قضايا وآراء

"داعش" بين عقوبتي الجلد والسجن

1300x600
صدَّر تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" نظامه للعقوبة، تحت مسمى "قانون العقوبات". وبالنظر إلى هذا القانون يتبين أن العقوبات كافة التي سنها تتراوح بين: الرجم، الجلد، النفي، قطع اليد، القتل، الإلقاء من فوق بيتٍ عالٍ، والصلب.

وجدير بالتنويه عدم وجود عقوبة السجن وعقوبة الغرامة من بين العقوبات المدرجة في هذا النظام الداعشي. علماً بأن العقوبة في المجتمعات قبل الحديثة كانت تقوم على البتر، والنفي، والجلد، والوشم، وخرق الجسم. مثلها مثل عقوبات "داعش" في عصر التقنية والصورة وشبكات التواصل الاجتماعي. 

أما السجن والغرامة فهما عقوبتان لم تظهرا إلى الوجود إلا في العصر الحديث، حين انتقلت المجتمعات في الغرب من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة. إن السجن ارتبط بظهور الدولة الحديثة، والاقتصاد الرأسمالي. فأصبح السجن وسيلة للإنتاج المادي الرأسمالي، ووسيلة للضبط من خلال وضع المجرم تحت المراقبة المتواصلة عوضاً عن نفيه إذ إن النفي خارج المدينة قد يؤدي إلى استئناف الجريمة مرة أخرى.

وفي حالة عدم الاستقرار  التي ما تزال تمر بها الدولة الاسلامية "داعش" فإنه من غير الممكن أن يلجأ التنظيم إلى أن يدرج عقوبة السجن ضمن نظامه للعقوبة؛ لأن عقوبة السجن  بحاجة إلى سياقات مستقرة نسبياً، وإلى منظومة دولانية مكتملة، لا شبه دولة ما تني تشتغل بمنطوق حروب العصابات. فنظام السجن بحاجة الى إشراف وإدارة وتنظيم وبنية تحتية مستقرة وتكاليف مادية، واقتصاد انتاجي، واستقرار في بنية الدولة عموماً.  

يمكن القول إن التحول من العقوبات غير الحداثية (الجلد، البتر، الخرق، الوشم، إلخ)  إلى العقوبات الحداثية (السجن، الغرامة) يعتبر مؤشراً على تحول تنظيم الدولة الإسلامية من حالة "شبه دولة" غير مستقرة، إلى حالة الدولة المكتملة المستقرة في أوضاعها. وجدير بالتنويه أن الغرب الحديث تمحور حول فكرة التمركز ( التمركز حول العقل، التمركز حول الذات، التمركز حول القضيب، التمركز حول الصوت، إلخ)، وأن صيرورة الحداثة تنقل المجتمع من التعدد في العقوبات (البتر، الجلد، الوشم، النفي، الخرق) إلى التمركز  داخل النظام العقابي، حيث أصبح السجن هو مدار العقوبة الحديثة، بمعنى أن المجتمعات الحديثة تعرفت إلى ظاهرة التمركز حول السجن. 

 إن البعض يرى أن "داعش" يحمل بذور فنائيه، هذا على الصعيد الأخلاقي، ولكن هل عالم السياسة والحرب والرأسمالية محكوم بقواعد أخلاقية؟! وبخاصة في ظل هيمنة الفلسفة البرجماتية والعقل الأداتي الذي لا يسأل عن الغايات ويتغافل عن الأصول والمعنى والمضمون. وماذا إذا كان داعش يفتح فرصة جديدة في مكنة الاقتصاد السياسي، وما إذا كان تنظيم الدولة موجوداً في إطار جغرافي وسياسي غير مستقر بسبب اختلال موازن القوى بعد سقوط الدولة العراقية التي كانت توازي دولة إيران.

والمعنى أنه من غير المعقول في ظل هيمنة منطق الحساب المصلحي على المبدأي الأخلاقي، اسقاط احتمال امكانية إيجاد صيغة -من خلال داعش- تعبر عن توازن قوى مستقر، على سبيل المثال قوة سياسية سنية(داعش) مقابل قوة سياسية شيعية (إيران). أو احتمال السيطرة على الجماعات السلفية الجهادية وبخاصة أن داعش يفتح فرصة كبيرة لهذا الاستثمار، وبالتالي إمكانية التحكم والسيطرة، كما بينا سابقاً في مقال على موقع "عرب21".

 ما يعزز كل ذلك هو أن القوة المسيطرة على النظام العالمي أي الولايات المتحدة الأمريكية لم تحل الصراعات في العالم، ولم تقض على أي من الجماعات الإرهابية، بل على العكس فهي تستثمر في الصراعات، وتستخدم هذه الجماعات كأدوات. وكما يبين عالم السياسية البريطاني الشهير "تيموثي ميتشل" بخصوص مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية في تصعيد الصراعات في الشرق الأوسط. إذ يقول ما معناه: ما يميز سياسة الولايات المتحدة الأمريكية اعتمادها المتزايد على حروب الاستنزاف لمنع حل الصراعات وإطالة أمد العنف. تجلى ذلك في حروب إيران/العراق، أفغانستان/ السوفييت، إسرائيل/فلسطين. فضلاً عن مساعداتها في تفاقم النزاعات وتحويلها إلى حروب ممتدة. فقد شجعت الرئيس العراقي في حربه ضد إيران ودعمت الأخيرة بالسلاح عبر إسرائيل، وساهمت في توريط الاتحاد السوفيتي في المستنقع الأفغاني ومنعته من الانسحاب، من خلال مخطط جذب السوفييت إلى شرك حرب في أفغانستان، وتشجيع الجهاد الإسلامي في أفغانستان ضد الغزو السوفيتي الكافر، ولم يكن هدف واشنطن مواجهة الغزو، بل استدعاؤه. وهي ساهمت في تطويل الصراع الإسرائيلي- العربي، وفي كثير من مراحل الصراع كانت عقبة أمام أي تسوية.

والمعنى، تعتمد واشنطن على الصراع الطويل كأداة طبيعية للسياسة ساهمت في جعل الربع الأخير من القرن العشرين الأكثر عنفاً. أمام هذه الحقيقة هل يمكن الرهان على الولايات المتحدة الأمريكية لتقويض تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"؟ أليست هذه الحقيقة تجعلنا نشكك في دور واشنطن وتورطها في مشكلة داعش؟

نعم لم تدشن الولايات المتحدة أيا من هذه الصراعات التي عُرضت أعلاه، ففي كل حالة كان ثمة صراع قائم متورطة فيه أطراف محلية، ولكنها ساعدت على إدامة الصراع عَرضا للضعف النسبي للولايات المتحدة في ضوء طموحاتها الإمبراطورية. فلعدم قدرتها على إقامة هيمنتها على أجزاء عديدة في المنطقة، أو حتى السيطرة عليها بالقوة، اضطرت للجوء إلى حروب ممتدة باعتبارها الوسيلة المناسبة البديلة لإضعاف هذه القوى المحلية التي رفضت قبول سلطتها.

"داعش" سبب أم عرض؟

فضلاً عن ذلك، لا تنحصر المشكلة في "داعش" فقط، بقدر ما هي في البيئة المحرضة والحاضنة (المحلية والدولية) التي أنتجت "داعش"، ولولاها لما ظهر هذا التنظيم ولا تمَّكن من الاستمرار حتى الآن. وبالتالي نحن نقع في اختزال شديد إن اختزلنا ظاهرة "داعش" إلى عوامل ثقافية فقط من خلال ردها الى الثقافة الإسلامية سلفية متطرفة ودينية وأصولية وجهادية، إلخ. وبالتالي خلع ظاهرة "داعش" من سياقاتها المحلية والعالمية والاقتصادية والسياسية والطبقية. 

يبدو لي أن أجهزة السيطرة العالمية من دول وشركات ومنظمات عسكرية ومدنية وأمنية، تفكر في كيفية الاستثمار في جهاز "داعش" أكثر من التفكير في انهائها. وهو ما تبدى بالإضافة إلى كل ما أسلفنا قوله، من خلال ظهور بوادر انشقاقات في التحالف الدولي حول التعامل مع تنظيم الدولة "داعش". وعلى سبيل المثال، أطق قادة عسكريون وسياسيون أردنيون مقرّبون من مركز صناعة القرار، تصريحات مفادها " الأردن لن يخوض حرباً برية ضد "داعش"... حتى الآن" . وثمة خشية لدى البعض بخصوص تراجع الموقف الامريكي وبخاصة ما يتضح حول مشروع القانون الأمريكي حول استخدام القوة ضد تنظيم الدولة الإسلامية " داعش" حيث انتقد جمهوريو الكونغرس المشروع، لأنّه، بحسبهم، يتراجع عن هدف "تدمير داعش إلى "إلحاق الهزيمة بالتنظيم"، من خلال السعي "إلى تقليص قدرات تنظيم داعش". علماً أن أوباما تعهد  في "استراتيجية الأمن القومي" التي صدرت عن الإدارة الأمريكية في الفترة الأخيرة، بتدمير "داعش"، دون أن يتم تحديد استراتيجية لتحقيق هذا الهدف.

نعم "داعش تنظيم" مجرم وإرهابي ولا داعي في كل مرة أن نكرر ذلك، ولكن إرهاب "داعش" هو إرهاب ظاهر ومكشوف يستخدم العنف كوسيلة. ولكن في المقابل ينبغي عدم تجاهل أن هناك أجهزةً وجماعاتٍ ودولاً أكثر إرهاباً من "داعش"، ولكنها استطاعت أن تخفي إرهابها بغطاء أخلاقي وشرعي وقانوني، لتقدمه كإرهاب مرن أو عنف رمزي أو عنف بنيوي غير مكشوف مضمر، ويحكم مسار حياة الفرد منذ لحظة الميلاد حتى الموت، إذ لا يظهر إلا في لحظات يصطدم فيه الفرد بواقعه حين يكتشف أن الحرية التي يتنسمها هي وهم وحرية مزيفة ليست سوى غطاء يقبع خلفها مصالح أنانية متخفيه وانتهازية غير أخلاقية وغير إنسانية، وقوى تسعى إلى تأبيد هيمنتها. حينها يقرر هذا الفرد المغبون أن ينقلب على هذا الوضع من خلال السعي إلى تغييره حينئذ يصطدم بواقع بنيوي مكين ويكتشف عنفاً مادياً غير معهود، ساعتها يعرف إرهاباً مكشوفاً يوازي إرهاب "داعش"، ويعرف أن الحرية التي تنسمها في السابق ليست سوى ستار بنيوي مطمور تقبع خلفه قوى عنيدة. ألم تكتشف حفريات الفيلسوف ميشيل فوكو أن أصل تكوين الذات الحديثة لم يكن على الإطلاق خارج علاقات السلطة. فالإكراه هو من صاغ الذوات الاجتماعية الحديثة، الأمر الذي ينافي خطاب الحداثة الذي يتوهم حرية تكوين الذات لنفسها وإمكانية التحقق الذاتي خارج علاقات الإخضاع، والتي تدعي أنها مكنت الإنسان من ممارسة تحققه الذاتي وحريته في توظيفه المستقل للعقل، فضلاً عن حفرياته حول السلطة الحيوية والحاكمية والآليات الانضباطية واكتشافاته حول السلطة التي تحيل إلى مجرد علاقة قوة، مما ينفي حقيقة القانون المستقلة عن العنف. والمعنى هذه الاكتشافات تبين أن مجال الحرية في حقبة الحداثة لم تكن صيرورة نحو الحرية وإنما صيرورة نحو مراقبة الفرد وتطبيعه.

ويروي لنا زيجمونت باومان في كتابه" الحداثة و الهولوكوست" سردية الحداثة لمنظور مغاير، إذ يقدم أطروحة جديدة مؤداها: أن الحداثة مكنة لتصنيع الإبادة. فمسألة الهولوكوست لا تتعلق كونها جريمة تخص اليهود، وإنما جريمة إبادة من إنتاج الحداثة لأنها تتعامل بمنظومة الرشادة الكاملة ولا تستند إلى منظومات أخلاقية، وبالتالي تفصل الصيرورة عن القيم.

وعليه ليس بمستغرب أن العالم يصمت عن إرهابٍ مكشوفٍ يُمارس على مرأى ومسمعٍ من العالم، ما رأيكم في الحرب العدوانية الصهيونية على الشعب الفلسطيني ويكفي للتذكر بالحرب الأخيرة في تموز- يوليو 2014. وما رأيكم بإجرام الولايات المتحدة الأمريكية في العراق الذي استبان بوضوح في سجونها غوانتانامو وأبو غريب. وماذا عن صمت العالم عن جرائم النظام الأسدي في سورية بما يفعله بشعبه، لماذا يصمت العالم عن كل هذا الإرهاب. فالصامت عن  الإرهاب وهو قادر على محاربته كالمساهم والشريك فيه. لا فرق بين مقترف الجريمة والقادر على منعها كلاهما مجرم يستحق العقاب. أليس هذا كله يجعلنا ألا نثق كثيراً بالقوى المسيطرة على العالم، ونراهن عليها في القضاء على "داعش".

إن ما له دلالة واضحة أن اهتمام  العالم منصب على البيئة المحلية المحرضة على الإرهاب كإحالته إلى عوامل ثقافية، ويتم تجاهل طبيعة النظام الدولي المحرض الأكبر على ظهور جماعات إرهابية. إن بنية النظام الدولي هي بنية محرضة على الإرهاب، بنية منتجة له، وهي تساهم بشكل رئيس في ظهور جماعات العنف المكشوف. إن النظام الدولي، وبخاصة القوى المسيطرة عليه، هي جزء من المشكلة وليست جزءً من الحل. واهم من يظن أن النظام الدولي المهيمن يمكن أن يقضي على الإرهاب، كيف يقضي عليه وهو سبب رئيس في صناعته واستثماره كأداة للسيطرة واستخدامه في مشاريع الهيمنة على العالم.  إن القضاء على "داعش" لن يقضي على الإرهاب، وعلى أكثر تقدير نكون قد قضينا على مظهر من مظاهرة، وعلى عرض من اعراضه، وعلى سبب من أسبابه، ولكن يبقى مُنتج العرض كما هو لم يزل موجوداً، ما يعنى ظهور "داعش" مرة ثانية وثالثة ورابعة. 

تعلمنا العلوم الاجتماعية الدرس التالي: إذا كان هناك سببان وراء ظهور حدث أو ظاهرة ما فإن القضاء على أحداهما لا يعني القضاء على الظاهرة. فالقضاء على "داعش" لا يعني القضاء على الإرهاب. وعلى الأغلب نكون قد تخلصنا من مظهر أو قل إن شئت من سبب من أسباب الارهاب، طالما بقيت الأسباب الأخرى المحرضة على الإرهاب كما هي.