كتاب عربي 21

حزب الله وحرب بلا أفق

1300x600
يخوض حزب الله في سوريا حربا خاسرة دون أفق للنصر والفوز، وتبدو خياراته كارثية على الصعيدين المادي والرمزي، إذ يواجه الحزب اليوم تحديا وجوديا يبدد صورته الناصعة ويعصف بكافة أطروحاته الإيديولوجية وإنجازاته التاريخية التي عمل على بنائها منذ ظهوره وتأسيسه في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، باعتباره حركة "مقاومة" للإمبريالية والصهيونية، فقد أصبح بطرائق عديدة حليفا موضوعيا للقوى التي عمل على مناهضتها ومقاومتها، وتحول من أيقونة نضالية تقدمية إلى حركة دينية "طائفية" كحزب "ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في  ولاية الفقيه"، كما جاء في بيان التأسيس.

الوجه التاريخي المقاوم لحزب الله أثمر بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في أيار/ مايو 2000، وقد تعززت صورة الحزب المقاوم بعد مواجهة العدوان الإسرائيلي في تموز/ يوليو 2006، إلا أن الوجه "الطائفي" تكشف على خلفية الثورة السورية التي كشفت عن الصلة "الطائفية" الممتثلة لأوامر "الولي الفقيه" في طهران، التي تقدم دعما ماليا للحزب يصل إلى نحو 100 مليون دولار سنوياً بحسب التقديرات الأمريكية، كما أن خسائر الحزب البشرية في حرب سوريا تفوق بصورة كبيرة ما خسره الحزب في حروبه مع إسرائيل على صعيد القيادات والأفراد.

عندما قتل القيادي البارز في "حزب الله" مصطفى بدر الدين، في سوريا في أيار/ مايو الماضي كانت أحزان الحزب مضاعفة ليس بسبب أهميته المؤكدة فحسب، ولكن لأنه لم يقتل في مواجهة إسرائيل في سياق المقاومة، وإنما على يد أعداء جدد من السنة كانوا حتى وقت قريب حاضنة شعبية للمقاومة والممانعة.

منذ اندلاع الثورة السورية بات سقوط قيادات على يد إسرائيل  أمثال جهاد مغنية وسمير القنطار حالة استثنائية فمعظم كبار قادة "حزب الله" لقوا مصرعهم على أيدي الثوار السنة وليس على أيدي الإسرائيليين، ففي صيف عام 2013، قُتل خليل محمد حامد خليل في حمص، ثم فوزي أيوب الذي قتل بمحافظة حلب في أيار/ مايو 2014، وغسان فقيه وقتل في منطقة القلمون في ريف دمشق قرب الحدود مع لبنان في حزيران/ يونيو 2015، وقُتل بعده أخوه القيادي جميل فقيه في ريف إدلب، وعلي خليل عليان قُتل في أيار/ مايو 2015 خلال معارك القلمون ضد جيش الفتح، وفادي الجزار وقتل خلال معارك القصير بريف حمص مع عدد من رفاقه في أيار/ مايو 2015، حسن علي جفال قائد قوات النخبة بالحزب، وقتلته المعارضة السورية في أيلول/ سبتمبر 2015 بمدينة الزبداني المحاذية للحدود مع لبنان، وحسن حسين الحاج من القادة المخضرمين، وكان مشرفا على مليشيات الحزب التي تقاتل في ريفي حماة وإدلب، وقُتل بمحافظة إدلب في تشرين الأول/ أكتوبر  2015، كما قُتل خليفته مهدي حسن عبيد بعد أيام من مصرعه، وفي فبراير/ شباط 2016، وقُتل علي فياض في منطقة حلب، وقتل لاقى القائد المخضرم في "حزب الله خليل علي حسن في منطقة حلب أوائل حزيران/ يونيو 2016.

سردية حزب الله تصر على الجمع بين المتناقضات لتبرير تدخلها في سوريا، إذ تفسر مخيلة الحزب ما يحدث باعتباره مؤامرة إسرائيلية، فخسارة قياداته ومقاتليه هو نتيجة منطقية لخوض حرب نسجتها مؤامرة تكفيرية إسرائيلية  أمريكية, لكن الأحداث في سوريا  تكشف عن عمق الأزمة التي يعيشها "حزب الله" فإيديولوجية الحزب المقاومة تبدو مأزومة وتعاني من اختلالات بنيوية عميقة يصعب ترميمها وإصلاحها، فاصطفاف الحزب إلى جانب نظام الأسد ومساندته وتدخله عسكريا ضد المعارضة السنيّة وضعته في بؤرة صراع طائفي، لا علاقة له بأطروحة "المقاومة" للمشروع الإسرائيلي، وظهر جليا أن سقوط الأسد يمثل للحزب ضربة قاصمة تهدد مكانته المهيمنة في لبنان.

مكانة "حزب الله" لدى الشارع العربي والإسلامي السني لم تعد كما كانت عليه قبل اندلاع الثورة السورية، وشخصية زعيمه السيد حسن نصر الله الكاريزمية باتت موضع شكوك ومناسبة للتندر، فالمبررات التي أصبحت ممجوجة ومكرورة لم تعد مقنعة، فالصورة الأكثر رواجا لدى الوسط السني تشير إلى أن "حزب الله" لم يعد "مقاومة إسلامية" خالصة للمشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، وإنما بات مجرد ميليشيا طائفية تعمل كوكيل إيراني لصالح بشار الأسد وآية الله خامنئي.

إذا كان حزب الله قد تخبط في تبرير تدخله في سوريا من نظرية المؤامرة إلى موضوعة حماية المراقد، فإن الجمع بينهما تفضحه معركة حلب التي لا تحتوي على عتبات وأضرحة مقدسة، كما أن الحزب أصبح حليفا موضوعيا للإمبريالية الأمريكية في حرب الإرهاب، وقد تكبد حزب الله خسائر كبيرة خلال المعارك الجارية في ريف حلب الجنوبي، لكن حسن نصر الله أمين عام "حزب الله" قلل من خسائر الحزب في كلمته الأخيرة في 24 حزيران/ يونيو وقال أن "القتال في سوريا اشتد وإن أعمال العنف في منطقة حلب أدت إلى مقتل 26 مقاتلا لحزب الله منذ بداية شهر يونيو حزيران"، وعلى الرغم من كون الاعتراف بعدد القتلى مسألة نادرة، إلا أن الحقيقة تشير إلى أن خسائر الحزب أكبر بكثير.

خطاب نصر الله لا يزال يصر على نظرية المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية التكفيرية فهو يقول: "نحن في سوريا ندافع عن لبنان وعن شعبنا في لبنان وعن مستقبل ومصير لبنان لأنه لا يمكن تفكيك مستقبل ومصير لبنان عما يحصل في سوريا والعراق"، وأكد على أن "إعطاء فرصة للمشروع الأمريكي التكفيري سيضيع كل الإنجازات السابقة خلال السنوات الماضية لذلك كان يجب أن نكون في منطقة حلب للدفاع عنها"، وبحسب نصر الله فإن "حلب حرب كونية يقف بوجهها الجيش السوري والحلفاء ومنهم المقاومة، أفشلت تنفيذ المشروع الأمريكي وقد تم تحقيق إنجازات ضخمة في تلك المنطقة لدرجة أن المحور الآخر كاد أن ينهار، ولذلك تدخلت واشنطن وطلبت الهدنة". 

لا يرغب حزب الله وأمينه العام حسن نصر الله بالاعتراف بأن حربه في سوريا بلا أفق على صعيد تحقيق نصر مادي صريح، لكن الأخطر هو استنزاف رصيده المعنوي الرمزي، فالحزب الذي تأسس على مبادئ "المقاومة" و"الممانعة" ضد  المشروع الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة، تحولت أولوياته باتجاه حاضنته الطبيعية السنيّة، وبات مشروعه يقوم على أسس طائفية كترس في الترسانة الإيرانية، ولا بد أن يعترف بأنه فقد ثقة معظم الجمهور السني في العالمين العربي والإسلامي، ولا بد أن يقر أن خسارته في سوريا أمام المعارضة السنية المسلحة التي تشير إلى مقتل أكثر من 1000 من مقاتليه خلال المعارك لا يمكن مقارتتها بخسائره أمام الإسرائيليين. 

إن حرب حزب الله في سوريا بلا أفق لأسباب يصعب حصرها، إذ أفضى التدخل الروسي إلى تغيرات جوهرية في طبائع الصراع ولم يعد لإيران اليد الطولى رغم دفعها بقوات نظامية فضلا عن الحرس الثوري والمليشيات الشيعية المساندة، فقد تحولت سوريا إلى ساحة صراع دولي وباتت روسيا تتمتع بمجريات الأمور وهي لا تأبه بحلفائها وتنشد مصالحها القومية وقد تنجز صفقات مع أمريكا دون النظر لمصالح حلفائها، لكن المؤكد أن الحرب سوف تتطول وخسائر حزب الله تتدرج من المجال المادي إلى المجال الرمزي.

يبدو أن حزب الله  يستنزف في سوريا وقد دفع بقرابة 5 آلاف من مقاتليه، لكن خياراته باتت أكثر صعوبة، وإذا كان قد خسر أكثر من ألف حتى الآن فهو ماض في حرب بلا أفق، وفي كلمة سابقة لحسن نصر الله بدا عدميا إذ يقول: "إذا احتاجت المعركة مع التكفيريين أن أذهب بنفسي وكل قيادة "حزب الله" للقتال في سوريا فسنذهب من أجل شعبها وشعب لبنان أيضاً" وأضاف: "إذا كان لدينا 5000 مقاتل في سوريا سيصبحون 10000"، ومع ديمومة الحرب السورية يخوض حزب الله حرب دون نصر وبلا أفق.