مقالات مختارة

قمة عربية واحدة

1300x600
كتب حسام عيتاني: لا توجد معلومات دقيقة عن مستوى اهتمام المواطنين العرب أو «الشارع العربي» باجتماعات القمة العربية، لكن يصح الاعتقاد أن بعضها يحظى بمتابعة شعبية أوسع من البعض الآخر تبعاً للقضايا المطروحة.

قمة الكويت قد لا تكون من الأكثر إثارة لفضول المتابعين. فالمشكلات التي تعالجها، وخصوصاً الحرب في سورية، سبق أن طرحت في اجتماع الدوحة العام الماضي. المواقف العربية ما زالت على حالها وعلى انقساماتها ولا يبدو في الأفق أن مؤسسة القمة العربية ستعالج الخلل البنيوي الذي يرافقها منذ انعقاد القمة أول مرة.

واحد من مظاهر الخلل تتمثل في التضارب الجدي بين مصالح العرب ورؤاهم إلى حاضرهم ومستقبلهم. الرطانة التي تتحدث عن القضايا المشتركة والتطلعات الجامعة والتكامل في المجالات كافة كمقدمة للوحدة الشاملة، لم تفلح في ستر التوجهات شديدة التباين بين العرب، ليس كزعماء وأنظمة على ما تردد دعاية شعبوية سطحية، بل بين المكونات الشعبية في كل بلد ومنطقة على امتداد هذه الرقعة الجغرافية المسماة «العالم العربي».

دعونا نأخذ مثلين حديثين. مثل اعتراض سلطنة عُمان قبل شهور على تعزيز مجلس التعاون الخليجي وإضفاء سمات سياسية واقتصادية ملموسة على آليات عمله. ومثل رفض ممثلي مصر في القمة منح مقعد سورية إلى المعارضة بقيادة الائتلاف الوطني. يقول المثل الأول إن المصالح والسياسات الوطنية تعلو دائماً تلك «الوحدوية». صحيح أن اعتراض عُمان جاء على خلفية خشيتها من تأثير الخطوة على علاقاتها المتينة مع إيران، إلا أن الصحيح أيضاً أن أي دولة خليجية ناهيك عن العربية كانت لتتخذ الموقف ذاته إذا شعرت أن تبدلاً إقليمياً ما سيطاول سياسات ترتكز عليها منظومة الأمن والحكم فيها. وهذا على نطاق خليجي هو أضيق من النطاق العربي العام.

أما المثل الثاني، أي اعتراض مصر على مشاركة «الائتلاف» السوري في القمة الحالية، فيرجع إلى حسابات داخلية في المقام الأول، على رغم التحالف الجديد بين السعودية المؤيدة تأييداً ظاهراً للثورة على بشار الأسد والحكم الانتقالي في مصر. ذلك أن القبول بـ «الائتلاف» في القمة يطرح من وجهة النظر المصرية موضوع الشرعية التي تشكل حساسية بالغة بعد أحداث الثالث من تموز (يوليو) الماضي والعلاقة مع تنظيم الإخوان المسلمين الممثل في الائتلاف. الحدود التي تقيمها الرياض بين موقفها من الإخوان وبين دعم الثورة السورية القاهرة تبنيها حالياً. هذا باختصار.

الأهم من ذلك، أن سلسلة خيبات الأمل المرافقة لكل القمم العربية ناجمة عن تصور مفرط في التفاؤل والإيجابية إلى العناصر التي تجمع العرب. وسيادة الخطاب الوحدوي بطبعته الأكثر شعبوية ما زالت تفضي إلى المزيد من الخيبات. فبدلاً من اعتبار القمة اجتماع عمل يركز على حفظ حد أدنى من الصلات والعلاقات والبحث عن سبل للتعاون البيني، ثمة من يتابع الترويج لفكرة أن القمم العربية مكلفة بالإتيان بما يعادل المعجزات في زمن الشحائح والقحط هذا.

وفي مرحلة انتقالية غنية بالتعقيدات وانتقال الاهتمام من الخارج إلى الداخل، على ما تدل حالة الإهمال والتجاهل التي تعاني منها القضية الفلسطينية على سبيل المثال والانقسام الذي تثيره الحالة السورية، لا مفر من التأكيد أن التاريخ يُصنع الآن خارج جدران قاعة القمة.

(الحياة اللندنية)