حول العالم

محاولة تركيا إحياء الأبجدية العربية عبر التاريخ والحاضر (صور)

تعتبر اللغة التركية المعاصرة وليدة الجمهورية التركية الحديثة - ترك بريس
نشر الموقع التركي "ترك بريس" تقرير حول محاولة تركيا إحياء الأبجدية العربية عبر التاريخ والحاضر، أعددته الصحافية ولاء خضير، جاء فيه:

تنتشر اللغة التركية فى محيط زماني، ومكاني عظيم بين الشرق والغرب؛ حيث مرت اللغة التركية بتطورات عديدة عبر التاريخ، ولكن أشهرها على الإطلاق تطور اللغة العثمانية (أي اللغة الرسمية للدولة العثمانية)، ذات الخليط الفريد المكون من اللغات التركية، والعربية، والفارسية، بحروفها العربية، إلى اللغة التركية الحديثة، المعروفة الآن بحروفها اللاتينية.

تعتبر اللغة التركية المعاصرة آخر مراحل تطور اللغة التركية، التي شهدت تطورا فريدا فى الشكل والمضمون، وانفتحت على المفردات الأوروبية، وأدخل عليها الكثير من الإصلاحات، والتعديلات، ولم يقف هذا التطور حتى يومنا هذا.




الجذور والعائلة

اللغة التركية بكل لهجاتها، هي لغة أقوام مختلفة، وتعود جذور اللغة التركية (توركتشه Türkçe)، إلى وسط قارة آسيا، حيث تنتمي إلى سلالة (اللغات الآلطية)، نسبة إلى (جبال آلطاي) في آسيا الوسطى، حيث عُثر على نقوش ومخطوطات كُتبت بهذه اللغة، وقدر عمرها بحوالي 1.300 سنة.

وتعتبر اللغة التركية فردا رئيسيا في عائلة (اللغات التوركية)، والتي تشمل عدة لغات، وهي (التركية - الأذربيجانية - الأوزبكية - التركمانية - القازاخية - القيرغيزية - التترية).

ويتحدث تلك اللغات مجتمعة كلغة أم، حوالي 280 مليون نسمة، ولكن أهمهم جميعا وأشهرهم، اللغة التركية، المعتمدة رسميا لغة أم لأكثر من 88 مليون نسمة، في الجمهورية التركية، وشمال قبرص، وبعض الدول الأخرى ذات الأقليات التركية المسلمة.

وتنقلت هذه اللغة بين فترات وعصور متعاقبة، فاتخدت أيضا من العربية والفارسية شعرا، وأدبا، وانتشرت اللغة التركية بحروفها العربية، وتوسع نطاقها، وارتفع عدد متحدثيها مع اتساع رقعة الدولة العثمانية، ولا يعرف متى بالتحديد تم اعتماد الحروف العربية لكتابة اللغة التركية العثمانية، غير أن ثمة روايات تقول بأن السلطان "مراد الأول"، هو أول من اعتمد اللغة التركية لغة رسمية للدولة العثمانية.

الفرق بين اللغة التركية واللغة العثمانية (Türkçesi ve Osmanl?cas?)

مرت اللغة التركية بتطورات عديدة عبر التاريخ، ولكن أشهرها على الإطلاق؛ كان تطور اللغة العثمانية (اللغة الرسمية للدولة العثمانية)، -ذات الخليط الفريد المكون من اللغات التركية، والعربية، والفارسية بحروفها العربية-، إلى اللغة التركية الحديثة المعروفه الآن بحروفها اللاتينية.

واستمر استخدام اللغة التركية، بحروفها وكتابتها العربية، والفارسية خلال العصر العثماني، على سيبل المثال اسمعوا لهذه الجملة، نقلا من أحد المصادر التاريخية العثمانية : "بلقاندن أخبار هزائم مؤلمة عاجلا ورود ايتدي"، أي "وردت أخبار هزائم مؤلمة من البلقان"، إنها جملة تركية، ولكنها كانت تكتب، وتقرأ بكلمات عربية.



(الانقلاب اللغوي) وولادة اللغة التركية الحديثة

بعد تأسيس دولة الجمهورية التركية، عام 1923، وبعد خمسة أعوام من حكم مصطفى كمال أتاتورك، كأول رئيس للجمهورية التركية، أصدر عام 1928، جملة من القرارات التي غيرت مجرى التاريخ بالبلاد، تضمنت حظر كتابة اللغة التركية بالأبجدية العربية، وتحويلها إلى الأبجدية اللاتينية.

وينقل عن اجتماع ترأسه "أتاتورك" مع لجنة من المختصين لصياغة الأحرف الجديدة، أن أتاتورك علق على رأي الخبير "فالح رفقي أتاي"، بأن تطبيق الأبجدية الجديدة سيستغرق من 15 إلى 20 عاما، بقوله: إننا "سوف نغيرها في ظرف ثلاثة أشهر".

وأعلن القائد "أتاتورك" عن إصلاحات وتشكيلات جديدة لا بد من  تطويرها باللغة التركية، وأنشأ جمعية (اللغة التركية) عام 1932، بهدف استبدال ما أمكن من كلمات ذات الأصل الفارسي أو العربي، بما يقابلها بالتركي (الأبجدية اللاتينية).



وتمكنت الجمعية خلال فترة وجيزة من استبدال المئات من المصطلحات، والكلمات ذات الأصول الأجنبية، بأخرى تركية، ومنعت تداول تلك الكلمات والمصطلحات، واستخدام ما استحدث من عبارات وكلمات جديدة.

وعلمت الجمعية على إحياء بعض المصطلحات التركية القديمة، التي لم تكن قد استخدمت منذ قرون طويلة.

وكان لتغيير أبجدية البلاد، والكثير من مصطلحاتها، أثر كبير في جعل أهل تركيا يختلفون ويتباينون في الكلام، فكانت الأجيال المولودة قبل عقد الأربعينيات من القرن العشرين تتحدث بالتركية العثمانية، ذات المصطلحات العربية، والفارسية، بينما أخذت الأجيال الأصغر سنا تتحدث بالتركية الحديثة.

وعانى حينها المثقفون والمتعلمون من استحداث اللغة الجديدة، حيث شملت حركة الإصلاح حروف اللغة نفسها، فأستبدلت بحروف فارسية، بدلا عن الحروف العربية، وبسبب هذا التغيير تعرض مثقفوا ومتعلموا الشعب التركي ممن عاشوا في حقبة العشرينيات والثلاثينيات، إلى حالة أمية مفاجئة، حيث اضطروا للتقيد بالمدارس، وحضور دروس في اللغة التركية الحديثة، حتى يواكبوا العصر الجديد.

أمثال للتغيير اللغوي    

الفعل العثماني: "إفتخار" إيتمك، ومعناه (يفتخر) تغير ليصبح: ِِövünmek (أوفونمك)، والتي معناها يتفاخر أو يتباهى.

الكلمة العثمانية: "نسبت" ومعناها (نسبة)، تغيرت لتصبح: oran (أوران)، وتحمل المعنى نفسه.

الكلمة العثمانية: "طيارة" ومعناها (طائرة)، تغيرت لتصبح uçak (أوتشاق)، وهي مشتقة من الفعل: uçmak ، ومعناه: يطير.



لغة مسلسل حريم السلطان

على سبيل المثال اللغة المستخدمة في مسلسل "حريم السلطان"، هي اللغة العثمانية، حيث إجتهد كاتب السيناريو، أن يستخدم المفردات العثمانية ذات الأصول العربية والفارسية في الحوار، بين أبطال العمل الدرامي.

فنجد مثلا أنه إستخدم كثيرا كلمة (خيلي مشغول)، ومعناها (مشغول جدا)، ووضع كلمة (خيلي) الفارسية ومعناها (جدا - للغاية)، بدلا من كلمة (تشوك çok) التركية، كما وضع كلمة (ندامات) العثمانية ذات الأصل العربي، ومعناها (ندم) بدلا  من الكلمة التركية (بيشمانليك pi?manl?k) .

محاولة إحياء الكتابة بالأبجدية العربية

تعتزم الحكومة التركية الحالية برئاسة "رجب طيب أردوغان" إحياء اللُغة التُركية العثمانية المكتوبة بأحرف عربية، وإدراجها في المناهج التدريسية الرسمية في تركيا.

وقد برر الرئيس "أردوغان" هذا القرار بقوله إن "اللغة تعتبر بمثابة الوصف الرئيس للحضارة والذاكرة، بل والوصف الذي من خلاله تبنى الأمم، وبدونها تفنى"، ويتساءل "هل هناك شعب في العالم لا يستطيع أبناؤه أن يقرؤوا لغة أجدادهم التي كتبت قبل 100 عام فقط؟".

وأشارة إلى أن الأمة التركية، باتت عاجزة عن قراءة ملايين الوثائق الموجودة في دور المحفوظات الضخمة بالبلاد، وذلك لانقطاعها عن اللغة التي كتبت بها.

وأضاف قائلا: "بسلبكم اللغة من مجتمع ما، تكونون قد سلبتموه حضارته وذاكرته. أقول هذا باعتبارنا أمة دفعت الثمن غاليا لسلبنا لغتنا، فالاعتداء على لغة مجتمع ما، يعني الاعتداء على دين هذا المجتمع، وثقافته وفنونه وآدابه".

وينظر في تركيا إلى أن إعادة إحياء اللغة العثمانية، باتت جزءا من الطرح الثقافي والحضاري الذي يتبناه حزب العدالة والتنمية، ضمن رؤيته لمشروع "الجمهورية الثانية" عام 2023، في محاولة لإعادة صلة الأتراك بتاريخهم المدون بالحرف العربي، وصلتهم بمحيطهم وتاريخهم الإسلامي، وصلتهم بالقرآن الكريم.