قضايا وآراء

الأفلام الوثائقية في سبيل القضية

1300x600

أتى على العالم العربي زمان لم يكن فيه من وسائل الإعلام شيئا مذكورا. وفي غضون آخر قرنين من الزمان، هبطت على المجتمعات العربية المطبعة والصحف والراديو والسينما والتلفزيون. القاسم المشترك بين كل وسائل الإعلام هذه أنها جاءت إما محمولة على أسنة رماح المحتل، مثل المطبعة مع الحملة الفرنسية، أو وصلت عن طريق أنظمة غير ديمقراطية، وكان الاستغلال الأول لها هو الترويج للحاكم وسياساته، ولهذا ترتبط وسائل الإعلام في الخيال الشعبي العربي بالمحتل والديكتاتور. وهي طريقة تختلف عن وصول الوسائل ذاتها للمجتمعات الغربية، إذ أنها تعتبر منتجا شعبيا ارتبط بمطالب الناس هناك وقد وقفت في وجه الحاكم مرات عديدة.

موقف المجتمعات العربية من المنتجات الثقافية التي تقدمها هذا الوسائل الإعلامية من أفلام وبرامج؛ لا ينفصل كثيرا عن موقفه من الوسائل نفسها. فالمجتمعات كثيرة الشك في ما يُقدم لها من أخبار وبرامج، بحكم أنها وسيلة السلطة الجبرية في التعبير، أو "كلام جرايد" بالتعبير الشعبي. لكن حدثت عدة ثغرات في هذا الجدار المصمت، حين أطلت الأفلام الوثائقية على العرب، وخاصة عبر قناة استثنائية هي قناة الجزيرة، قبل نحو عشرين سنة.

تتميز موجة الأفلام الوثائقية التي قدمتها، ولا تزال تقدمها الجزيرة، أنها قالب تلفزيوني لم تستخدمه السلطة العربية سابقا لتحقيق مآربها على نطاق واسع، مثلما حدث مع أفلام السينما والأغاني والمسرح وبرامج الأخبار. فتقبل الناس أفلام الجزيرة بقبول حسن، وهضموا الفن الوثائقي في قالبه التلفزيوني والمتعلق بالأحداث الجارية. كما نشأ جيل جديد من المخرجين والمنتجين الشباب المستقلين الذين وفّرت لهم الجزيرة فرصة التمويل والعرض، فانطلقوا يبدعون وينمون مهاراتهم، مما انعكس على مستوى الإخراج والإنتاج.

 

الفيلم الوثائقي هو في النهاية فيلم يحمل رؤية مخرجه ويعتمد على نظرة المخرج الذاتية للقصص والبشر والتاريخ، وهو غير ملزم بإعطاء كل رأي ونقيضه في ما يقدمه من أعمال

النقطة السلبية الوحيدة في ظاهرة أفلام الجزيرة الوثائقية عند المشاهد العربي أنها جمدته عند نمط محدد من هذه الأفلام ذات الطابع الإخباري والمرتبط بالأحداث السياسية الجارية، وخاصة الحروب. وهذه الأفلام تتقاطع كثيرا مع نمط التقرير الإخباري والبرنامج التلفزيوني الذي يلتزم بمعايير صحفية عالمية، مثل إفساح المجال للرأي والرأي الآخر، وإعطاء الفرقاء السياسيين المساحة ذاتها من التعبير. غير أن قماشة الفيلم الوثائقي أوسع من هذا بكثير وأكبر منه، وله معايير تحريرية وفنية مختلفة قد تتقطاع أحيانا مع المعايير الصحفية. وذلك لأن الفيلم الوثائقي هو في النهاية فيلم يحمل رؤية مخرجه ويعتمد على نظرة المخرج الذاتية للقصص والبشر والتاريخ، وهو غير ملزم بإعطاء كل رأي ونقيضه في ما يقدمه من أعمال.

إن مشاركة الأفلام الوثائقية الخاصة بالقنوات الإخبارية في أهم المهرجانات الدولية المخصصة للأفلام الوثائقية، وعلى رأسها مهرجان إدفا الهولندي، تكاد تكون منعدمة؛ لأن هذا النمط من الأفلام لا يعتمد على عدة معايير صارمة لا تسمح بها ميزانيات القنوات عادة، وهي معايير تعطي للقصة الإنسانية أهمية كبيرة، وتتطلب متابعتها على فترات زمنية متباعدة، والغوص في أحاسيس الناس وظروفهم لنقلها بشكل جمالي للمشاهد، وهو الأمر الذي حاول أن يقدمه فيلم "في سبع سنين" المعروض مؤخرا على شاشة الجزيرة.

ما فعله هذا الفيلم هو أنه كشف عن هذه الإشكالية الملتبسة في علاقة المشاهد العربي بالفيلم الوثائقي. فقد أثار الفيلم جدلا حادا في كافة الاتجاهات بين من يرى تطبيق المعايير الصحفية من إعطاء المشايخ دورا في الرد على كلام المتحدثين في الفيلم، وبين من يرى إعطاء المفكرين اللادينيين فرصة لتوضيح ما يقصده المتحدثون. وامتد الجدل لما هو أبعد من ذلك، ووصل إلى تحليل بعض اللقطات الجمالية بأنها تروج لمفهوم ورأي معين، وكان يجب ألا يتم تصويرها بهذه الطريقة الجمالية لأن الناس ستفتتن بها.

 

ما فعله هذا الفيلم هو أنه كشف عن هذه الإشكالية الملتبسة في علاقة المشاهد العربي بالفيلم الوثائقي

وبغض النظر عن موضوع الفيلم الشائك، فإننا أمام ظاهرة تحتاج للتمعن والدراسة والمعالجة. وهي تحميل الفيلم الوثائقي كفن بصري ما لا يحتمل، بل وعدنا به إلى حقبة السينما الدعائية مثلما كان الحال في الحقبة النازية مثلا، وتلك الفلسفة التي تقضي بأن لكل فيلم هدف ولا بد أن يكون هدفا ساميا يخدم قضية ما وطنية وعادلة، من وجهة نظر القائل طبعا، في حين أن أعظم ما في الأفلام أنها تحمل الرؤية الخاصة للمخرج ونظرته للحياة.

الفيلم الوثائقي والفيلم عموما هو كقصيدة الشعر، يحمل من الواقع أجزاء كثيرة، وله نصيب كبير من المجاز ونصيب أكبر من الجمال، ولكنه لم ولن يكون الحقيقة كاملة. وإذا كانت الأفلام الوثائقية قد حررت المشاهد العربي من أسر السلطة السياسية حين فتحت له نافذة أخرى جمالية ليطل بها على العالم، فيجب أن لا نسد هذه النافذة أو أجزاء منها لأننا رأينا جانبا من الواقع لا يرضينا.