حقوق وحريات

تقرير رسمي مغربي يقر بتعذيب معتقلي الحراك والدولة توضح

الدلائل بخصوص مزاعم التعرض لسوء المعاملة كانت ظاهرة على الزفزافي بشكل أكبر ـ أ ف ب
أقرت خبرة طبية أعدها المجلس الوطني لحقوق الإنسان (رسمية)، بأن "مزاعم تعرض معتقلي الحسيمة وحراك الريف للتعذيب (ذات مصداقية)"، داعيا السلطات الوصية إلى إجراء التحقيق مع المتهمين بالتعذيب من طرف المعتقلين. 

تقرير الطبيب الشرعي -الوثيقة التي تتوفر "عربي21" على نسخة منها في 35 صفحة- جرى تحت إشراف وبناء على طلب المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي اعتمده في تقرير شامل وأحاله بدوره على وزارة العدل.

ودفعت هذه الخبرة الطبية، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والإدارة العامة للأمن الوطني، إلى التقليل من أهميته، وإسقاط صفة "التقرير" النهائي عنه، مع الإقرار بأنه جزء من التقرير الرسمي في بلاغين منفصلين، فيما قررت وزارة العدل إحالته على النيابة العامة.

التقرير والخبرة الطبية

قالت الوثيقة إن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في إطار الاختصاصات المخولة له قانونا، قام بتكليف فريقي عمل للتحري في هذه المزاعم تعرض عبر القيام بإجراء فحوصات ومقابلات مع 19 معتقلا بسجن عكاشة بالدار البيضاء، و16 معتقلا بسجن الحسيمة، بالإضافة إلى متابع واحد في حالة سراح؛ وذلك يومي السبت والأحد 17 و18 حزيران/ يونيو المنصرم.

وأشرف على هذه الخبرة كل من البروفيسور هشام بنيعيش، وهو طبيب شرعي ورئيس معهد الطب الشرعي بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء؛ والدكتور عبد الله الدامي، وهو طبيب شرعي بمعهد الطب الشرعي بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء.

التعذيب

حفل تقرير الطبيب الشرعي بالعديد من الدلائل المادية والنفسية، التي تقول بتعرض معتقلي حراك الريف للتعذيب، تتفاوت بين الاعتداء المادي والاعتداءات المعنوية من سب واتهام بالانفصال.

وحفل التقرير بأنواع الممارسات التي وصفها بـ"التعذيب"، من قبيل الكسور، كما في حالة "وظيف الكاموني" الذي كسرت يده اليسرى، وإسقاط السن على مستوى الفك الأسفل، إلى نتف اللحية كما في حالة "الحسين الإدريسي".

وأشار التقرير إلى وجود آثار تعذيب، بناء على شهادات المعنيين بالأمر والمعاينة الجسدية؛ وهي "أفعال تتعارض مع الضمانات الدستورية الممنوحة لكل شخص موقوف أو معتقل".

ودعا التقرير إلى فتح تحقيق دقيق من لدن السلطة القضائية يشرف عليه أشخاص غير أولئك المرتبطين بهذا الملف، من أجل التحقق من أعمال التعذيب وضمان معاقبة المسؤولين على ذلك.

وشدد التقرير على ضرورة إجراء خبرة طبية ونفسية تعهد لخبراء متخصصين في توثيق الدلائل المادية والنفسية للتعذيب طبقا للمعايير الدولية، خصوصا بروتوكول اسطنبول؛ وهو عبارة عن دليل للتقصي وتوثيق التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية.

سجن الحسيمة

وقال الطبيب عبد الله دامي، في التقرير (الوثيقة) إنه التقى بالمعتقلين بالسجن المحلي بالحسيمة، وخلص إلى أن مزاعم تعرضهم للتعذيب والعنف خلال مرحلة اعتقالهم "ذات مصداقية".

وتابع بأن نزلاء سجن الحسيمة، لم يخبروا بحقهم في التزام الصمت خلال وضعهم رهن الحراسة النظرية، أو الاتصال بأقربائهم، أو تعيين محام، أو الحصول على المساعدة القضائية، إضافة إلى توقيعهم على محاضر الضابطة القضائية دون الاطلاع عليها.

نزلاء عكاشة

وأكد التقرير مزاعم التعرض للتعذيب والعنف ضد معتقلي الحسيمة الموجودين في سجن عكاشة، مقرا بأنها "ذات مصداقية" وتختلف درجتها من معتقل إلى آخر، وتتنوع بين التعرض للعنف والسب والقذف والنعوت العنصرية والمعاينة الجسدية.

معتقلون بالسجن المحلي في عين السبع بالدار البيضاء (عكاشة)، البالغ عددهم 16 وزارتهم اللجنة، صرحوا، خلال لقاءاتهم مع الطبيب هشام بنيعيش، بأنهم كانوا ضحية سب وإهانة أثناء الاعتقال ونقلهم إلى مفوضية الشرطة بالحسيمة.

وسجلوا أنهم كانو ضحابا عنف معنوي بعبارات عنصرية من قبيل "أولاد الصبليون" (أبناء الإسبان)، و"بغيتو ديرو دولة ديالكم" (تريدون دولتكم وحدكم)، بجانب التهديد بالاعتداء الجنسي عليهم بإدخال زجاجات في مؤخراتهم.

وخلص الفحص البدني والحالة النفسية لمعتقلي الحسيمة في سجن عكاشة إلى تسجيل تماثل لبعض الجروح بعدما تلقوا العلاجات في الدار البيضاء.

التقرير أوصى بإجراء تقييم طبي عقلي بشكل عاجل وتوفير متابعة نفسية للمعتقلين المعنيين بالأمر، ودعا إلى التحقيق بشكل معمق بخصوص أفعال منسوبة لضابط شرطة يدعى عصام، والذي جاء في شهادات أغلب المعتقلين.

ناصر.. تعذيب أكبر

أما بخصوص قائد حراك الريف ناصر الزفزافي؛ فكان له نصيب محترم من التعذيب كما تقول الوثيقة، وقد أبلغ الطبيب الشرعي أنه تلقى ضربة بواسطة عصا على رأسه، بالرغم من أنه يظهر مقاومة خلال التدخل لاعتقاله في منزل أحد أصدقائه، وتلقى ضربة في العين اليسرى وأخرى على مستوى المعدة، كما أنهم وضعوا عصا بين رجليه، وهددوه بالاعتداء الجنسي، وهو ما اعتبره اعتداء جنسيا عليه.

وتم تسجيل جرح في فروة رأس ناصر الزفزافي بقطر سنتمترين إضافة إلى آثار الكدمات على وجهه.
وأوضح التقرير أن الدلائل بخصوص مزاعم التعرض لسوء المعاملة كانت ظاهرة على الزفزافي بشكل أكبر.

وزارة العدل تحيل التقرير

وقالت وزارة العدل، إنها أحالت تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن الخبرات الطبية المنجزة حول بعض المعتقلين على خلفية أحداث الحسيمة، فور توصلها به على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالحسيمة.

وأوضحت الوزارة في بلاغ نشرته الثلاثاء، أنه "في إطار سياستها التواصلية مع الرأي العام بخصوص أحداث الحسيمة، وعلاقة بما تم تداوله من قبل وسائل الاعلام بخصوص تقرير المجلس الوطني لحقوق الانسان بشأن الخبرات الطبية المنجزة حول بعض المعتقلين على ذمة القضية، المحال على الوزارة، فإن وزير العدل وفور توصله بهذا التقرير أحاله على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالحسيمة، لضم هذه الخبرات لملفات القضايا المعروضة بعضها على قاضي التحقيق والبعض الأخر على المحكمة لاتخاذ المتعين قانونا".

وذكرت بأنه "تنفيذا للسياسة الجنائية المتبعة في كل حالات الادعاء بالتعذيب، فقد سبق للنيابة العامة أن التمست من قاضيي التحقيق إجراء خبرة على كل من ادعى التعذيب، حيث تم إجراء الخبرات الطبية القضائية المنصوص عليها قانونا".

تسريب المجلس الوطني

واستغرب "المجلس عملية التسريب الجزئي التي تمت لوثيقة حرص المجلس أن توجه حصريا إلى الجهة المعنية".

وسجل في بلاغ حصل "عربي21" على نسخة منه، "أن الاستغلال الأحادي لبعض الشذرات من وثيقة داخلية قد أدى إلى استنتاجات لم يخلص إليها العمل المنجز من قبل الخبيرين المكلفين من قبل المجلس بشأن الثبوت القطعي لتعرض كل المعتقلين الذين تم فضحهم والاستماع إليهم للتعذيب".

وتابع بأن "العمل الذي أنجز من قبل الطبيبين الخبيرين يندرج ضمن وسائل العمل التي يتبعها المجلس ضمن وسائل أخرى لإنجاز تقاريره حول مثل هذه الأحداث. ولذلك فإنها ليست تقارير نهائية تمثل موقف المجلس وما تحصل لديه من قناعات بناء على التحريات والأبحاث والمقابلات والمعاينات التي تنجزها فرق عمليه ميدانيا".

وأكد المجلس أن "ما أنجز من عمل من قبل الخبيرين قد تم وضعه رهن إشارة الجهة المختصة لتتخذ بشأنه ما تراه ملائما من تدابير قانونية على اعتبار أن المجلس لا يمكن له، أخلاقيا وقانونيا، التطاول على اختصاص السلطة القضائية وهذا ما أوصى به الخبيران".

واعتبر المجلس أن "الخلاصات والتوصيات التي سينتهي إليها تقريره الشامل والنهائي حول أحداث الحسيمة وتداعياتها هو المرجع الوحيد للوقوف على تقييمه لمختلف المجريات لكل الأحداث في أبعادها ومراحلها بكل حياد وموضوعية ومسؤولية كما دأب المجلس على ذلك في كل تقاريره".

الأمن الوطني.. وثيقة جزئية

رفضت المديرية العامة للأمن الوطني "بشكل قاطع المزاعم الموجهة لمصالحها وموظفيها استنادا إلى وثيقة جزئية منسوبة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان".
 
وأعلنت المديرية العامة للأمن الوطني، الثلاثاء في بلاغ عممته على الصحافة، "رفضها القاطع للاتهامات والمزاعم الخطيرة الموجهة لمصالحها وموظفيها، والتي أوردها البعض بصيغة الجزم والتأكيد، استنادا إلى وثيقة جزئية منسوبة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، تم تسريبها خارج الإطار الرسمي بكيفية مشوبة بالتجاوز".

وأضافت مديرية العامة للأمن الوطني، أنها "حريصة على صون حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها وطنيا ودوليا، واحترام ضمانات الحرية الفردية والجماعية خلال ممارسة الوظيفة الشرطية، وكذا ترتيب المسؤوليات القانونية على ضوء الإجراءات والمساطر القضائية، معربة عن رفضها، في المقابل، توجيه التهم ونشر الادعاءات على ضوء وثيقة جزئية وغير رسمية، لم تعرض على مصالح الأمن الوطني، بالقنوات الرسمية، ليتسنى الرد على ما جاء فيها".

وأكد البلاغ "أنه سيجيب على جميع الادعاءات التي وردت في تلك الوثيقة، حال توصله بها رسميا من الجهة التي أعدتها أو صدرت عنها، من منطلق احترامه التام للقانون، وتفاعله الإيجابي مع خلاصات وتوصيات المؤسسات الدستورية المعنية، وأيضا من منظور أن تلك الادعاءات غير الرسمية أسست استنتاجاتها (الطبية وغير الطبية) على إفادات وشهادات لأطراف محددة دون استقراء وجهة النظر باقي المتدخلين المؤسساتيين والرسميين".

وعبرت المديرية "عن أسفها البالغ للتوظيف المتسرع والاستغلال غير القانوني لهذه الوثيقة المسربة، والذي تطبع في كثير من الحالات بالطابع السياسي خصوصا من بعض الجهات الأجنبية، وذلك بشكل يسيء إلى جهود المملكة المغربية ومكتسباتها في مجال تدعيم منظومة حقوق الإنسان.

وشددت "على التزامها وتقيدها الصريح بالنتائج والخلاصات الرسمية، وحدها دون غيرها من التسريبات، التي تقتضي ممن يفترض فيه إعدادها إجراء بحث دقيق لتحديد ظروف وملابسات نشرها دون استيفاءها للمساطر والشكليات المقررة قانونا".

وقالت الحكومة الخميس الماضي، إن حصيلة الاعتقالات والمتابعات إثر الاحتجاجات، التي تعرفها الحسيمة منذ ثمانية أشهر، بلغت 97 يوجدون أمام قاضي التحقيق؛ منهم 48 شخصا بالدار البيضاء، و21 بمحكمة الاستئناف بالحسيمة، و28 بابتدائية الحسيمة.

ويوجد 45 شخصا في مرحلة الحراسة النظرية بالحسيمة، واثنان آخران في الدار البيضاء. وصدرت، إلى حد الساعة، أحكام ابتدائية في حق 40 شخصا، فيما يتابع 18 شخصا في حالة سراح، وجرى حفظ القضية في حق 16 شخصا.