سياسة عربية

وقف الحرب على غزة.. كيف يحمي مصر من ضربة اقتصادية عنيفة؟

مبني البنك المركزي المصري- بلومبيرغ
تتجاوز آثار الحرب في الأراضي الفلسطينية واستمرار عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، إلى اهتزاز اقتصادات الدول المجاورة بما فيها مصر التي تشرف على منفذ رفح البري الوحيد لسكان القطاع المحاصر إلى العالم الخارجي.

وتعرضت مناطق حدودية ومنتجعات سياحية في شبه جزيرة سيناء مثل طابا ونويبع ورفح إلى عدة انفجارات مباشرة من قبل جيش الاحتلال وغير مباشرة، وأسفرت عن إصابات مباشرة في صفوف مدنيين ومجندين وأضرار مادية منذ بدء عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين أول/ أكتوبر الجاري.

وتوقع صندوق النقد الدولي أن حرب غزة ستؤثر على اقتصاد مصر ودول إقليمية أخرى، وحذرت المديرة العامة لصندوق النقد، كريستالينا جورجيفا، من أن استمرار الحرب في غزة لفترة طويلة سوف يعرض اقتصاد تلك البلدان لضربة قوية.

وأشارت جورجيفا إلى أن المستثمرين سوف يترددون في الذهاب إلى هذه البلدان، وتكلفة التأمين سترتفع في حال نقل البضائع، علاوة على مخاطر فرار المزيد من اللاجئين في البلدان التي تستضيف بالفعل الكثير منهم.




واعتبرت أن "الحرب تمثل تحديا إضافيا في الوقت الذي يتباطأ فيه النمو، وترتفع فيه أسعار الفائدة، كما ترتفع تكلفة خدمة الديون بسبب جائحة كوفيد والحرب".

تضرر السياحة واضطراب الجنيه

بعد اقتراب قطاع السياحة من تحقيق إيرادات قياسية استعادت عافيتها من عدة أزمات كان آخرها جائحة فيروس كورونا، فإنها انخفضت حجوزات الطيران إلى مصر منذ بداية الحرب، وفقا لتحليل أجرته شركة أبحاث السفر "فوروارد كيز".

وانخفض أيضا عدد تذاكر الطيران إلى مصر بنسبة 26% على أساس سنوي، بعد أن شهدت أعداد السائحين الوافدين لمصر طفرة هذا العام، وتستهدف الحكومة المصرية جذب 15 مليون سائح خلال العام الحالي.

منذ اندلاع الحرب تعرض الجنيه المصري إلى ضغوط شديدة وارتفع سعر الدولار أمام الجنيه ما بين 15% و 20% وبلغ الدولار الواحد 48 جنيها مقابل 40 جنيها قبل أن يتراجع قليلا إلى نحو 46 جنيها في السوق الموازية؛ بسبب ضبابية الأوضاع الجيوسياسية.

الاقتصاد المصري تحت مقصلة المراجعة


للمرة الثانية خلال العام الجاري تراجعت توقعات صندوق النقد الدولي لنمو الاقتصاد المصري للعام المالي 2023-2024 إلى 3.6% من 4.1% سابقا، بعد أن كانت 5% في تموز/ يوليو الماضي بسبب أزمة نقص العملة الأجنبية وتراجع ثقة المستثمرين.

من المتوقع أن تبلغ قيمة أقساط وفوائد الديون الخارجية التي يتوجب سدادها خلال العام المقبل نحو 29.229 مليار دولار، وفقا لتقديرات البنك المركزي المصري.

وأخفقت مصر حتى الآن في الوفاء بالالتزامات التي تعهدت بها لصندوق النقد الدولي بموجب برنامج قرض تسهيل الصندوق الممدد نهاية العام الماضي، وبالتالي لم تكمل أيًا من المراجعات الثماني بموجب صفقة القرض البالغ 3 مليارات دولار.

وسط نقص حاد في العملة الصعبة، لم تطبق مصر نظاما مرنا لأسعار الفائدة وأسعار الصرف، إلى جانب زيادة دور القطاع الخاص في الاقتصاد الذي تهيمن عليه الدولة، وخفض مستويات الدين والتضخم إلى مستويات ما قبل الوباء بحلول نهاية البرنامج الممتد حتى 2026.

أشكال تداعيات الحرب الاقتصادية


اعتبر وكيل وزارة الصناعة والتجارة للبحوث الاقتصادية السابق، الدكتور عبد النبي عبد المطلب، أن "هناك أشكالا متعددة لتداعيات الحرب في غزة على مصر اقتصاديا، على رأسها قطاع السياحة الذي كان يتوقع أن يحقق إيرادات مرتفعة تصل إلى 20 مليار دولار وهو رقم غير مسبوق، ويصل عدد السائحين إلى نحو 15 مليون سائح، ولكن هذه الأرقام أصبحت الآن محل شك في ظل التطورات في المنطقة".

وأضاف لـ"عربي21" أن "زيادة المخاوف من استمرار الحرب واتساع نطاقها ودخول أطراف أخرى يذكي قلق المستثمرين، وعدم الاستقرار سيجعل الاستثمار المباشر وغير المباشر محل مراجعة العديد من المؤسسات والهيئات الاقتصادية والاستثمارية في حال كانت هناك بوادر للاستثمار الأجنبي المصري ولكنها لم تصل لهذه المرحلة، بالتالي فإنها تظل بعض القطاعات أكثر تأثرا بالحرب وهي التجارة والسياحة".

ورأى عبد المطلب أن "الاقتصاد المصري قبل الحرب لم يكن يحمل الكثير من الأخبار الإيجابية بل أظهرت بعض القطاعات مؤشرات سلبية، وبالتالي فإن الحرب لم توقف أي جانب من جوانب التنمية في أي قطاع ولكن يمكن القول إنه كلما كان موعد وقف الحرب أسرع كان في صالح الاقتصاد المصري والمنطقة ككل".

وقف الحرب آفاق جديدة للاقتصاد المصري


من جهته، يقول الخبير الاقتصادي، ممدوح الولي، إن "أي أجواء حرب تكون لها تداعيات سلبية على اقتصاد الدول المتحاربة والمتجاورة، وما يسري على مصر يسري على دول منطقة الشرق الأوسط، وأول القطاعات وأكثرها تضررا هو السياحة؛ لأن السائح الأجنبي ينظر إلى المنطقة كدولة واحدة، وهو ما ظهر من خلال إلغاء الكثير من الحجوزات سواء الطيران أو الفنادق، إضافة إلى تقلبات سعر الصرف العنيفة خلال الأيام الماضية".

وأشار في حديثه لـ"عربي21" إلى "تضرر التجارة الخارجية بسبب الحرب حيث خسرت مصر 3 أسواق في ظل تراجع حجم الصادرات بأكثر من 20% خلال الشهور السبعة الماضية، إضافة إلى تضرر قطاع الطاقة حيث كانت تتوقع الحكومة المصرية أن تزيد وارداتها من الغاز الإسرائيلي وبالتالي زيادة صادراتها من الغاز المسال ولكن الحرب قلبت حسابات الحكومة".

ورأى الولي أن "وقف الحرب سوف يفتح الباب أمام زيادة مكاسب الاقتصاد المصري من علاج آثار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ولكنه لن يعالج مخاوف المستثمرين الأجانب الذين هجروا السوق المصري منذ بدء الأزمة الاقتصادية، وإن ما زاد الوضع سوءا توالي المؤشرات السلبية من قبل مؤسسات تصنيف الائتمان الدولي".