حقوق وحريات

الاحتلال يمنع الفلسطينيين من دخول أراضيهم بمناطق "ج" (شاهد)

أشار خبير في شؤون الاستيطان إلى أن ما يقارب 60- 64 بالمئة من أراضي الضفة مقسمة لمناطق "ج"- عربي21

يحاول المزارع عايد مظلوم (53 عاما) من قرية الجانية غرب مدينة رام الله أن يحبس أنفاسه في كل عام استعدادا لمواسم أرضه المتعاقبة، التي لا تشبه أي مواسم في العالم، ففي وقت حراثتها يسمح له بيومين على الأكثر كي يدخل أرضه ويعمل بها؛ بينما تمنعه قوات الاحتلال من دخولها لأشهر طويلة.


وتنطبق حكاية مظلوم على معظم مزارعي الضفة المحتلة الذين تقع أراضيهم ضمن ما تسمى بمناطق "ج" في الضفة المحتلة، التي أفرزتها اتفاقية أوسلو لتكون "تحت سيطرة الاحتلال الكاملة"، ولكنها أغفلت مستقبل عشرات آلاف المزارعين الذين يعتمدون بشكل كلي على أراضيهم وإنتاجها.


وقبيل موسم قطف الزيتون يسابق مظلوم الخطى من أجل الحصول على "تصريح" يسمح له برؤية أرضه؛ وفي كثير من الأحيان يقابل الطلب بالرفض فتُترك أشجاره وحدها دون عناية أو اهتمام بل ضحية اعتداءات المستوطنين.


ويقول لـ"عربي21" إن أكثر من 30 ألف دونم من أراضي القرية صنفت كأراضي "ج" التي لا يستطيع المواطنون الوصول إليها أو استخدامها، وبقيت ربع مساحة القرية فقط للبناء العمراني، مبينا أن "عائلته تمتلك جبلا كاملا بمساحة ألفي دونم منذ عشرات السنين".

 

البؤر الاستيطانية


ويوضح أن الجبل مزروع بأشجار الزيتون منذ سنوات طويلة في عهد أجداده، وكانت العائلة دوما ما تقوم برعايته والاهتمام به وحراثة الأرض، ولكن مع حلول عام 2000 أعطت حكومة الاحتلال الضوء الأخضر للمستوطنين، لاحتلال تلال الضفة الغربية وفقا لاتفاقية "واي ريفر"، فبدؤوا بوضع البؤر الاستيطانية على أطراف الأرض ومهاجمة أصحابها.


ويضيف: "المعاناة بدأت منذ ذلك الوقت حين تم تقسيم الأراضي وصنفت أراضينا بأنها منطقة ج، حيث يعتدي علينا المستوطنون حين نوجد فيها ويحرقون أشجارنا ويسرقون محاصيلنا، وبدأ الاستيطان يتسلسل ويمتد حتى سيطر على معظم الأراضي في محيطها".


ويبين بأن العائلة توجهت عام 2004 إلى محكمة الاحتلال العليا من أجل إثبات حقها في أرضها؛ وبعد جلسات طويلة وجهود مضنية من المحامين والمؤسسات الحقوقية سُمح لها بالدخول إلى الأرض، ولكن وفقا لشروط قاسية، كما لم تنجح محاولاتهم بإزالة البؤر الاستيطانية والمساكن المتنقلة للمستوطنين عليها.


ويبين مظلوم بأنه كان يضطر أحيانا إلى التسلل داخل أرضه و"سرقة" بعض من محصول الزيتون الخاص به، وهو واقع مأساوي لمزارع اعتاد أن يجمع قطافه ويعود بها إلى بيته؛ ولكن هذا ما خلّفه تقسيم الأراضي وإعطاء الاحتلال جزءا كبيرا منها.

 

اقرأ أيضا: الاحتلال يطرد عائلة فلسطينية من سلوان لصالح المستوطنين


ويشير إلى أن شروط دخول الأرض تمثلت في وجود حماية عسكرية إسرائيلية تحت مسمى حماية المزارعين، ولكنها على أرض الواقع تعمل على حماية المستوطنين وتغطية أي اعتداء يقومون به، حيث يقومون برشق الحجارة صوب المزارعين الذين يتقدمون بشكاوٍ لدى محاكم الاحتلال، ولكنها تنفي التهمة عن المستوطنين وتسجلها ضد مجهول بحجة عدم كفاية الأدلة.


أما حين يصل المزارعون أراضيهم بعد غياب طويل، فيجدون بأن أشجارهم إما مقطوعة أو محروقة أو مسروقة الثمار، بينما يحدد الاحتلال أحيانا عددا معينا من الجرارات الزراعية المسموح لها أن تدخل الأرض بشكل لا يكفي لحراثتها لمدة يومين فقط.


ويتحدث مظلوم عن عائلات أخرى في القرية التي تقع أراضيها بالقرب من مستوطنة "تلمون" المقامة على أراضي قرى غرب رام الله، حيث قام الاحتلال بنصب بوابة كهربائية وأخرى حديدية لمنع المزارعين من دخولها، إلا بتنسيق مع قوات الاحتلال التي تحرمهم ذلك في معظم أيام العام.


ويتابع: "مما يثير الحزن الحقيقي أن أحد المزارعين رأيته يقول لقوات الاحتلال دعوني أرى أرضي فقط لا أريد العمل فيها بل فقط رؤيتها لدقائق؛ ولكنهم منعوه من ذلك فعاد حزينا باكيا إلى منزله، وهذا الحال هو الواقع الذي نعيشه منذ عقود، ولكنه لن يفلح في ترك أراضينا وسنبقى ندخلها حتى لو منعونا من ذلك".

 

ذرائع الاحتلال


وبحسب جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، تبلغ مساحة المناطق المصنفة "ج" 3,375 ألف دونم، فيما تبلغ مساحة الأراضي التي يستغلها الاحتلال بشكل مباشر في المناطق "ج" حوالي 2,642 ألف دونم، وتشكل ما نسبته 76.3 بالمئة من مجمل المساحة المصنفة "ج".


ويوضح الجهاز بأن المناطق المصنفة "ج" تشكل حوالي 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، التي ما زالت تقع تحت سيطرة الاحتلال الكاملة، الأمر الذي أدى إلى حرمان الكثير من المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وزراعتها أو العناية بالمساحات المزروعة فيها، مما أدى إلى هلاك معظم المزروعات في هذه المناطق، بالإضافة إلى تجريف المزروعات واقتلاع الأشجار؛ حيث قام الاحتلال بتجريف واقتلاع 7,122 شجرة خلال العام 2018، وبذلك يبلغ عدد الأشجار التي تم اقتلاعها أكثر من مليون شجرة منذ العام 2000 وحتى نهاية العام 2018.


بدوره، يؤكد الخبير في شؤون الاستيطان والناشط الشعبي صلاح الخواجا أن ما يقارب 60-64 بالمئة من أراضي الضفة المحتلة مقسمة إلى مناطق "ج"، ومن بينها أكثر من 90 بالمئة لا يتمكن الفلسطينيون من البناء فيها أو زراعتها.


ويوضح في حديث لـ"عربي21" أن تلك الأراضي منها تابعة للأوقاف ومنها ما تم تحويله إلى محمية طبيعية أو منطقة تدريبات عسكرية؛ وهي ذرائع اخترعها الاحتلال من أجل منع أصحابها من الوصول إليها، كما يتذرع بقانون أملاك الغائبين للسيطرة على جزء كبير منها.


ويبين أن الاحتلال وضع عشرات القوانين في الكنيست الإسرائيلي، بهدف السيطرة على الأراضي وتحويلها إلى المستوطنين، بحيث وصل عددها إلى 81 قانونا يتم استخدامها ضد الفلسطينيين.
ويعتبر الخواجا أن أكبر خطيئة في هذا الشأن هو اتفاقية أوسلو التي سلمت فيها القيادة الفلسطينية الاحتلال أكبر فرصة للاستيلاء على أراضي الضفة، مبينا أن العمل على ترميم بعض هذه الأخطاء يكون بالعمل الوطني الوحدوي الجاد.

 

اقرأ أيضا: رغم هزيمة نتنياهو.. هاجس السيطرة على الأغوار ما زال قائما


ويضيف: "العمل يجب أن يكون في إطار الخطة الوطنية التي يشارك فيها الكل الوطني عبر دعم المزارعين وتطوير عملهم والقيام بمسيرات شعبية، بالتزامن مع ذلك في كل المناطق في محاولة للضغط على الاحتلال".


ويشير إلى أن تعزيز صمود المواطنين هو النقطة الأهم للتصدي لسرقة الأراضي ومصادرتها، وذلك يتم عبر كل أشكال المقاومة الشعبية، ولكن الأهم حسب قوله هو أن تكون هناك استراتيجية مواجهة محليا ودوليا وقانونيا بتفعيل دور الفلسطينيين في محكمة الجنايات الدولية، حيث إن كل القضايا بحاجة إلى خطة وطنية وإرادة.


ويتابع: "مهما تكلمنا عن خيارات سنحتاج الإرادة دوما وخاصة السياسية، وصراعا وكفاحا وجهدا رسميا جادا من أجل استعادة حقنا في هذه الأرض، لأن الاحتلال حتى بعد سيطرته على مناطق ج أصبح يمتد وجوده إلى مناطق أ و ب اللتين من المفترض أن تخضع جزئيا لسيطرة السلطة".