ملفات وتقارير

إلى أين يمكن أن تذهب الخلافات بين أوغلو وأردوغان؟

خلافات الحزب الداخلية من شأنها أن تؤثر بشكل سلبي على الرأي العام التركي تجاه الحزب- أرشيفية
أثار الخلاف الدائر بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، العديد من التكهنات حول الآثار المترتبة على ذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي، خاصة أن تركيا هي الدولة المحورية في إقليم ملتهب.  

ووصف الكاتب والباحث في الشأن التركي سعيد الحاج، ما يجري في أروقة حزب العدالة والتنمية التركي بأنّه "انقلاب ناعم" من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على رئيس الحزب أحمد داود أوغلو الذي يرفض أن يكون مجرد رقم أو واجهة فقط في الحزب.

وقال سعيد الحاج في حديثه لـ"عربي21"، إن خلافات الحزب من شأنها إذا تفاقمت وخرجت عن سياقها الداخلي أن تؤثر بشكل بالغ على كافة الملفات الداخلية والخارجية.

وفي قراءته للسيناريوهات المتوقعة، رجح الحاج أن يمضي أردوغان في سعيه إلى دعم قيادة جديدة من الخلف وأن تمضي الأمور وكأن شيئا لم يكن، كما حدث حين تفاقم الخلاف بين أردوغان والرئيس التركي الأسبق عبدالله غل.

وأكد أن أردوغان سيسعى هذه المرة في أن لا تكون قيادة الحزب شخصية قوية "كاريزميا" وإن كانت تحظى بحضور فاعل داخل أوساط الحزب، لتجنّب الاصطدام بين رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة، وأن يكون في النهاية مجرد منفذ لرؤى وسياسات أردوغان، وفقا للحاج.

وتوقع الحاج أن تتراوح الأسماء الكبيرة المرشحة لقيادة الحزب خلفا لأوغلو، بين وزير المواصلات وذراع أردوغان الأيمن في الحزب، بن علي يلدرم، ووزير الدفاع التركي عصمت يلماز، وهناك خيار ثالث يشير إلى وزير العدل التركي بكير بوزداغ.

أما السيناريو الآخر وهو المستبعد، بحسب الحاج، فهو إمكان أن يدعو أردوغان لانتخابات نيابية مبكرة، والدافع لها استطلاعات الرأي التي تؤكد زيادة شعبية حزب العدالة والتنمية، وإمكان أن يحصل في الانتخابات القادمة على أغلبية مريحة تمكنه من تغيير دستور الدولة وإقرار النظام الرئاسي الذي يسعى أردوغان إلى تطبيقه.

ونوه إلى أن الغموض ما زال يلف مجريات الأحداث ومستقبل الحزب برمّته، خاصة أن الخلافات نشبت في قيادة الحزب، وهذا الأمر يثير مخاوف كبيرة بين مؤيدي الحزب وأنصاره في داخل تركيا وخارجها.

طبيعة الخلافات


وشدد الحاج على أن الرجلين القويين في الحزب لا يختلفان على الرؤى والاستراتيجيات الداخلية والخارجية، ولكن الخلاف بينهما يكمن حول طريقة إدارة الحزب والحكومة، وطبيعة التنافس على النفوذ وآليات اتخاذ القرار، إذ إن النظام الدستوري الذي تطبقه تركيا يوجد مساحة للتعارض والتقاطعات التي قد تؤدي للصدام بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة.

ونوه إلى أن أردوغان بطبيعة الحال استقال من الحزب بعد رئاسته للدولة التركية، ولكنه ما زال صاحب الحظوة والولاء، وله الدعم الكبير من المؤسسات العليا داخل حزب العدالة والتنمية، مشددا على أنه ما زال يريد أن تتم استشارته في كل صغيرة وكبيرة وهو الأمر الذي يصطدم بأوغلو صاحب الشخصية المستقلة.

وقال الحاج إن أوغلو اصطدم برغبات أردوغان خلال الفترة الماضية في عدة ملفات حول الانتخابات الداخلية للحزب والنظام الرئاسي واختيار الحكومة، وقد وصل الطرفان إلى طريق مسدود في إدارة الخلاف بينهما، وفشلت كل الوساطات لردم الهوة بينهما وهذا أدى إلى انسحاب أحمد داود أوغلو من مشهد الحزب بعدما رفض أن يكون مجرد رقم.

إقرأ أيضا: مصادر: ساعات حاسمة في صراع النفوذ بين أردوغان وأوغلو

محاولات لإثارة الفتنة

من جهته، اتهم الباحث في الشأن التركي إسماعيل ياشا، أطرافا لم يسمّها بالسعي إلى إثارة الفتنة داخل حزب العدالة والتنمية.

وقال ياشا إن حزب العدالة والتنمية يتعرض هذه الأيام لمحاولة مماثلة تهدف هذه المرة إلى إثارة الفتنة بين أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، بعدما فشلت جميع الخطط في إسقاط أردوغان، وحصل حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة على أصوات نصف الناخبين.

ونوه إلى أن أصحاب المحاولة الجديدة يقولون لأحد الطرفين، إن رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان يقيِّد حرية رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو، ويقلص صلاحياته لتعزيز نفوذه في الحزب والسلطة، فيما يقولون للطرف الآخر إن داود أوغلو يسعى للإطاحة بأردوغان وتجاوزه ليسجنه عمليا في القصر الجمهوري.

وأشار إلى أن النقاش حول الخلاف بين أردوغان وداود أوغلو احتدم في الأيام الأخيرة بعد اتخاذ الحزب قرارا لسحب صلاحية تعيين مسؤولي الحزب في المحافظات والأقضية من رئيس الحزب، وإعطائها إلى اللجنة المركزية لاتخاذ القرار والإدارة التي كانت لديها هذه الصلاحية في البداية، ما يعني أنها استعادتها. وقال الناطق باسم حزب العدالة والتنمية، عمر تشليك، إنها خطوة فنية، نافيا وجود أي أزمة في الحزب، ولكن توقيت هذه الخطوة فتح المجال للتكهنات.

ملف البجعة

وقال ياشا إنه وبعد هذه الخطوة، فقد نشر في الإنترنت بيان أطلق عليه "ملف البجعة" دون ذكر اسم كاتبه، ليستهدف رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، والمقربين منه، ويتهمهم بالسعي لتصفية أردوغان. وهذا البيان المجهول زاد الطين بلة، وصب الزيت على النار، ودخلت قوى المعارضة وجماعة غولن على الخط لتأجيج النقاش، ونشرت صحف ومواقع معروفة بعدائها لحزب العدالة والتنمية تقارير تزعم أن السيوف سلت للسيطرة على الحزب. 

وأكد الباحث في الشأن التركي، أن مكانة أردوغان في حزب العدالة والتنمية وقلوب مؤيديه معروفة، وهو مؤسس الحركة السياسية التي يمثلها حزب العدالة والتنمية، وليس بحاجة إلى استهداف داود أوغلو ببيان كتبه مجهول لا يتجرأ على إعلان هويته. وإن كانت هناك مسائل يحب أن يناقشها مع داود أوغلو فبإمكانه أن يدعوه إلى القصر الجمهوري أو يستقبله في مكان آخر، كما أنه يدرك جيدا من خلال تجربته السياسية العميقة أن مثل هذه الأساليب تضر به بدلا من أن تنفعه. أما داود أوغلو، فيبذل قصارى جهده لنجاح حزب العدالة والتنمية منذ أن تولى رئاسة الحزب خلفا لأردوغان، ويعمل في تناغم كبير مع رئيس الجمهورية. 

تشويه أردوغان


وشدد ياشا على أن هذه المحاولة تهدف أيضا إلى تصوير أردوغان الذي يقهرهم نجاحه وفشلوا في إسقاطه، سواء عن طريق الانتخابات أم الانقلاب عليه، كزعيم متسلط يحب التفرد بالسلطة وتتزايد ميوله الدكتاتورية يوما بعد يوم، كما أنهم يرون أن أي صراع محتمل بين أردوغان وداود أوغلو من شأنه أن يضعف الاثنين، وأن داود أوغلو خصم سياسي يسهل التغلب عليه، ما يفسر اصطفافهم لتشجيع هذا الأخير على التمرد ضد أردوغان، على حد تعبيره.

من جهته، أكد سعيد الحاج أن ما يجري داخل الحزب اليوم من خلافات سيضر كثيرا بصورة الحزب في الرأي العام التركي، وسيعزز الصورة التي يروجها معارضو أردوغان على أنه يقصي الجميع، والأهم من ذلك أن هذه الخلافات يمكن أن تدفع الناخب التركي لمعاقبة حزب العدالة والتنمية مرة أخرى في أي انتخابات قادمة، كما فعل سابقا.

من الجدير بالذكر، أن مصدرا مطلعا في حزب العدالة والتنمية التركي، أكد لـ"عربي21" أن رئيس الحزب ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو استقال من منصبه في مؤتمر داخلي للحزب، بعد فشل الوساطات لحل الخلاف بينه وبين الرئيس رجب طيب أردوغان، مشيرا إلى أن الاستقالة ستعلن رسميا الخميس.

إقرأ أيضا: أوغلو يستقيل من رئاسة حزب العدالة بسبب صراعه مع أردوغان