود الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية، وصعود ثم سقوط الاتحاد السوفييتي، وصعود ثم سقوط القومية العربية، والعولمة الاقتصادية العلمانية... الخ. ولكن يبدو لنا من قصر نظرنا، أننا كنا نعاني من هذه الصعوبات منذ قديم الأزل... ولكن الحقيقة هي أننا لم نبدأ في هذه المعاناة منذ زمن بعيد.

وفي تاريخ هذه الأمة، يبدو القرن وكأنه دقيقة واحدة أو جولة واحدة من مباراة في الملاكمة. لقد نزلت على رؤوسنا سلسلة من الضربات المتتالية في هذه الدقيقة (التي تماثل 100 عام)، ولكننا ضربنا على رؤوسنا من قبل بالطريقة ذاتها في دقيقة الحروب الصليبية المسيحية (التي تماثل 100 عام أيضا)، إلا أننا قمنا من كبوتنا بشكل بطولي.

القليل جدا مما حدث على مدى القرن الماضي كان من الممكن التنبؤ به في صيف عام 1916، بالتالي فبطبيعة الحال، القليل جدا مما سيحدث خلال القرن القادم يمكن توقعه، أو على الأقل ليس بالكثير من التفصيل. ومع ذلك، فهذا لا يعني أن محاولة التنبؤ تعتبر تمرينا غير ذي جدوى. ففي إمكاننا أن نتخيل إحساسنا بالمستقبل أثناء القيام بهذه العملية، كما أنه في إمكاننا أن نحسن بشكل كبير من فهمنا للحاضر. وفي نهاية المطاف، لا ننسى أن دقة توقعاتنا للمستقبل تعتبر أقل أهمية من صقل فهمنا العميق لعالمنا اليوم. وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة لنا من أجل رسم استراتيجيتنا طويلة الأجل للحركة الإسلامية.

كفاحنا على مدى السنوات المئة المقبلة سيكون من أجل إحياءالتطبيق الحكومي للشريعة الإسلامية، وجيلنا مسؤول عن الإبحار عبر أهوال هذه الأزمة، ليجتاز لحظة التحدي هذه بنجاح من خلال الحفاظ على ديمومة إيماننا بسيادة حكم الله، حتى نشهد استعادته على مستوى الدولة بأكبر قدر من الإحسان، وبشكل مثالي في دولة تتمتع بسلطة سيادية على الأمة بأكملها.

مرة أخرى، وبالنظر للتغيرات الهائلة، التي هي كارثية بالنسبة لنا على مدى القرن الماضي، ليس هناك سبب يدعونا للاعتقاد بأن مثل هذه الدولة الإسلامية العالمية لا يمكن أن تنشأ بحلول 2116 أو قبلها.

لقد حان الوقت لكي نبدأ أخيرا واجبنا الفكري الخطير في تحليل الحاضر والتنبؤ بالمستقبل المحتمل؛ الذي سنرسل إليه أجيالنا التي لم تولد بعد.
التعليقات (0)