قضايا وآراء

بين الواقع والصورة: كيف يجري تمثيل "عاصفة الحزم"؟

1300x600
في غضون الحملة العسكرية "عاصفة الحزم" تبلورت تشكلات خطابية متضمنة رغبات ذاتية وأوهام متخيلة وأساطير للتداول. والتمثيل لا يبنى-كما تكشف الأدبيات- على أساس معرفي علمي فحسب؛ لأن الخطابات تحجب منطق القوة والسلطة وتخفي حقيقتها الأصلية.

في البدء كانت الصورة

احتفى البعض بمشهد القوة الخليجية المصطنعة؛ بتشكيل صورٍ للضربة السعودية باعتبارها ضربةً شجاعةً. وهناك من اعتبرها عملية مثالية سوف تدرس في الأكاديميات العسكرية. وبعض الصحف المشهورة بنت صورةً وهميةً تداعب خيالات الشعوب العربية المتعطشة لفعل يعيد لها كرامتها من خلال "عاصفة الحزم" التي تفتح الطريق لحلف عربي على غرار حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يضفي عليها دلالة رمزية تحيل للسردية القومية وحِقبة الناصرية الغابرة.

تمثلات ليست بريئة تُستحضر أثناء الفعل لتشكيل الإطارات المعنوية للشعوب المغبونة، ولدغدغة عواطفها وتخديرها، من أجل توسيع القاعدة الشعبية لـ"عاصفة الحزم". وهو ما يوضح أن خطاب الخبراء والمحللين مستغرقٌ في بنية جهاز السلطة الذي يملك سلطة إلحاق الآخرين به، دون أن يستطيعوا المحافظة على مسافة منه، شرطا لإنتاج معرفة أكثر واقعية وأمينة للحدث.

يتم التعامل مع تلك الصورة والتمثلات بصفة بديل عن الواقع وحقائقه الموضوعية الصلبة. إن تشكيل صورة لـ"عاصفة الحزم"  ليست بالبعيدة عن هدف تشكيل هوية للحدث، بحيث تحل محل الحدث ذاته كاستدراك عما يلحق به من إخفاقات محتملة.

وفي هذا السياق، لا يجري التعامل مع الواقع كحقيقة صلبة؛ مكتفٍ بذاته، يتميز بالشفافية، ولا يتم تصويره كبنية تمثيل تتميز كتلتها المفهومية بالنزاهة والشفافية، بل كعملية إنشاء يُحمَّل عليها كل مراحل عملية البناء والتشييد من إسقاطات ونزاعات ومصالح اجتماعية وسياسية. فكما يسعى المرء إلى الحقيقة فإنه يسعى-بدرجة أكبر- لامتلاك السلطة.

وهكذا، تتحول الصورة الذهنية كعملية إنشاء بعد تحويل الشيء إلى معنى والموضوع إلى معرفة، تتحول إلى تعبيرات وأدوات للهيمنة لتوكيد النظام القائم على ضحاياه، وفرض رؤية أصحاب السلطة على موضوع السلطة(أي الضحايا المحكومين)، لجعل السلطة آمنة من خلال خلق شرعية فرض وهم الشرعية على الضحية، ما يجعل ضحايا السلطة يستبطنون خضوعهم باسم الموضوعية العلمية، والحقائق الصلبة المستقلة عن الرغبة.

إن فرض حقيقة متفردة موضوعية، حسب زعم كل ذي مصلحة ممن يحوز على السلطة، أو من خبراء المعرفة، هو ما يشكل أداة أو الأداة المفضلة للهيمنة، فرض رؤية محددة على الإنسان، رؤية تكبل أولئك الخاضعين للهيمنة، ليرضوا بعملية إخضاعهم، ما يعني رفض أي بنيات ذهنية اجتماعية مستقلة.

صناعة هوية الحدث


هكذا في عملية "عاصفة الحزم" تجند خبراء السلطة لتشكيل هوية الحدث باستحضار رموز تداعب خيالات الشعوب، رموز العمل العربي المشترك، والقومية العربية؛ لإضفاء سردية كبرى على حدث لا يمكن حشره داخل سرديات كبرى مرتبطة باستعادة الأمة هويتها الضائعة بقدر ما يتعلق الأمر  بسردية السلطة وتأمين منطق اشتغالها. 

هنا يستحضر المثقف القومي الغيور الذى ساءه وضع العرب وأوجعه قلبه أن تصل الحالة العربية إلى ما وصلت إليه من تنافر وصراعات بينية، ليعلق عبر الميديا على الحدث إذ أمن وظيفته في استدخال الحدث في أفق السرديات الكبرى: استقلال المنطقة، استعادة العرب مجدهم، تشكل القوة العربية على غرار الحلف الأطلسي... إلخ. 

هكذا تبقى المبادرة من صنع أصحاب السلطة، ويلحق بها المثقف لينهمك في تبريره، يتحول إلى جهاز لصناعة الموافقة بما يوقعه في أحبولة الأنظمة الاستبدادية. فينخرط في لعبة لغوية تصنعها أنظمة السلطة التي تراقب وتسيطر على الصور والأفكار التي تتحدى رؤيتها لما هو صالح لها.

استراتيجيات القبض على المعنى

وفي سياق "عاصفة الحزم"، بدأت بالتبلور استراتيجيات القبض على المعنى من خلال فضائيات السلطة لوصف جماليات المعركة بدقّة وتناهي القصف الصاروخي، فلا ضحايا ولا مهجرون ولا دمار  ولا أضرار ، فالنوايا متطابقة مع معاقل الحوثيين المستهدفة. مشفوعة بنبرة احتفاليّة استعراضية لأبطال المعركة خلف مكاتبهم وفي مسرح العمليات. 

وبتحويل اسم العملية إلى أناشيد وأبياتِ شعرِ يتغنى بها مغنو السلطة لحشد التأييد الشعبي. وصور لعائلات الأبطال المغاوير من أصحاب البيت الملكي في توديع أبنائهم وزوجاتهم ليضفي بعد المساواة بين المسؤول الملكي والجندي الصغير تستثمر في تظهير عدالة السلطة القائمة بما يعيد حضورها في وعي المحكوم، فيحمد الله على قيادة تراعي حقوقه، وأن يقبلوا الرعايا شاكرين ما يُمنح لهم.

فضلاً عن محاولات إدخال العملية في إطار التاريخ السياسي للأسرة المالكية؛ إذ تعود التسمية إلى مؤسسها الأول، وحشر مترتبات العملية في ميلاد وتدشين لواقع جديد يصنع على يد الملك سلمان بما يحدد وضعها في ذاكرة السلطة الراكدة لزمن طويل. وها هو الابن امتداد للرعيل الأول.  

أما الطرف الآخر  الذي تنهال عليه حمم آل سعود، فهم قتلة ومجرمون يتوجب اجتثاثهم، فقد خرجوا على الشرعية، يتحركون بإيعاز من إيران التي تريد بسط نفوذها؛ بهدف تقسيم اليمن وإعادة إنتاج نسخة حزب الله بطبعة يمنية. فيتم استحضار المخزون النفسي من رواسب تاريخ  العلاقات العربية- الإيرانية ليلصق بالحوثيين.

الحدث كحدث

وبين هذا وذاك، فالواقع يشير إلى وقوع ضحايا ومهجرين ودمار . وكل تلك البروباغندا حول القوة العربية المشتركة مجرد شعار لحماية الأنظمة الأكثر قدرة على التأثير لا من أجل مجتمعات الدول، بل لاستئناف الثورة المضادة، كالتدخل الخليجي لقمع ثورة البحرين، علماً أن اليمن غير البحرين.

لقد وقع مفكرون أجلاء في تبرير "عاصفة الحزم"، وتضخيم صورتها كفعل خليجي- سعودي شجاع، دون أن يتم التساؤل حول طبيعة الأنظمة الوكيلة، وبنية اتخاذ القرار، ونسق القوة والمصالح التي تولدها، والسياق الإقليمي والدولي، والدور الأمريكي. والأهم من كل ذلك طبيعة المعركة والمواجهة مع المليشيات الحوثية، فضلاً عن الطبيعة الاجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمع اليمني، بالإضافة إلى وضع اليمن الجيو سياسي.

الحروب غير المتكافئة

فهذا النمط من الحروب يمثل مشكلة لعلم الحرب الحديث التي تسميها أدبيات الحرب بالصراعات غير المتكافئة، أو حروب الحداثة المتأخرة، أو حروب الحداثة العالية، أو حروب منخفضة القوة. وكذلك أيضاً ما تزال الدول تواجه مشكلة مع هذا النمط  من الصراعات. إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية مثال حي على ذلك. ويُطرح في هذا السياق سؤال اليوم التالي، أي ماذا بعد أن يتم دك مواقع الحوثيين؟

 ستدرك السعودية أنها تورطت في هذه الحرب، فتلك معارك لا يمكن حسمها بطريقة الحروب النظامية. وأغلب الظن سوف نستمع قريباً إلى أهداف أخرى لـ"عاصفة الحزم"، مستوحاه من الواقع والممارسة مباشرة، بعد أن تكتشف السعودية حقائق المجتمع اليمني الصلبة. أي الانزياح إلى أهدافٍ أكثر واقعية وعملية، أهداف مستمدة من حقائق الواقع الصلبة للتركيبة الاجتماعية والسياسية لليمن، وليس من التمثلات والصورة الذهنية التي تشكلت قبل اللحظات الأولى.

والمرجح أن تتقلص أهداف العملية العسكرية للتحالف، بالإضافة إلى تدخل أطراف دولية لجمع الأطراف المعنية على طاولة المفاوضات، والذهاب إلى حل سلمي يرضي كافة الأطراف من خلال الراعي الأمريكي الذي سيبدو آنذاك بمظهر "حلَّال العقد" و"راعي السلام" في المنطقة؛ لتبدو أمريكا على خلاف الشائع لا كصانعة المشكلة- وهي صانعتها- بتوريط أنظمتها الوكيلة، بل ستظهر بدور سلمي يحل مشكلات المنطقة بما يثبتها كطرف في المنطقة من غير الممكن الاستغناء عنه. فتخلق فرصة جديدة لترميم وإعادة نسج تحالفاتها مع كل الأطراف.

بينما سوف تبدو السعودية أنها الطرف الذي أخفق في المعركة، فتظهر حدود قدرتها على توليف الأطراف من حولها. وهذا سيناريو سوف يُضعف من مكانة السعودية ويظهرها كطرف من السهولة بمكن توريطه في حروب استنزاف كان يمكن لها أن تحلها بلغة أخرى غير لغة الحرب.

 بينما ثمة أطراف عربية سوف تستثمر الفشل السعودي، وبخاصة من شعر بالتهميش المتعمد، لا سيما تلك الأطراف التي تعودت على القيادة حتى تضخمت أناها بعد فشلها في تحقيق إنجازات ملموسة.

الاستعجال نقيض المنوال البدوي

 لماذا استعجلت السعودية عملية "عاصفة الحزم"، رغم تناقضها مع العرف البدوي؟ فالمأثور البدوي يقول: "إن البدوي أخذ بثأره بعد أربعين سنة، ثم قال نادماً: لقد استعجلت" . وهذا يطرح بدوره جملة من الاستفهامات: ما هو المحجوب في تلك الألعاب اللغوية، ألعاب السلطة؟ وهل فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة، وكذلك أيضاً هل "عاصفة الحزم" تتحرك داخل أفق السردية القومية، أم داخل أفق الثورة المضادة؟ وما إذا كانت الأطراف المحركة للفكرة تأتي من خلفيات تؤمن بالتجديد والإصلاح أم من داخل بنية الأنظمة ذاتها؟ وطبيعة الأنظمة المحركة لهذه السياسيات أو / والمقترحات؟  ولماذا الآن؟ ومن أجل من؟ وما هي أغراضها؟ وحدود فعلها؟ وفي مواجهة من؟ وما هو موقع إسرائيل من مقترح إنشاء القوة العربية المشتركة؟

التغيير هاجس الأنظمة التقليدية

لقد تفاجأت الأنظمة العربية بحدوث الثورات العربية كحدث مؤسس ليست صانعته، فأثار رعبها، فبدأت تصنع الحدث ( الثورة المضادة). وفيما يبدو أن المنطقة تتجه نحو صراعات بينية لإعادة التموضع الإقليمي، وترتيب الأوزان النسبية للقوى الإقليمية. وهذا له دلالات منها على سبيل المثال لا الحصر: انتقال الصراع المحلي إلى صراعٍ إقليمي، قطع سيرورة التحول الداخلية في البلدان العربية التي افتتحتها الثورات العربية، ما يعني القطع مع هذه التجربة، والحيلولة دون تواصلها؛ إذ بات الإقليمي له الأولوية على المحلي. 

والقصد أن المنطقة تشهد زيادة الدور الإقليمي للدول كأبرز سمات المرحلة، ما يعني تراجع المحلي، وبالتالي استئناف الثورة المضادة، وتمكنها من الثورات العربية.

نعم، إن النظام الإقليمي يواجه تحديات كبرى تنبئ بسقوطه، وإن كوارث ستحل بالمنطقة، وإن البيت القديم آيل للسقوط.  بيد أن كل ذلك لا يُحل بالقوة العسكرية، بل بالتجديد والتغيير والإصلاح. ورغم أن التغيير سنة كونية، غير أن الأنظمة العربية لا تريد أن تتغير، بل تريد أن تبقى فوق كل موجة تغيير، وهذا مستحيل.   

ومن بين ما هو محجوب أيضاً في إطار  تبرير العملية يأتي توصيف الحوثيين كونهم لا يفهمون لغة الحوار. غير أن ذلك يتناقض مع ما نوه إليه وزير الخارجية اليمني في أروقة قمة شرم الشيخ إلى "أن فرص الحوار مع الحوثيين ما تزال قائمة بشروط". كما يسقط التبرير الذي يرى أن العملية جاءت لتعيد الترتيبات السياسية في اليمن، وبالتالي الاعتراف بالحوثيين مكونًا للعملية السياسية؛ إذ كيف يتأتى ذلك مع مقولة أن النصيحة بالتفاوض والحوار لا يجدي نفعاً، وأن اللجوء للقوة فرضه رفض الميليشيات الحوثية للحوار؟! 

وكيف يستقيم الحال بإدخال الحوثيين في العملية السياسية بعد قصفهم بالصواريخ، ما يجعل الخلاف معهم فيما بعد أكثر صعوبة؟! وأخيرًا وليس آخراً، إذا كانت "عاصفة الحزم" ترمي إلى ضرب النفوذ الإيراني، فلماذا لم يتم استهداف إيران مباشرة، لماذا يضرب ذيل الأفعى ويترك رأسها؟ هل لأن الشعب اليمني ضعيف؟.