صحافة دولية

بوليتكو: دكتاتور مصر الجديد صناعة أمريكية

عبد الفتاح السيسي - (أرشيفية)
أكد الكاتب المعروف غريغ كارلستروم أن مصر تشهد ولادة دكتاتور جديد تشرف على ولادته الولايات المتحدة.

وقال كارلستروم في مقال مطول بعنوان "ديكتاتور مصر الجديد صناعة أمريكية" نشره في مجلة "بوليتكو" الأمريكية، إن الولايات المتحدة ساهمت في دعم الانقلاب بصمتها المطبق، فقد تحول السيسي لرجل الاتصال الأول مع واشنطن في القاهرة بعد الانقلاب. ويتحدث الكاتب عن ملامح ضعف السيسي، وأنه لا يملك الكثير ليمنحه للشعب المصري.

ويشير الكاتب إلى زيارة السيسي مع وزير الخارجية المصري نبيل فهمي لموسكو، وهي الأولى له خارج مصر منذ الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي العام الماضي، وكيف تصرف المشير الذي لم يعلن عن ترشحه للرئاسة كرجل دولة وصافح يد "حليف" وهو فلاديمير بوتين الذي قام بالنيابة عنه بالإعلان عن نيته الترشح للرئاسة، وتمنى له النجاح. ولكن بوتين ليس الأول الذي يعلن عن نية السيسي، فقد سبق ذلك صحيفة "السياسة" الكويتية في مقابلة أجراها محررها أحمد الجار الله "ذو الموثوقية المشكوك بها" مع المشير السيسي. وقال الجار الله أن السيسي سيترشح للرئاسة ثم جاء النفي مباشرة من وزارة الدفاع لهذا التقرير.

في كل مكان

 وبعيدا عن التكهنات فالسيسي حاضر في القاهرة في كل مكان، وصورته معلقة في كل مكان، من محكمة النقض إلى زوايا الشارع. وفي وسط القاهرة يعرض الباعة المتجولون شوكولاتة السيسي وبيجامات السيسي أما محال المجوهرات فتبيع خواتم وعقود السيسي. وفي برامج الطبخ يناقش الطهاة مزايا السيسي مع المتحدثين عبر الهاتف وهم يقطعون الخضار.

لغز

ورغم كل هذا التزلف، يقول الكاتب، يظل السيسي "لغزا" فلا أحد يعرف إن كان قادرا على حكم مصر.

فتصريحاته وخطاباته مبتذلة لا تتعدى السطر أو السطرين ويتحدث فيها  عن "مصر أم الدنيا" و "انتو مش عارفين انكو نور عيونا ولا إيه". وحتى من يعرفونه يقولون إنه لا يترك ذلك الانطباع الجيد، أحد زملائه وصفه بأن "عيونه دافئة"  "رجل هادئ، ويدرس تحركاته" حسب مشرفه الأكاديمي السابق.

 ويعلق سامح سيف اليزل، وهو جنرال متقاعد إن السيسي وجد نفسه في الحمى التي تعاني منها البلد، فبعد عام من حكم الإخوان "السيء" شعر أنه الناس إنه "بدون السيسي سينهار البلد".

ويشير التقرير إلى حياة السيسي حيث ولد عام 1954 في حي الجمالية- أحد أقدم أحياء العاصمة المصرية، وهو ابن صانع تقليدي في المنطقة وواحد من ثمانية أولاد، وتخرج من الأكاديمية العسكرية عام 1977. ولم يشهد في حياته أي معركة، وحصل على رتبه العسكرية في أثناء السلم، وراكم على صدره الكثير من الميداليات الشرفية. ويرتدي ميدالية "اليوبيل الفضي" لحرب أكتوبر، وأخرى في الذكرى الخمسين لثورة يوليو 1952. 

صناعة أمريكية

وهنا يشير الكاتب إلى علاقة السيسي بأمريكا، حيث جاء صعوده داخل صفوف الجيش في وقت شهد فيه الجيش المصري تحولا من الإتحاد السوفييتي السابق باتجاه الولايات المتحدة، فاليوم نصف مقاتلات الجيش وثلثي مصفحاته أمريكية الصنع، وهذا يعود للمنحة السنوية (1.3 مليار دولار) التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر، وتغطي نسبة 80% من مشتريات الجيش المصري. وبالإضافة لهذا فقد شارك الجيشين في عدد من المناورات العسكرية "النجم الساطع"، وتدرب عشرات من الضباط المصريين في المؤسسات العسكرية الأمريكية.

وكان السيسي واحدا منهم حيث تلقى تدريباته ودراساته في كلية الحرب الأمريكية عام 2006 وحصل على درجة الماجستير منها، وهناك الجنرال صدقي صبحي، رئيس هيئة الأركان والذي يتوقع أن يخلف السيسي في وزارة الدفاع.

تزامنت السنة التي قضاها السيسي في بنسلفانيا بالحرب الطائفية في العراق ومشاكل أمريكا هناك، وكذا دعوات كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية في حينه لنشر  الديمقراطية.

وكان السيسي والضباط العرب في البرنامج متشككين، وينقل عن ستيفن غيرارس،  العميد والمتقاعد والبرفسور المشرف على السيسي "كان يخبرني بأشياء لم أكن أعرفها، وبين لي الكيفية التي تصرفت فيها أمريكا بسذاجة".

وكتب السيسي  ورقة للماجستير جاءت في 11 صفحة "الديمقراطية في الشرق الأوسط". ولم تكن هذه مثيرة ومليئة بالخطاب النمطي، حيث جاء فيها إن الديمقراطية في المنطقة لن تظهر على النمط الغربي وأن هناك الكثير من المعوقات التي تتراوح من الفقر إلى العوامل الشخصية.

وينقل عن شريفة زهور، الأستاذة السابقة في الكلية والتي درست السيسي "كان ساخرا من كل فكرة الدفع باتجاه الديمقراطية ولم يكن يعجب بتعليقات زملائه التبسيطية". وتضيف كان يعتقد أن الفقر والتعليم الفقير معوقان للديمقراطية". 

صعود سريع

بعد عودته لمصر أصبح السيسي قائدا للقيادة الشمالية ومقرها الإسكندرية، ومن ثم مديرا للمخابرات العسكرية، والقليل يعرف عن هذه الفترة، ولكن الوظيفة جعلته مؤثرا في الأيام الأخيرة لمبارك. وأول ظهور علني للسيسي كان في نيسان/ إبريل2011 عندما دافع عن "فحص العذرية" للمعتقلات في ميدان التحرير حيث قال إنه جاء لحماية الفتيات من الاغتصاب والجنود من الاتهامات. ولكنه كان شخصية غير معروفة عندما عينه مرسي وزيرا للدفاع في آب/ أغسطس 2012.

وكانت هناك تكهنات حول روابط السيسي بالإخوان المسلمين، وإن كانت زوجته تلبس النقاب أم لا "ظهر أنها تلبسه بطريقة نساء الطبقة العليا في الطبقة المتوسطة كما بدت في أول ظهور لها".

 ويرى جوشوا ستاتشر، من جامعة كينت أن تعيين مرسي للسيسي لم يكن بحد ذاته انقلابا بل كان ترتيبا من داخل الجيش أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة "كان أسطورة، فقد قدم لمرسي" هذا ما نريدك أن تفعل، وقلل من أهمية الخطوة التي اتخذها مرسي الذي قال إنه لم يكن قادرا على الحصول على توصيلة إنترنت لمكتبه".

من وراء ظهر مرسي

في الأشهر الأخيرة من توليه المنصب ظل السيسي بعيدا عن الأنظار وألقى عدة خطابات أمام الجيش من أجل بناء معنويات الجيش الذي هزته الانتقادات بعد تجربة الحكم لـ 16 شهرا. وفي تشرين الثاني/ أكتوبر 2012 تحدث أمام الجيش الثالث وأثنى على جهوده لحماية ثورة الشعب.

ويشير الكاتب إلى الفيديو المسرب في تلك الفترة (كانون الأول/ ديسمبر 2012)  ويظهر السيسي هو يخطب أمام كبار القادة الذين عبروا عن قلقهم من تراجع "الخطوط الحمر" التي حمت الجيش لعقود.
 
وفيه حذر السيسي القادة من تعرضهم للرأي العام والانتقادات وعليهم التحضير لها. ويقترح الكاتب هنا أن الجيش كان يحاول البقاء على الهامش "كجزء من الاتفاق غير المكتوب مع الإخوان، والذي بدأ يترنح"، مع أن السيسي بدأ يتصرف باستقلالية بعد إعلان مرسي الدستوري، وأخذ وزير الدفاع يتصل مع قادة المعارضة.

ويقول الكاتب "في كانون الثاني/ يناير 2013 جرت أحداث شغب في منطقة السويس، كإشارة عن المعارضة المتزايدة لحكم مرسي، وقد أجبر على دعوة الجيش لنشر جنوده، واستخدم القادة المناسبة لإضعاف مصداقيته" أي مرسي. وحذر مرسي من "انهيار الدولة" ولكنه وعد ببقاء الجيش متماسكا. وبحسب هشام سالم الأكاديمي والكاتب "الصفقة لم تحقق الاستقرار الذي أرادوه وعليه رجعوا للمربع الأول"، و"حصل شعور لديهم أن حماية مصالحهم وهم خارج السلطة ليس ممكنا".
 
مع هيغل

في الوقت الذي عبرت الولايات المتحدة عن قلقها من صعود الحكام العسكريين في مصر، فإنها قالت القليل وفعلت أقل.  فمنذ الانقلاب أصبح السيسي حلقة الوصل مع الأمريكيين. والتقى  تشاك هيغل، مع السيسي في نيسان/ إبريل عندما زار وزير الدفاع الأمريكي القاهرة، وتحادث الرجلان عبر الهاتف منذئذ عشرات المرات، وعادة ما يستخدم السيسي مترجما للحديث مع هيغل مع أن لغته الإنكليزية جيدة. وتحادثا معا مرتين في الأسبوع الذي قاد لعزل مرسي في 3 تموز/ يوليو.

وحذر هيغل من الانقلاب الذي يلوح بالأفق وكذا مارتن ديمبسي، رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي، لكن تحذيرهما لم يرفق بأي تهديدات حقيقية أبعد من التحذير أن عزل مرسي سيؤثر على العلاقات العسكرية الطويلة بين البلدين.

ولم تكن هذه التحذيرات حقيقية، فقد علقت إدارة أوباما جزءا صغيرا من المساعدة لمصر، وألغت مناورة "النجم الساطع"، وهي خطوات  "رمزية" بدون أن تترك أي تداعيات سياسية على مصر.

كما وربطت الإدارة نفسها بعقدة من خلال تجنب وصف ما حدث بالانقلاب "وفي النهاية قررت عدم اتخاذ قرار" بهذا الشأن. كما أن البيت الأبيض كان غير راغب في اغضاب حلفائه  في دول الخليج التي دعمت وبحماس الإطاحة بمرسي، خاصة السعودية التي عبرت عن غضبها من تردد إدارة باراك أوباما دعم المقاتلين في سورية. وعليه تجنبت الإدارة التعليق على احتمال ترشح السيسي للرئاسة تاركة الأمر للمصريين. وفي مكالمات هيغل مع السيسي، أكد وزير الدفاع الأمريكي أن أي إعادة تقييم للعلاقات لا يعني قطعها.

ويقول الكاتب إن اهتمامات السيسي أحيانا شخصية، خاصة أن من عادة الإعلام المصري إساءة تمثيل وتفسير ما ورد في الإعلام، فما كان يعني المشير هو أن لا يظهر بمظهر الكاذب في محادثاته مع هيغل، بحبس أندرو إكسم، المسؤول السابق في البنتاغون. بل وانتقد السيسي أمريكا مباشرة في حديثه مع صحيفة "واشنطن بوست"  واتهمها بالوقوف مع الإخوان المسلمين " كان خيارا مانويا: إما مع الإرهابيين، الإخوان أو ضدهم، وذكرني بخيار بوش بعد مرحلة 9/11" حسب إكسم.

العزاء في الأحلام

ويشير الكاتب إلى خطابات السيسي القليلة بعد الانقلاب والتي يقول إنها بالعامية المصرية والتي تبهر بكلام عن مصر والجيش باعتباره المؤسسة الحامية للبلد.

 وقد يجد الكثير من المصريين في خطاباته فروقا عن خطابات مرسي الطويلة التي كان يصرخ ويلوح فيها بيده. ومع ذلك فقد ظهرت خطابات وكلام السيسي الناقد والمدافع  في عدد من التسريبات المحرجة هذا الشتاء، وكلها نبعت من لقائه مع محرر "المصري اليوم" ياسر رزق، واستمرت التسريبات بالخروج حيث لم ينف الجيش ما ورد فيها ولا الصحيفة أكدتها، ومع ذلك تم فصل الكثير من الصحافيين بسبب التسريبات. ويرى الصحافيين والمحللين أنها صحيحة.

ويشير الكاتب إلى التسريب الذي طلب فيه السيسي من المثقفين القيام بحملة تدعو لبنود في الدستور لحماية السيسي والجيش، حيث قال إنها تعكس خوف المشير من خروجه من الوظيفة حالة فشل انقلابه، وخوف الجيش من تحمل  مسؤولية القمع والقتل للإخوان بعدما رمى بثقله وراء السيسي. ومع تحمله قمع الإخوان يتحمل الجيش مشاكل مصر الاقتصادية والاجتماعية. 

ويتوقع المصريون الكثير من السيسي فمائة عامل فصلوا من برج القاهرة في الزمالك "طلبوا من السيسي حل مشاكلهم وعلقوا صوره على جدران البرج". 

وليس من الواضح إن كان لدى السيسي وهو رجل عسكري أية فكرة لحل مشاكل مصر المتعددة وكما يقول سلام "إنها لعبة خطرة وقد تؤدي لعدم الاستقرار وترتد سلبا على الجيش كمؤسسة، وسيدفع الفاتورة السياسية لفشل السيسي".

وفي الوقت الذي تستمر فيه حمى السيسي والدعوات له بالترشح إلا انه لم يستجب بعد لها، ويقول دبلوماسيون وصحافيون إن السيسي منشغل بترتيب فريق للعمل معه قبل إعلانه. ويقال إنه عرض منصب رئيس الوزراء على عمرو موسى، وزير الخارجية والأمين العام للجامعة العربية السابق والذي يقال إنه رفض العرض.

وفي الوقت نفسه يختم الكاتب بالحديث عن حلم السيسي بالسادات الذي قال له إن الله أعطاك ملك مصر. وقد أثار هذا التسريب الكثير من الانتقاد، حيث تعكس شخصية "ميسانية" أو رجلا يحاول البحث عن عزاء في الأحلام.

وكما يقول ستاتشر "يشعر بعدم الأمن، والبارانويا وتحالفه الحاكم صغير وضعيف". وقال إن الجميع يتذكر أن ناصر كان ضعيفا ويشعر بعدم الأمن في سنواته العشر الأولى "السيسي ضعيف مثل ناصر، ولكن على خلاف الأخير ليس لديه الكثير ليمنحه للشعب، ولو كنت مكانه لشعرت بالعصبية".