قضايا وآراء

كنوزنا الدينية في الإذاعة المصرية

عصام تليمة
1300x600
1300x600

الإذاعة المصرية تعد من أقدم الإذاعات في عالمنا العربي، بل هي أقدمها بلا شك، ولذا أعطاها هذا السبق ميزة بحكم أنها في مصر، فقد منحها رصيدا من الكنوز التي قلما تتوافر في إذاعة أخرى، والسبب الأهم في ذلك: ثراء مصر على المستوى العلمي والديني والفني والإبداعي، فمصر ضربت بأسهم كبرى في هذه المجالات في القرن العشرين، وقت إنشاء الإذاعة المصرية، سواء على المستوى العلمي أو الفني أو الديني.

وقد تفرع عن الإذاعة المصرية: إنشاء إذاعة القرآن الكريم، في بلد كمصر، يطلق على قرائها: ملوك دولة التلاوة، فقارئ واحد كان يكفي لجعل إذاعة القرآن الكريم مصدرا للسماع، والتلقي، فضلا عن كل عمالقة التلاوة في مصر آنذاك.

وتمتلك الإذاعة المصرية ـ سواء ببرنامجها العام، أو بإذاعة القرآن الكريم ـ كنوزا دينية لا تمتلكها بلدة إسلامية عربية أخرى، فمواد التلاوة في النهاية هي مادة سمعية، ليس لها إلا أن تظل محفوظة لتكون سمعية، بكل وسيلة تحافظ عليها لبقائها، لكن المشكلة في المواد العلمية السمعية، لكنها يجب أن تتحول لمادة مكتوبة لكي يحافظ عليها، وتظل باقية نافعة للناس، فإذا انتهت، ضاع وانتهى أثرها ونفعها، وهذا ما نخشاه للأسف.

أذكر منذ عشرين عاما طلب منا أستاذنا الراحل الدكتور حسن عيسى عبد الظاهر أن أجمع له مقدمات التلاوة التي كان يلقيها العلامة الدكتور محمد عبد الله دراز، حيث كان ينوي كتابة كتاب عنه، حيث إن الإذاعة كان لديها برنامج يومي يتلى فيه ربع من القرآن الكريم، يطلب من أحد العلماء تقديم خمس دقائق أو أكثر قليلا، يقدم فيه الربع بتفسير يدور حول الآيات التي ستقرأ، يشحذ عقل وسمع المستمع قبل التلاوة، سمي ذلك بـ: مقدمات التلاوة، وكان من بين هؤلاء: دراز رحمه الله.

ذهبت إلى دار الكتب المصرية لأبحث عن مجلة (الإذاعة) في التواريخ التي حدثني عنها أستاذنا سنة: 1954م، وما بعدها، فوجدت بالفعل عددا هائلا من هذه المقدمات تحول من مادة سمعية إلى مادة مكتوبة، ووجدت للشيخ دراز مقدمات أرباع من سورة البقرة وآل عمران، وبعض أرباع متفرقة، وصورت نسختين: أعطيت نسخة لشيخنا رحمه الله، ونسخة أخرى للشيخ أحمد فضلية رحمه الله، والذي كان معنيا بجمع تراث دراز، وقد جمعها بالفعل، ولم يشر لمصدرها، لمخاوفه الأمنية في مصر من ذكر اسمي، ولا يهم، فالمهم نشر العلم، وانتفاع الناس.

هذا بعض ما تم استدراكه لعالم واحد، هو الشيخ محمد عبد الله دراز، لكن هناك علماء كثر لهم تراث في الإذاعة، سواء العامة، أو إذاعة القرآن الكريم، لو ذكرنا الأسماء سنجد أنفسنا أمام عمالقة في العلم الشرعي، منهم على سبيل المثال: محمود شلتوت، وعبد الحليم محمود، وعبد الوهاب خلاف، ومحمد أبو زهرة، هذا فقط في جانب التفسير.

 

تمتلك الإذاعة المصرية ـ سواء ببرنامجها العام، أو بإذاعة القرآن الكريم ـ كنوزا دينية لا تمتلكها بلدة إسلامية عربية أخرى، فمواد التلاوة في النهاية هي مادة سمعية، ليس لها إلا أن تظل محفوظة لتكون سمعية، بكل وسيلة تحافظ عليها لبقائها

 



أما إذاعة القرآن الكريم، ففيها كل من ذكرنا، إضافة لآخرين، في جانب الفتوى، فقد كان هناك برامج للفتوى، منها: "بريد الإسلام"، و"بين السائل والفقيه"، وهي برامج ظلت لسنوات طويلة، كانت تقدم فيها الفتوى بشرحها المبسط، ووسطيتها المعهودة في علماء الأزهر، بل اشتهر علماء لم يكونوا معروفين من قبل بسبب هذه البرامج، منهم: الشيخ إبراهيم جلهوم، وعبد المنصف محمود، وغيرهم.

يتحسر المصريون الآن على ضياع تراثهم السينيمائي، بعد أن بيعت الأفلام القديمة الأصلية لقناة (روتانا)، وهو تراث موجود على كل حال، وما فعل به يعد جريمة بلا شك، لكن من ينقذ هذا التراث الإذاعي الكبير والمهم في الجانب الشرعي والديني، لعلماء لم يعد لهم أي تراث يذكر سوى ما قدموه من برامج إذاعية.

ولم يكتب منهم أحد ما قدمه، سوى القليل منهم، مثل: الشيخ عطية صقر رحمه الله، فقد جمع فتاواه في كتاب بعنوان: أحسن الكلام في الفتاوى والأحكام، طبعته مكتبة وهبة بالقاهرة، ومنذ سنوات طويلة رأيت فتاوى للشيخ إبراهيم جلهوم وقد كان إمام مسجد السيدة زينب، لكن بقية المشايخ والعلماء الكبار، بداية من محمد أبو زهرة وغيره منذ القدم، وقد كانوا  من فطاحل الفتوى على مستوى العالم الإسلامي كله، كيف يحافظ على هذه الكنوز، ويحفظ هذا التراث؟

هذا تراث مسموع، وأفضل حل له أن يتحول لتراث مقروء، وإذا كنا قد انتفنعنا بفتاوى أبي زهرة بعد منعه من الإذاعة والتلفزيون المصري أيام عبد الناصر، هو ومجموعة من المشايخ، فقد اضطره ذلك لتعويض الحديث للإذاعة، للحديث بالكتابة، فكان يكتب فتاوى في مجلة: (لواء الإسلام)، وغيرها من المجلات، كمنبر الإسلام، والأزهر، وغيرها، لكن المهم هنا تحويل هذا التراث السمعي والبصري لمكتوب.

وعندنا نموذج معاصر في تحويل الفتاوى السمعية، والبصرية، لمادة مكتوبة، فبقيت وبقي نفعها، وهي: (فتاوى معاصرة) للدكتور يوسف القرضاوي، فقد كانت مادة على تلفزيون قطر، وعهد بها إلى بعض تلامذته، وعلى رأسهم الشاعر الراحل المرحوم الأستاذ أحمد الصديق، ففرغ المادة في أوراق، وخرج معظمها في عدة مجلدات.

وأعتقد أن أفضل من يمكن أن يعهد إليه بهذه المهمة للمواد الفقهية في إذاعة القرآن الكريم والإذاعة المصرية: هي دار الإفتاء المصرية، فلها سابق عهد بهذا العمل، حيث جمعت فتاوى المفتين بدار الإفتاء المصرية، حيث كان السؤال والجواب يكتب، ويحفظ، وقد قامت خير قيام بجمع فتاوى المفتين حتى وصلت إلى: 54 مجلدا حتى الآن، بينما اندثرت وضاعت فتاوى لجنة الفتوى بالأزهر، ولم يبق إلا ما نشر بمجلة الأزهر، حيث جمعها صديقنا الدكتور مسعود صبري، ولم يجمع سوى القليل، لأن الكثير ضاع واندثر للأسف.

دار الإفتاء هي التي يمكن أن تقوم بهذا الواجب حاليا، بعد أن قامت بواجب سابق، حيث جمعت ما كتبه علماء الأزهر في النصف الأول من القرن العشرين في السياسة الشرعية، في أربعة مجلدات، وهو عمل مهم، يحسب لها، وأعتقد لو أنها حملت على عاتقها هذا العبء بجمع فتاوى علماء الأزهر من غير المفتين الرسميين، من الفقهاء المصريين، أعتقد أنها ستسدي عملا مهما للإفتاء، وللإفتاء المصري بشكل خاص.


سواء يكون ذلك بالتعاون بين الدار والإذاعة، أو بتبني جهة خيرية ـ كما سبق من قبل في بعض أعمال الدار ـ لهذا العمل، ويتم انتقاء الفتاوى المسموعة، والأشخاص من المفتين المهمين، ويتم تحويله لمادة مكتوبة، بكل ما يلزم من العمل العلمي والفقهي المطلوب ليخرج ويحتفظ به لأهل العلم، وهي خدمة للفتوى والعلم، ولهؤلاء العلماء الأجلاء الذين خدموا الأمة بفتواهم وفقههم.

أما مقدمات التلاوة، والمواد المسموعة في التفسير، فهو عمل لا يقل أهمية، سواء يقوم بفعل ذلك الأزهر، أو وزارة الأوقاف المصرية، أو دار الإفتاء، لأنه يحوي تأملات ونظرات علمية في كتاب الله، من فئة من أهل العلم، جمعوا بين فقه النظر والأثر، وهي بلا شك رصيد مهم وكبير، وقد حاول جمع بعض تراثه: الشيخ محمود شلتوت، في كتاب، لكنه لا يحوي كل دروسه رحمه الله، وفي كتيب آخر يجمع أحاديثه وأحاديث الشيخ محمد محمد المدني في الإذاعة، لكن الأمر أوسع وأشمل وأهم من هذه الأحاديث القليلة المتناثرة.

تلك أمنية تتعلق بكنوزنا الدينية في الإذاعة المصرية، وإذاعة القرآن الكريم، نتمنى أن تتداركها يد الرعاية والعناية، فكم من عالم قرأنا في ترجمته: وله مؤلفات في كذا ولكنها مفقودة، ومعظم العلماء الذين شاركوا في الإذاعة لم يهتموا بكتابة ما قدموا، ولذا فإن ضياع هذا التراث والكنوز يعد كمخطوطات مفقودة لعلمائنا، ولذلك قالوا في من يحيي مخطوطة ويخرجها للنور: من أحيا مخطوطة، فكأنما أحيا موءودة، لأنه نفع الأمة بعلم كان في حكم الضياع.

[email protected]


التعليقات (0)