أفكَار

العراق.. خارطة إسلامية متنوعة نشأت على هامش الإخوان (2-3)

فصائل إسلامية عراقية نشأت على هامش الإخوان بعضها تلاشى وأخرى تطورت

لم يأخذ موضوع تحالفات الإسلاميين السياسية حظّه من البحث والدراسة، وذلك لأسباب عديدة منها طول أمد العزلة السياسية التي عاشها الإسلاميون بسبب تحالفات النظم الحاكمة مع بعض القوى السياسية، واستثناء الإسلاميين من هذه التحالفات، بناء على قواسم أيدولوجية مشتركة بين الأنظمة ونلك التيارات.

لكن، مع ربيع الشعوب العربية، ومع تصدر الحركات الإسلامية للعمليات الانتخابية في أكثر من قطر عربي، نسج الإسلاميون تحالفات مختلفة مع عدد من القوى السياسية داخل مربع الحكم، وترتب عن هذه التحالفات صياغة واقع سياسي موضوعي مختلف، ما جعل هذا الموضوع  يستدعي تأطيرا نظريا على قاعدة رصد تحليلي لواقع هذه التحالفات: دواعيها وأسسها وصيغها وتوافقاتها وتوتراتها وصيغ تدبير الخلاف داخلها، وأدوارها ووظائفها، وتجاربها وحصيلتها بما في ذلك نجاحاتها وإخفاقاتها.

يشارك في هذا الملف الأول من نوعه في وسائل الإعلام العربية نخبة من السياسيين والمفكرين والإعلاميين العرب، بتقارير وآراء تقييمية لنهج الحركات الإسلامية على المستوى السياسي، ولأدائها في الحكم كما في المعارضة.

في الجزء الثاني من عرضه لتجربة الإسلاميين العراق يتوقف الكاتب والإعلامي العراقي صادق الطائي، عند نماذج حزب التحرير والكتلة الإسلامية والحركة الإسلامية الكردية.

العراق.. إسلاميون انشقوا عن الإخوان وأكراد دافعوا عن قوميتهم (3-2) 

نشأ حزب التحرير في العراق نتيجة انشقاق تيار من حركة الإخوان المسلمين، وقد حاول البعض تأسيس فرع لحزب التحرير مبكرا في العراق مطلع خمسينيات القرن الماضي، ونتيجة نهجه الانقلابي في سعيه للسيطرة على نظام الحكم، مثل حزب التحرير نموذجا جاذبا للشباب المتحمس في حقبة تعج بحركات التحرر الوطني، والملفت بالنسبة لتنظيم هذا الحزب في العراق أنه سد فراغ عدم وجود أحزاب إسلام سياسي شيعي في تلك الحقبة، إذ انتمى للحزب بعض شباب الشيعة، لكنهم سرعان ما غادروه وفضلوا الانتماء لحزب الدعوة الشيعي عند بداية نشاطه نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات.

ومن أبرز قيادات حزب التحرير/ فرع العراق كان رئيس الحزب منذ الخمسينيات الشيخ عبد العزيز البدري الذي اختلف سريعا مع فلسفة الحزب وتوجهات الأمين العام للحزب الشيخ تقي الدين النبهاني، ما أدى إلى انشقاق عبد العزيز البدري وتشكيله حركته الخاصة التي خرجت من عباءة حزب التحرير وحركة الإخوان المسلمين معا، والتي عرفت في مطلع الستينيات باسم "الكتلة الإسلامية"، الأمر الخطير في حراك "الكتلة الإسلامية" أنها شكلت جناحا عسكريا من الضباط السنة في الجيش العراقي، ونشطت طوال عقد الستينيات بالعمل تحت قيادة الشيخ عبد العزيز البدري، حتى اصطدمت بحكومة البعث الثانية، ما دفع بنظام البعث إلى إعدام الشيخ البدري مبكرا عام 1969، كما أنه تم اعتقال عدد من قيادات الحركة لينتهي بذلك وجود "الكتلة الإسلامية" في الساحة السياسية العراقية.

لقد حاول حزب التحرير منذ عام 1954 إبان العهد الملكي مرورا بالعهود الجمهورية اللاحقة الحصول على إجازة ممارسة الحياة السياسية العلنية كبقية الأحزاب المجازة، إلا أن طلبه جوبه بالرفض نتيجة منهاج عمله الذي كان يطالب بعودة الخلافة الإسلامية، بالإضافة إلى ارتباطه الوثيق بالتنظيم الرئيس للحزب في فلسطين والأردن. وبقي حزب التحرير مستمرا في العمل السياسي في أنحاء مختلفة من دول العالم وفق نظرية طوباوية هي إعادة الخلافة الإسلامية مع غياب المنهجية العملية لذلك، لكنه اختفى أو كاد من الساحة العراقية ولم يعد له نشاط مؤثر في الساحة السنية العراقية اليوم.

 

إقرأ أيضا: حزب التحرير: إعلان "الخلافة" لا قيمة له ولا أثر

الحركة الإسلامية في كردستان العراق
 
لم تبرز الحركة الإسلامية الكردية طوال حقبة نضال الكرد وتمرداتهم العديدة المطالبة بحقوقهم القومية، وربما كانت أول مراحل ظهور الحركة السياسية الإسلامية الكردية بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وكان ذلك انعكاسا لتأثيرات الثورة الإيرانية والصحوة الإسلامية على المنطقة. وكان أول شكل من أشكال التعاون بين الإسلاميين الكرد والإيرانيين عام 1980، في ما عرف بالجيش الإسلامي الكردستاني بقيادة عباس عبد الله شاهين. أما "جماعة أنصار الإسلام" بقيادة الملا كريكار فقد تأسست عام 1982 من عناصر كردية ذوي خلفية اخوانية، وكان تأسيس الجماعة في كردستان إيران وبدعم من إيران لاستخدامهم كورقة ضد النظام العراقي في الحرب الدائرة بين البلدين حينذاك.

تمتاز الحركة الإسلامية السنية الكردية عن قريناتها من حركات الإسلام السياسي السني في العراق بأنها ذات هوى قومي يحرك أجنداتها، ويدفع بسياساتها باتجاهات قد تكون مختلفة عن بقية أحزاب الإسلام السياسي، إذ كثيرا ما تقاطعت سياسات الحركات الإسلامية مع الحركات القومية نتيجة طبيعة كل تيار، إلا أن الحركة الإسلامية الكردية حاولت كثيرا أن تمزج نشاطها الإسلامي بمطالب الكرد القومية.

يشير بعض الباحثين إلى أن نقطة انطلاق الحركة الإسلامية الكردية المعاصرة ابتدأت مع كارثة مدينة حلبجة التي تعرضت للقصف بالأسلحة الكيمياوية في آذار/ مارس 1988 إبان حكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، إذ إنشق القيادي الإسلامي الكردي ملا نجم الدين كريكار عن حركة الإخوان المسلمين نتيجة يأسه من تعاطف العرب مع ما حصل لشعبه، واقترب من نهج حركة الجهاد الإسلامي المصرية التي تماهت لاحقا مع منهجية الحركات الجهادية الإسلامية وأبرزها  تنظيم القاعدة.

 

إقرأ أيضا: إسلاميو العراق الأكراد.. ثنائية القومية والتديّن 3من3

ويظهر في خارطة الإسلام السياسي السني في كردستان العراق اليوم تنظيم "الاتحاد الإسلامي في كردستان العراق" الذي تأسس عام 1994، وهو جماعة تنتهج المنهج الإصلاحي، وتعتبر وريثة نشاط الإخوان المسلمين في كردستان العراق، وهي حركة لا تمتلك جناحا مسلحا ولا تؤمن بالعمل المسلح، إنما تركز نشاطها على العمل الدعوي، وقد عمل الاتحاد الإسلامي بقيادة أمينه العام صلاح الدين محمد بهاء الدين منذ منتصف التسعينيات على دخول المعترك السياسي بدءا بحكومة الإقليم والمشاركة في مسؤولية بعض الحقائب الوزراية، ثم الانخراط لاحقا في العمل في مؤسسات الدولة الاتحادية بعد عام 2003، ليصبح الاتحاد الإسلامي الكردستاني اليوم ثالث الحركات السياسية الكردية بعد الحزبين القوميين الكرديين الكبيرين في كردستان العراق.

 

إقرأ أيضا: إخوان العراق.. عملوا بالسياسة من دون عنف ولا ميليشيات1من3