قضايا وآراء

اللجنة المركزية ووقف التنسيق الأمني "المقدس"

1300x600

قرار وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، الذي اتخذه المجلس المركزي الفلسطيني، نسخة طبق الأصل عن قرار سابق اتخذ في الدورة الثلاثين للمجلس عام 2018 وأُرفق بتعليق الاعتراف بـ"إسرائيل". هذه القرارات لم تكن ملزمة للرئيس أبو مازن وللسلطة الفلسطينية، ومن يتأمل الحالة الأمنية في مدن الضفة الغربية، منذ الدورة الثلاثين للمجلس المركزي، يعرف تماماً عدم جدية السلطة الفلسطينية بخسارة أهم امتياز مُنح لها في اتفاق أوسلو، ويدرك أيضاً أن ثمن مواجهة العدوان الإسرائيلي وعمليات القتل والتصفية الميدانية للفلسطينيين؛ بحاجة لسياسة وتركيبة فلسطينية بحوامل مختلفة عن التي قدمت نماذج مأساوية وكارثية على قضية فلسطين.

رمي الشحنات العاطفية، وامتصاص حالة الغضب والنقمة في الشارع الفلسطيني، أصبحت أهدافا مكشوفة وفارغة المعنى، فكيف لقرار وقف التنسيق الأمني (السابق) لا يحاسب السلطة الفلسطينية ورجال أمنها عن جرائم تمت بفضل التنسيق الأمني؟ وكيف للزيارات والاجتماعات السرية والعلنية التي تمت وتتم من وقت لآخر بين السلطة والاحتلال؛ الذي يقوم بفضحها ليقدم أكاذيب شعارات السلطة رغم أنها تسفر عن تغول الاستيطان والعدوان المباشر، لا تتم مراجعتها على الساحة الفلسطينية رغم استمرار الأسباب والذرائع التي بموجبها يتم التسويق اللفظي لوقف التنسيق مع المحتل؟

وحتى لا نغرق في التفاصيل الكثيرة، معظم المُطالبات الفلسطينية من قوى وأحزاب وفصائل وفعاليات تنادي لإصلاح خلل البُنية الفلسطينية في المنظمة ومؤسساتها لم تؤخذ بعين الاعتبار، وذلك "كرامةً" للتنسق الأمني الذي يميل ميزانه في خدمة الاحتلال.

ثوابت السلطة الفلسطينية ترتكز بشكل أساسي ومُطلق على التنسيق الأمني، حسب مُقدسات الرئيس، وهي النافذة بكل الأحوال سواء قدم المجلس المركزي توصية أو كثرت المطالبات بتصحيح البوصلة الفلسطينية

رئيس السلطة الفلسطينية، كرر في كل إطلالاته الإعلامية على الإعلام العبري التأكيد على التنسيق الأمني "المُقدس"، ولم يكرر ذلك في اجتماعات المجلس المركزي، وفي أداء السلطة وأمنها وبرامجها تأكيد على قُدسية إنهاء التنسيق الأمني، رغم ارتفاع وتيرة العدوان الشامل على كل شيء يخص الشعب الفلسطيني؛ في أرضه ومقدساته وتراثه وتاريخه، ورغم علو يد العدوان في كل المناسبات. وتبقى عبارات الرئيس وسياسة السلطة هي النافذة التي يطل منها على قادة الاحتلال: "أنا ضد المقاومة، التنسيق الأمني مقدس نعم مقدس، ولن أقبل بأي انتفاضة طالما أنا موجود، وأنا قلت لهم بأنني ضد العنف"، استراتيجية سياسية أثبتت سنوات ما بعد أوسلو أنها تصب في نهاية المطاف في مصلحة إضعاف روافد النضال الفلسطيني وقوة تحالف الشعب الفلسطيني مع الشارع الفلسطيني والعربي والدولي.

ثوابت السلطة الفلسطينية ترتكز بشكل أساسي ومُطلق على التنسيق الأمني، حسب مُقدسات الرئيس، وهي النافذة بكل الأحوال سواء قدم المجلس المركزي توصية أو كثرت المطالبات بتصحيح البوصلة الفلسطينية. فسياسة قيادة شعب نحو التدجين لم تنجح، رغم فرض سياسة "الاشتباك السياسي" من قادة التنسيق الأمني في السلطة وتقديم خطابات بمستويات مخجلة لمواجهة العدوان المستمر للمشروع الصهيوني.

الثوابت الحقيقية بحاجة لشجاعة إن بحثنا عنها في ما هو موجود في هياكل السياسة الفلسطينية وهرم السلطة القائم، فلا نجد سوى الارتجال السياسي والأمني الفاشل؛ وفقدان المصداقية بكل خطوة سياسية يتم الإعلان عن نية العمل بها لمواجهة العدوان.
لا آمال وأوهام من تعليق الاعتراف بـ"إسرائيل" ووقف التنسيق الأمني، فالتجربة الماضية تشير لاستمرار العجز الفاضح في هذا المجال، وافتقاد الإصرار الثابت أمام العدوان الثابت كقاعدة للانطلاق لتبديد الأوهام

منذ أن تم العمل لشل منظمة التحرير، وتغييب مؤسساتها وفرض حالة العجز والتدجين على المجلس المركزي والوطني، أصبحت القضايا الأكثر حساسية مثل توسيع الاستيطان وحمايته وتهويد القدس ومصادرة الأراضي ومواجهة سياسة الحصار، قضايا لا تناقش لوضع استراتيجية نضالية وأخذ مواقف حقيقية منها بالمعنى العميق لمواجهة سياسة استعمارية ضمن المؤسسات الواجب إنقاذها؛ بسياسة تكون قادرة على صون وحماية الحقوق الفلسطينية برص الصفوف واستنهاض حركة شعبية بدل سياسة الاستهتار والاذلال والقمع المستمر.

أخيراً، لا آمال وأوهام من تعليق الاعتراف بـ"إسرائيل" ووقف التنسيق الأمني، فالتجربة الماضية تشير لاستمرار العجز الفاضح في هذا المجال، وافتقاد الإصرار الثابت أمام العدوان الثابت كقاعدة للانطلاق لتبديد الأوهام. وغياب منهجية فلسطينية ثابتة وموحدة يجعلنا نصدق الرئيس أبا مازن ورجال سلطته بأن مقدساته عن التنسيق الأمني والتعايش معه ومنه ارتبطت بشكل وثيق بوظيفة السلطة القائمة، ودون الاستعداد لتغيير أدائها ومهامها لن يستطيع الشعب الفلسطيني الإمساك بسلسلة الخروج من نفق الإخفاقات المستمرة لحركة نضاله وتحرره.

 

twitter.com/nizar_sahli