مقالات مختارة

خلطة سورية قومية وطائفية

1300x600
كتب محمد علي فرحات: "نحن نعيش في كون طائفي" كلمة سمعتها من إلياس مرقص في ثمانينيات القرن الماضي، ولم يتح العمر للمفكر السوري الماركسي (توفي عام 1991) أن يشهد تمزق وطنه بسكاكين الفكرين الديني والقومي، بتشجيع إقليمي وعالمي وبـ"فضل" نظام حوّل سوريا إلى معتقل، دافعا المواطنين إلى تحطيمه.

سلبيات القومية والإسلام السياسي واحتراف الزبائنية العسكرية والسياسية تتلاقى في المأساة السورية، خصوصا مع الحضور الإيراني والتركي على الأرض، واحتشاد الأجواء بالطيران الحربي الأمريكي والروسي.. والفرنسي أحيانا.

نعيش في كون تفسده القومية العمياء والإسلام السياسي غير المنضبط، ربما يكون هذا الكلام تعديلا لقول إلياس مرقص.

ويتجسد ذلك في غضب النظام والمعارضة معا من احتلال "وحدات حماية الشعب الكردي" تل أبيض وجوارها، لكون المنطقة عربية فلا يرضى الفريقان أن يستولي عليها الأكراد.

وقد شارك رجب طيب أردوغان في الغضب "القومي"، لأن الأكراد دفعوا سكان قرى تركمانيين في المنطقة إلى التوجه نحو تركيا التي اعتبرتهم عائدين إلى الوطن، وليسوا لاجئين سوريين.

هنا نذكر حرص أردوغان لدى زيارته لبنان في خريف عام 2010، على تفقّد بلدة عيدمون في عكار والالتقاء بسكانها التركمان، وربما شعر هؤلاء بالحرج لتمييزهم "القومي" عن سائر المواطنين اللبنانيين، خصوصا عن أهل مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان، لكن أردوغان عاملهم على أنهم ذراع من أذرعه القومية، الأمر الذي يتكرر مع تركمان سوريا والعراق وبلاد آسيوية أخرى حتى شمال الصين.

ويعرف أردوغان أن أذرعه القومية في سوريا والعراق هامشية أمام العرب والأكراد، لذلك يعتمد جماعات الإسلام السياسي، وهو، بصفته قياديا في حزب شقيق لـ"الإخوان المسلمين"، يفضل تقديم هؤلاء على غيرهم، وسبق أن نصح بشار الأسد بتعيين رئيس حكومة "إخواني" شرطا لضمان استمرار النظام السوري، وكان رفض الأسد السبب الرئيس لغضبة أردوغان، وإعلاء صوته فوق الأصوات الداعية إلى إسقاط النظام بدءا من رئيسه.

لكن مشكلة الرئيس التركي وسائر مشجعي الإسلام السياسي تتفاقم أمام جماعات إسلامية تشكو من مرضين رئيسين، الأول تشظّيها إلى جماعات متناحرة تتحارب أحيانا على أحقية تمثيل الإسلام السياسي كما على المصالح المادية لقادتها أو "أمرائها".

والمرض الثاني أن الإسلام السياسي لا ينضبط بحدود دينية أو وضعية، إنما يعيش حال انزلاق بسبب أجواء المنافسة، وصولا إلى التطرف الذي يؤذي المسلمين قبل غيرهم.

هكذا انقصف الحكم "الإخواني" في مصر، لأنه أطلق التطرف الديني، وكان يمكن قصف حكم أردوغان لولا التكوين العلماني الأتاتوركي للدولة التركية، فضلا عن نزعة قومية لحزب أردوغان الإسلامي الذي يحكم تركيا بوجهين يستخدم كلا منهما وفق مقتضى الحال.

ماذا يفعل الأمريكي في سوريا أمام التباسات شريكه التركي القومية والإسلامية؟

واشنطن التي خاب أملها بإرسال أسلحة إلى مقاتلين تفترض اعتدالهم فيسلمونها إلى متطرفين، وقد يسلمون انفسهم مع الأسلحة، بدأت تلقي من الجو أسلحة إلى معارضين عرب متحالفين مع المقاتلين الأكراد، تمهيدا لمحاربة "داعش" واحتلال مدينة الرقة السورية، عاصمته.

وإذا قُدّر لهؤلاء النصر ستتعالى الاعتراضات القومية العربية من طرفي النظام والمعارضة، لأن الأكراد هم القادة الحقيقيون للتحالف الذي تدعمه أمريكا.. ومثل الاعتراض القومي، هناك اعتراض إسلامي عام على تدخُّل الجيش الروسي الأرثوذكسي في سوريا، واعتراض إسلامي "سنّي"، على تدخُّل جنود إيرانيين ومليشيات "شيعية" لنصرة النظام "العلوي".

خلطة قومية إسلامية طائفية في سوريا يصعب استيعابها، لأنها، في صورة ما، تعبير عن مأزق الدولة العميق في الشرق منذ انحطاط العثمانيين في أواسط القرن التاسع عشر.

(عن صحيفة الحياة اللندنية، تشرين الأول/ أكتوبر 2015)