قضايا وآراء

أكتوبر صداع في رؤوس المتطبعين!

1300x600

مرت تسعة وأربعون عاماً على حرب أكتوبر المجيدة، كما يُطلق عليها في مصر، أو حرب تشرين التحريرية، كما يطلق عليها في سوريا، أو حرب يوم الغفران كما يُطلق عليها الكيان الصهيوني.. تعددت الأسماء ولكن النتيجة واحدة، إن تلك الحرب كانت نقطة فارقة في تاريخ أمتنا، ولحظة فاصلة في نضالنا ضد العدو الصهيوني، عبرنا فيها من الهزيمة إلى النصر، ومن المذلة إلى العزة..

فهي الحرب الرابعة بين العرب والكيان الصهيوني، بعد حرب فلسطين 1948، وحرب السويس 1956، وحرب الأيام الستة 1967، والتي هُزم فيها العرب، واحتل الكيان الصهيوني شبه جزيرة سيناء في مصر، وهضبة الجولان في سوريا والضفة، الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني، وقطاع غزة الخاضع آنذاك لحكم عسكري مصري. وجاءت حرب أكتوبر لترد الاعتبار للجيش العربي، فهي الحرب الوحيدة التي انتصر فيها على جيش الاحتلال الصهيوني..

إنه العبور العظيم، حيث استطاع جنود مصر البواسل أن يعبروا المانع المائي وهدم خط بارليف وتحرير مئات الكيلومترات من شرق القناة، كمرحلة أولى لتكون بمثابة قاعدة للانطلاق في مراحل تالية، وما كانت ستتوقف إلا بعد التحرير الكامل لتراب سيناء..

استطاع الجيش المصري عبور خط بارليف في ست ساعات، وهو الذين كانوا يزعمون أنه لا يمكن تحطيمه إلا بالقنبلة الذرية، وتوغل 20 كم شرقا داخل سيناء، كما استطاع الجيش السوري من الدخول إلى هضبة الجولان وصولا إلى سهل الحولة وبحيرة طبريا. لقد استطاع الجيشان المصري والسوري أن يحققا معجزة عسكرية تدرس في الكليات والمعاهد العسكرية في العالم، استطاع جنودنا البواسل أن يحطموا أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، مما جعل "جولد مائير" تصرخ وتهرع وتهاتف "نيكسون"، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك، وتقول له "الحقنا إسرائيل بتضيع"..

تقول "جولدا مائير"، رئيسة وزراء الكيان الصهيوني في ذلك الوقت، في مذكراتها "حياتي": إن المصريين عبروا القناة وضربوا بشدة قواتنا في سيناء، وتوغل السوريون في العمق على مرتفعات الجولان وتكبدنا خسائر فادحة على الجبهتين، وكان السؤال هو ما إذا كنا نطلع الأمة على حقيقة الموقف السيئ أم لا!

ولقد عبر عن هذا أيضا "موشي ديان"، وزير الدفاع الصهيوني آنذاك، لرؤساء تحرير الصحف الصهيونية أثناء سير المعارك قائلاً: "إننا الآن ندفع ثمناً باهظاً كل يوم في هذه الحرب، إننا نخسر يومياً عشرات الطائرات والطيارين والمعدات ومئات الدبابات، وبعض هذه الدبابات وقعت في أيدي المصريين، والمدرعات والمدفعية وأطقم هذه المعدات، وهذا ثمن باهظ بالنسبة لإسرائيل. لقد نجح المصريون أن يعبروا بأعداد من الدبابات والمدرعات تفوق ما لدينا في سيناء، إن المصريين يملكون الكثير من المدرعات، وهم أقوياء، لقد انسحبنا من خط بارليف بسبب شدة وطأة الهجوم المصري. إن خط بارليف لم يعد حقيقة بالنسبة لنا، ونحن لا نملك القوة لطرد المصريين الذين حطموه".

ويعترف ديان مصرخاً: "الأهم بالنسبة لنا وللعالم أنه اتضح أننا لسنا أقوى من المصريين، وأن هالة التفوق الإسرائيلي قد زالت وانتهت إلى الأبد، وبالتالي فقد انتهي المبدأ الذي يقول إن إسرائيل متفوقة عسكريا على العرب، كما ثبت خطأ النظرية الإسرائيلية بأن العرب سينهزمون في ساعات إذا أعلنوا الحرب على إسرائيل. والمعنى الأهم التالي هو انتهاء نظرية الأمن الإسرائيلية بالنسبة لسيناء لأن التفوق العسكري المصري في سيناء الآن لا يمكن مواجهته، علينا أن نفهم أننا لا يمكننا الاستمرار في الاعتقاد بأننا القوة الوحيدة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وأن هناك حقائق جديدة وعلينا أن نعيش مع هذه الحقائق الجديدة".

كان هذا الوضع في سيناء في بدايات الحرب، وسير المعارك الدائرة على أرضها، بلسان القادة الصهاينة أنفسهم، ولولا تدخل الولايات المتحدة المباشر في الحرب، حيث أقامت جسراً جوياً بلغ إجمالي ما نقل عبره 27895 طناً، فكانت شاحنات الطيارات والدبابات والمعدات العسكرية تنزل مباشرة إلى أرض سيناء، لاسترددنا كل أراضي سيناء ولما احتجنا لمفاوضات سلام لنسترد بها كامل التراب الوطني في سيناء.

لقد تغير مسار الحرب كما تغير العدو، فأصبحت في مواجهة مع أمريكا وليس الكيان الصهيوني، مما دفع الرئيس السادات يومها إلى القول: "كدنا أن نحقق النصر الكامل لولا تدخل الولايات الأمريكية ضدنا في الحرب، وأنا لا أستطيع محاربة أمريكا كما أني أخاف على أولادي"..

وكان لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن يقبل الجنرالات الصهاينة بأن تنتهي الحرب بهزيمة ساحقة لجيشهم، غرورهم يأبى ذلك، فتمكنوا من ردع القوات السورية عن هضبة الجولان واحتلالها مرة أخرى، بل توسعوا في الأراضي التي يحتلونها، وتمددوا حوالى 500 كيلومتر مربع وراء حدود عام 1967، فيما عرف باسم جيب "سعسع"!

أما على الجانب المصري، فقد تمكنوا من فتح ثغرة "الدفرسوار" وعبروا للضفة الغربية للقناة وضربوا حصاراً على الجيش الثالث الميداني ومدينة السويس، ولكنهم فشلوا في تحقيق أي مكاسب استراتيجية سواء باحتلال مدينتي الإسماعيلية أو السويس أو تدمير الجيش الثالث، أو محاولة رد القوات المصرية للضفة الغربية مرة أخرى.

وموضوع الثغرة موضوع شائك وفيه الكثير من الغموض، تناوله الصهاينة كأنه نصر لهم، بينما تناوله الرئيس السادات بأنه عملية تلفزيونية دعائية لا أكثر. وقد صدرت كتب عديدة وتحليلات كثيرة من خبراء عسكريين، تراوحت بين مَن يراها قد كلفت الجيش الصهيوني الكثير من الأعباء المالية والعسكرية، ووضعته في وضع عسكري خطير، ولم يجن منها غير الدعاية فقط لرفع معنويات الجيش الصهيوني الذي انكسر في بدايات الحرب، وبين من يراها ضربة قوية وجهت للجيش المصري، أضاعت الكثير من الانتصارات المبهرة التي حققها في بدايات الحرب..

لا تزال هناك العديد من الأسرار في المسائل العسكرية والتسليح وتكتيكات القتال والأداء العملياتي خلال الحرب، لم يكشف عنها حتى الآن، وكانت مصر قد أفرجت عن بعض الوثائق المتعلقة الحرب في عام 1998، بمناسبة مرور ربع قرن عليها، ولكنها لم تكن ذات أهمية تذكر ولم تكشف عن سر خطير. كما أن معظم الكتب التي صدرت عن حرب أكتوبر، كانت عبارة عن مذكرات لقادة عسكريين شاركوا في الحرب، تروي ذكرياتهم الشخصية وبطولات نسبوها لأنفسهم، ولم تحمل أي دراسات تاريخية أو سياسية أو عسكرية!

لا تزال هناك العديد من الأسرار في المسائل العسكرية والتسليح وتكتيكات القتال والأداء العملياتي خلال الحرب، لم يكشف عنها حتى الآن، وكانت مصر قد أفرجت عن بعض الوثائق المتعلقة الحرب في عام 1998، بمناسبة مرور ربع قرن عليها، ولكنها لم تكن ذات أهمية تذكر

ولكن ليس سراً أن ثغرة "الدفرسوار" أدت إلى اتفاقيتين لفك الاشتباك بين القوات المصرية والقوات الصهيونية، وبداية التفاوض غير المباشر بين الجانبين، حيث نصت الاتفاقية الثانية والتي وقعت في جنيف في الأول من أيلول/ سبتمبر عام 1975 في مادتها الأولى على "أن النزاع بينهما لا يتم حله بالقوة المسلحة بل بالوسائل السلمية". وقد شددت على ضرورة الوصول لسلام عادل ودائم في إطار مؤتمر جنيف للسلام، وفقا لأحكام قرار مجلس الأمن 338 الصادر في 22 تشرين الأول/ أكتوبر 1973، لتسوية سلمية عن طريق المفاوضات..

ومن هنا بدأت المفاوضات بين مصر والكيان الصهيوني، والتي أدت بعد ذلك لمفاوضات "كامب ديفيد" عام 1978، ثم توجت بمعاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني في 26 آذار/ مارس عام 1979، ليأخذ الصراع العربي الصهيوني منحى آخر وشكلاً جديداً، غير النضال بالسلاح لتحرير الأرض من رجس المحتل بالدم، بل أصبح تحرير الأرض بالحبر في اتفاقيات أطلق عليها "اتفاقيات سلام"، إذ وقع الزعيم الفلسطيني "ياسر عرفات" اتفاقية "أوسلو" عام 1993، ثم أعقبها توقيع ملك الأردن "الحسين بن طلال" على اتفاقية "وادى عربة" في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 1994، وبدأ الرئيس السوري "حافظ الأسد" في مفاوضات مع الرئيس الوزراء الصهيوني "إسحاق رابين" عام 1995، وبدأ الحكام العرب في الهرولة إلى الكيان الصهيوني!!

وهنا لا بد أن نشير أن الرئيس "أنور السادات" قد دعا كلا من السلطة الفلسطينية والمملكة العربية السعودية وسوريا والأردن لحضور مؤتمر "مينا هاوس" في القاهرة في كانون الأول/ ديسمبر عام 1977، لبحث الحل النهائي للقدس وقضية اللاجئين الفلسطينيين ولكنهم لم يحضروا، ورُفع العلم الفلسطيني، بينما كان المقعد الفلسطيني خالياً!

لقد ذهب الرئيس "السادات" إلى سوريا وقابل "حافظ الأسد"، وطلب منه أن تنضم سوريا إلى مؤتمر السلام في جنيف لتسترد الجولان ولكنه رفض وهاجمه هو وباقي الحكام العرب، وشنوا عليه حملة شعواء واتهموه بالخيانة بعد زيارته للكيان الصهيوني وإلقاء خطاب في الكنيست، وقاطعت الدولُ العربية مصرَ وعلقت عضويتها في الجامعة العربية، ونقلت مقرها إلى تونس، ولكن العرب عادوا بعد خمسة عشر عاماً، يسيرون في نفس المسار الذي رفضوا أن يسيروا فيه مع السادات، وفضلوا أن يكونوا جبهة "الصمود والتصدي" لمهاجمة الرئيس السادات، ولكن لم نر لها علامات في تحرير الأرض.

والآن وبعد ما يقرب من نصف قرن، لا يزالون يهرولون على أعتاب الصهاينة لينالوا الفتات، الذي ضاع في خضم الأحداث العالمية وتغير موازين القوى في العالم. فقد ضُمت القدس إلى الكيان الصهيوني وأصبحت العاصمة، كما ضُمت الجولان السورية للدولة الصهيونية..

دأب الكيان الصهيوني بعد معاهدات السلام، على ترديد أن القوات المسلحة المصرية لم تستطع أن تحرر سيناء كاملة بل حررت فقط بضع كيلومترات، واضطرت لعمل مفاوضات وإجراء اتفاقيات سلام لتسترد أرض سيناء، ويتفاخر الإسرائيليون بكل وقاحة وعجرفة بأن "العرب تعلموا الدرس جيداً وهو أن إسرائيل تجيد القتال وأنه لا يمكنهم ان يحصلوا منها على شيء إلا بالمفاوضات".

ويتماهى مع هذا الكلام للأسف الشديد، الصهاينة العرب، فحرب أكتوبر ضد العدو الصهيوني تصيبهم بالدوار وفقدان التوازن والصداع الشديد، فحينما يتكلمون عنها، لا يطلقون على الكيان الصهيوني "عدوا"، بل يُطلقون عليه الطرف الآخر. ولعل المؤسف أكثر أن الخطاب الرسمي والإعلامي في ذكرى نصر حرب أكتوبر يتجنب ذكر "إسرائيل"، العدو الذي احتل أرضنا وخضنا حرباً ضده وانتصرنا عليه، وكأننا انتصرنا على عدو وهمي أو كيان هلامي أو على جيش مجهول الهوية كان يحتل أرضنا، وذلك بالطبع لتحويل البوصلة، ومحو مفهوم العدو الصهيوني من الوجدان العربي، وتشكيل وجدان عربي جديد يجعل من الكيان الصهيوني صديقاً وليس عدواً، تمشياً مع حالة التطبيع التي تسلكلها الحكومات العربية!!

وهذا يمثل جريمة كبرى في حق الأمة وشعوبها وتاريخها النضالي وبطولتها العسكرية وأمنها القومي ومصالحها العليا، كما أنها تكسر الشعوب وتضعف ثقتها بنفسها ويضرب روحها المعنوية في مقتل لتضخيمه من قوة الكيان الصهيوني!!

سيظل الكيان الصهيوني، هو العدو التاريخي للأمة مهما هرول إليها الحكام العرب، وستظل الشعوب العربية ترفض التطبيع معه.

 

twitter.com/amiraaboelfeto