حقوق وحريات

خطوة تسبق الإخفاء القسري.. شهادات عن الحجز الاحتياطي بمصر

منظمة العفو أشارت إلى ممارسات تعذيب باستخدام الصعق أو التعليق في أوضاع مؤلمة لساعات- جيتي

كشف شاهدان تفاصيل "مخيفة" بشأن الحجز الاحتياطي في مصر، وذلك في مؤتمر صحفي بمناسبة صدور تقرير منظمة العفو الدولية حول التجاوزات في النظام القضائي المصري.

وبحسب الشهادات، فأن تكون في الحجز الاحتياطي بمصر يعني أن تختفي لأيام أو أشهر أو حتى لسنوات من دون أن يوجّه إليك أي اتّهام ومن دون توكيل محام عنك.

وفي 5 تموز/يوليو، أوقفت السلطات في القاهرة "رامي شعث"، منسّق حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل (BDS)، الذي كان ناشطا خلال ثورة 2011، كما تم ترحيل زوجته الفرنسية سيلين لوبران إلى بلادها.

والثلاثاء روت "لوبران" في مؤتمر صحفي بباريس: "أتوا في منتصف الليل. اقتحموا المبنى وشقتنا. كانوا بغالبيتهم ملثّمين ولم تكن بحوزتهم مذكّرة توقيف ولم يعطونا أي تفسير".

وتابعت: "لم تردنا أي معلومات عن رامي على مدى 36 ساعة. لحسن حظّه أنه لم يتعرّض للتعذيب ولم يقوموا بإخفائه لفترة أطول، بلا شك لأنه شخصية معروفة. لأنه، على الرغم من قساوة ما يمر به، فإن هناك حالات أكثر صعوبة بأشواط".

وتشير منظمات غير حكومية إن آلاف الأشخاص من نشطاء ومعارضين ومدونين وصحافيين يعتقلون بشكل عشوائي في مصر، في ظروف غير إنسانية. لكنّ القاهرة التي تقيم تحالفات دولية راسخة، تبرر القمع بضرورات مكافحة الإرهاب، في حين يعتبر معارضو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي فاز بالرئاسة في عام 2014 أنه إحدى الشخصيات الأكثر تسلّطا في الشرق الأوسط.

وقالت لوبران: "في مصر، هناك تعبير يستخدم للإشارة إلى الحجز الاحتياطي. يقال عن الموقوف إنه في الثلاجة ويمكن للدولة إبقاء موقوفين فيها لأشهر بل لسنوات".

وأكدت لوبران أن زوجها المتّهم بـ"مساعدة جماعة إرهابية" موضوع في الحجز الاحتياطي منذ 150 يوما ولم يتسن لأي من محاميه الاطّلاع على ملفّه.

والاثنين مثُل شعث للمرة الأولى أمام قاض، خلال جلسة محاكمة تم تقريب موعدها بشكل مفاجئ.

وقالت لوبران إن "المراقبين الدوليين لم يتمّكنوا من حضور الجلسة. وقد وضع رامي في غرفة زجاجية عازلة للصوت لم يتمكن من سماع ما قيل خلال الجلسة، كان يشاهد عرضا يجري من دونه".

وأردفت لوبران التي لم تتمكّن من إقامة أي تواصل مباشر مع زوجها منذ توقيفه: "لقد علمنا عبر الصحافة بتمديد توقيفه 45 يوما".

وأقرت لوبران باتّخاذ السلطات الفرنسية إجراءات للنظر في وضع زوجها، مطالبةً باريس بـ"رفع الصوت" واتخاذ موقف أقوى.

وقالت إن "زوجي أوقف في شهر تموز/يوليو. في الشهر التالي فُرش السجاد الأحمر للسيسي في قمة مجموعة السبع في بياريتس".

نحو "الإخفاء"

من جهته قال الناشط أيمن صلاح إن "لفرنسا ولحلفاء مصر الآخرين دورا كبيرا يلعبونه، لديهم وسائل ضغط".

وأضاف صلاح البالغ 36 عاما والمقيم حاليا في فرنسا حيث طلب اللجوء قبل عام، أنه أوقف تسع مرات منذ بدء الألفية الثانية، كان أطولها 14 شهرا.

وتحدّث صلاح الذي أوقِف بتهمة مساعدة الإرهاب، عن ظروف الحجز الاحتياطي في مصر، قائلاً: "حاولوا الغوص إلى أعماق مخيّلتكم، لن تدركوا ماهية هذا الأمر".

اقرأ أيضا: في يوم مناهضة العنف ضدهن.. حصيلة المعتقلات بسجون مصر

وأضاف أن "كلّ الوسائل متاحة للحصول على اعترافات"، في حين تشير منظمة العفو إلى ممارسات تعذيب باستخدام الصعق الكهربائي أو التعليق في أوضاع مؤلمة لساعات.

وتحدّث عن الخوف من إخفائه ومن "محوه" عن وجه الأرض، قائلا: "إذا وقعتم ضحية إخفاء قسري، فكأنكم غير موجودين".

وتابع: "خلال توقيفي، فقدت الإحساس بالوقت، ولم أكن أعرف الليل من النهار. كدت أنسى اسمي، كانوا ينادونني بالرقم 18. بت أكره هذا الرقم".

عدالة "موازية"
        
وحذّرت منظّمة العفو الدوليّة في تقرير لها الأربعاء من أنّ حكومة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أقامت "نظامًا موازياً للعدالة" لقمع المنتقدين والمعارضة.

وقالت المنظّمة الحقوقيّة ومقرّها لندن إنّ الأدوات الرئيسية للقمع هي نيابة أمن الدولة العليا وكذلك محاكم مكافحة الإرهاب وقوّات الشرطة الخاصّة.

وقالت مديرة المجموعة في فرنسا كاتيا رو، لدى توزيع التقرير الثلاثاء في باريس: "في مصر (تحت حكم) السيسي، يُنظر إلى جميع منتقدي الحكومة على أنهم إرهابيون محتملون".

وفي تقريرها الصادر المكون من 60 صفحة بعنوان "حالة الاستثناء الدائمة"، قالت منظمة العفو إنها لاحظت ارتفاعا حادا في القضايا التي نظرت فيها محكمة أمن الدولة العليا - من 529 حالة في عام 2013 إلى 1739 في 2018.

وتقوم النيابة - وهي الجهة المنوطة بالتعامل مع الأنشطة التي تعتبر تهديدا لأمن الدولة - بالتحقيق بصورة متكررة مع المعارضين السياسيين والإسلاميين بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين المحظورة.

وانتقد فيليب لوثر، مسؤول المنظمة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البحوث والدفاع، نيابة أمن الدولة العليا.

وقال: "لقد أصبحت (نيابة أمن الدولة) أداة مركزية للقمع، وهدفها الأساسي على ما يبدو يتمثل في احتجاز وتخويف المنتقدين، وكل ذلك باسم مكافحة الإرهاب".

وبحسب التقرير، فإنّ كلا من محكمة أمن الدولة العليا، وجهاز الأمن القومي، وقوات الشرطة الخاصة، ومحاكم مكافحة الإرهاب "ظهرت كنظام قضائي مواز لتوقيف المعارضين السلميين واستجوابهم ومحاكمتهم".

أشار التقرير إلى أنّ العديد من المعتقلين يجبرون على البقاء في السجن فترات طويلة تحت مسمى "الحبس الاحتياطي"، دون أي أمل في إرجاء قانوني أو فتح القضية أمام المحكمة.

وأضاف أن "العديد تمّ توقيفهم لشهور وسنوات دون دليل، استنادا إلى تحقيقات الشرطة السرية ودون اللجوء الى علاج فعّال". 

اقرأ أيضا: في يومهم العالمي.. سلطات مصر تواصل انتهاكاتها بحق الأطفال

وقالت منظمة العفو إنها استندت في نتائجها إلى أكثر من 100 مقابلة مع موقوفين سابقين ومحامييهم.

وأوضحت أن الكثيرين تم توقيفهم لمشاركتهم في أنشطة سياسية أو متعلقة بحقوق الإنسان، أو بسبب محتوى ناقد على منصات التواصل الاجتماعي.

والأحد دهم أفراد من الشرطة يرتدون ملابس مدنية مقر موقع "مدى مصر" الإخباري واحتجزوا ثلاثة محررين، أطلق سراحهم لاحقا، بعد يوم من توقيف محرر آخر يعمل في الموقع نفسه.

وقالت النيابة العامة في بيان الاثنين إن "الاقتحام جاء عقب إذن قضائي من نيابة أمن الدولة العليا بتفتيش مقر الموقع الإلكتروني المعروف باسم مدى مصر (...) بعدما عُرض على النيابة العامة محضر بتحريات قطاع الأمن الوطني التي توصلت إلى إنشاء جماعة الإخوان (المسلمين) الموقع الإلكتروني لنشر أخبار وشائعات كاذبة لتكدير الأمن العام".

وأوقفت السلطات المصرية هذا الأسبوع أيضًا ناشطاً حقوقياً مسيحياً قبطياً وضع في الحجز لمدة 15 يومًا.

وأكد محاميه لوكالة فرانس برس أنه يواجه اتهامات "بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر معلومات كاذبة".

ولمواجهة هذه الانتهاكات المتصاعدة، دعت منظمة العفو السلطات "إلى توفير ضمانات المحاكمة العادلة" للمحتجزين.

وتتهم جماعات حقوق الإنسان السلطات المصرية بانتظام بكبح الحريات وتكميم أفواه المعارضين وبينهم الإسلاميون والعلمانيون.

وكانت منظمات حقوقية محلية أشارت إلى توقيف حوالي 4000 شخص خلال الشهرين الماضيين، بينهم محامون ونشطاء وأساتذة جامعات وصحافيون، إثر احتجاجات نادرة ومحدودة خرجت في أيلول/سبتمبر في مدن عدّة ضدّ السيسي.

ووضعت قيود شديدة على التظاهرات في مصر بموجب قانون صدر في نهاية 2013، كما فُرضت حال الطوارئ في البلاد ولا تزال تُجدد حتى الآن.

وعلّقت رو، بحسب التقرير، على ذلك بقولها إن "الوضع يزداد سوءا (..) القمع يزداد تصلبا".