أفكَار

تجربة إسلاميي الأردن في التداول على المواقع القيادية (2من2)

تجربة إسلاميي الأردن في التداول على المناصب القيادية تستحق الدراسة والتأمل- (الأناضول)

أعاد السجال الدائر بين قيادات حركة "النهضة" التونسية حول مستقبل التداول على المناصب القيادية في إدارة شأن الحركة استعدادا لمؤتمرهم الـ11، إلى الواجهة مسألة التناوب على المناصب القيادية لدى التنظيمات الإسلامية بشكل عام.

والحقيقة أن هذا السجال المثار في تونس هذه الأيام، ليس هو الأول من نوعه، لا في تونس ولا في باقي التنظيمات المحسوبة على تيار الإسلام السياسي في المنطقة العربية والإسلامية.. لكن الجديد في هذا الملف أنه يأتي بعد نحو عقد من الزمن من اندلاع ثورات الربيع العربي، وانتقال الإسلام السياسي من المعارضة إلى الحكم، ومن السرية إلى العلن.. 

وعلى الرغم من أن عددا من الحركات الإسلامية تعاملت بسلاسة مع مطلب التداول السلمي على المناصب القيادية كما هو الحال في مصر والمغرب وموريتانيا وفلسطين مثلا، إلا أن هذا التداول لم يسلم من خدوش سياسية وأحيانا شخصية طبعت تاريخ الإسلام السياسي الحديث.. 

عربي21، تسأل: كيف تعاطى الإسلاميون مع مطلب التداول السلمي على المناصب القيادية في تنظيماتهم؟ 

يواصل الكاتب والإعلامي بسام ناصر، في الجزء الثاني والأخير عرض تجربة الحركة الإسلامية الأردنية في التعاطي مع مسألة التداول على المناصب القيادية.


إخوان الأردن.. من الدعوة إلى السياسة

ما أجمله القيادي السابق في الجماعة خالد حسنين، الذي غادرها ليؤسس مع مجموعة من قيادات الجماعة وعلى رأسهم المراقب العام الأسبق سالم الفلاحات، حزب الشراكة والإنقاذ، في حديثه عن التيارات السياسية المتنافسة داخل الجماعة على المواقع القيادية، فصله الكاتب والباحث إبراهيم غرايبة في كتابه المعنون بـ"من الدعوة إلى السياسة.. الإخوان المسلمون في الأردن: تاريخهم وأفكارهم". 

 



أشار غرايبة إلى أنه في "انتخابات المكتب التنفيذي للجماعة للدورة (1982- 1986) بدا واضحا أن ثمة اتجاهين في الجماعة يتجادلان فكريا وتنظيما: أحدهما مبني على التفاعل مع المجتمع والحوار مع الحكومات والاتجاهات والقوى السياسية والمشاركة في تنمية المجتمع وبنائه، والثاني يرى تجميع الشباب على أساب التربية الإسلامية بعيدا عن العمل العام الذي يساهم في ترقيع كيانات الجاهلية، ويشارك الحركة الإسلامية في المسؤولية عن أخطاء ومشكلات لم تكن هي سببها، وإنما الأنظمة الحاكمة والابتعاد عن الشريعة الإسلامية". 

وتابع: "وكان من رواد الاتجاه الأول يوسف العظم وأحمد الأزايدة وإسحاق الفرحان، ويعبر عن الاتجاه الثاني محمد أبو فارس وهمام سعيد، وكان يؤيدهما لأسباب أخرى ليست فكرية أو منهجية قياديون آخرون مثل على الحوامدة وإبراهيم خريسات والمراقب العام حينذاك محمد عبد الرحمن خليفة، وهؤلاء وإن كانوا يتفقون في الرأي والنظرة العامة مع الاتجاه الأول؛ فقد كانوا بتحالفون ضد الاتجاه الأول ربما لأسباب تنافسية على القيادة والتوجيه". 

من الصور التي يرصدها غرايبة للاختلافات الواقعة بين تيارات الجماعة ما كشفت عنه الانتخابات التنظيمية الداخلية التي أجريت في الجماعة عام 1990، فقد "كشفت عن تحولات تنظيمية وتركيبة كبرى في الجماعة، وقد أسست تلك الانتخابات لمرحلة جديدة ومتوالية من التحولات في مسار الجماعة، فقد أوصلت تلك الانتخابات مجموعة جديدة لقيادة الجماعة، وأبعدت مجموعة أخرى ظلت تقود الجماعة ثمانية عشر عاما (1972- 1990). 

وطبقا لغرايبة "فقد انقسمت الجماعة داخليا إلى مجموعتين، واتخذ هذا الانقسام صيغة الاعتدال والتشدد، أو ما سمي في الصحافة (الصقور والحمائم)، ولم يكن في واقع الحال سوى صراع على القيادة والتأثير والمؤسسات المالية والموارد". 

ويحدد غرايبة بداية ظهور تيار الوسط داخل الجماعة بقوله: "بدأ تيار الوسط وعيه بنفسه في سياق التحولات السياسية الأردنية، والتحولات التنظيمية في الجماعة التي عكستها بوضوح انتخابات عام 1990، ويقوم أساسا على الجيل القيادي والتنظيمي الرابع في الجماعة، وكانوا يعملون باتجاه تشكيل برنامج واقعي وطني سياسي للجماعة مستمد من الفرص والتحديات الناشئة والآفاق الممكنة بعد التحولات الديمقراطية التي جرت في البلاد، والخروج من الجدل التاريخي بين الجيلين الثاني والثالث في الجماعة، باعتبار أنه جدل لم يعد قائما أو ليس له مبرر في المرحلة الجديدة للبلاد والجماعة".

 


 
وتناول المراقب العام الأسبق للجماعة، سالم الفلاحات، في كتابه (الحركة الإسلامية في الأردن.. الإخوان المسلمون.. دراسة تاريخية وتحليلية ونقد ذاتي) بالرصد والتحليل طبيعة الاختلافات بين التيارات المختلفة داخل الجماعة، مسلطا الضوء على خلفيات تلك الاختلافات وما صاحبها من كولسات، وما نتج عنها من تحالفات وانقلابات في أوساط تيارات الصقور والحمائم والوسط داخل صفوف الجماعة". 

من جهته وصف الباحث والخبير في الحركات الإسلامية، حسن أبو هنية "تجربة جماعة الإخوان المسلمين في الأردن بالتجربة الديمقراطية التي تتفوق بها على كثير من الأحزاب اليسارية والقومية، ويمكن اعتبارها من أفضل النماذج المتاحة قياسا بالتجارب الحزبية الأخرى". 

وأردف: "من خلال الرصد والبحث والمتابعة والمقارنة فإن جماعة الإخوان تدير شأنها التنظيمي الداخلي عبر عملية ديمقراطية يتم فيها تداول المواقع القيادية بسلاسة حسب النظام الأساسي واللوائح الداخلية، ويتم احترام نتائج تلك العملية وعدم الاعتراض عليها، حتى منصب المراقب العام الذي تداولته ست شخصيات قيادية منذ تأسيس الجماعة إلى اليوم".

 



وردا على سؤال "عربي21" حول وجود كولسات داخلية تُعنى بترتيب الأوضاع قبل الانتخابات التنظيمية الداخلية، تساءل أبو هنية: "وما الذي يضير في ذلك، فهي موجودة في كل الممارسات الحزبية الديمقراطية، إذ إن من حق كل تيار أن يرتب أموره، ويقوم بما يستطيعه من الحشد والتأييد لكسب القواعد والمؤيدين لكسب الانتخابات والظفر بالمواقع القيادية". 

وأضاف: "ما الغريب في أن يحدث داخل جماعة واسعة، بتياراتها المتعددة، كجماعة الإخوان المسلمين التي تعد من أقدم الحركات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي، تنافس على المواقع القيادية ضمن الأطر التنظيمية الحاكمة للجماعة، فتارة يتقدم التيار الإصلاحي، وتارة أخرى يتقدم التيار المحافظ، وقد يتمكن تيار الوسط في وقت آخر من التقدم وتولي زمام القيادة؟".

وأبدى أبو هنية اعتراضه على إطلاق وصف الديكتاتورية على ممارسات الجماعة التنظيمية، واصفا ذلك التوصيف بأنه "انحياز لرؤية مسبقة منحازة لأفكار ورؤى خصوم الجماعة الفكريين والسياسيين، وهو يصدر في الوقت ذاته عن قراءات استشراقية معروفة، وهو لا يعبر عن موقف بحثي محترم ينحاز للمعرفة والدليل والقراءة الموضوعية الهادئة". 

وبدوره قال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية، الدكتور جمال الشلبي: "من المؤكد أن المناخ السياسي المستقر والمنفتح ينعكس على أداء الأحزاب والحركات السياسية، وهو ما توفر بقدر معقول في التجربة الديمقراطية الأردنية بعد استئناف الانتخابات البرلمانية وعودة الحياة الديمقراطية منذ عام 1989".

وأردف في حديثه لـ"عربي21": "تجربة الحركة الإسلامية في التداول على المواقع والمسؤوليات القيادية في الأردن من التجارب التي تستحق التأمل والدراسة، فعلى الرغم من كل الاختلافات الداخلية التي حدثت بين تياراتها المختلفة والتي آلت إلى خروج قيادات من الصف الأول والثاني من الجماعة، إلا أنها قدمت تجربة ملفتة للنظر في التداول على المواقع القيادية فيها". 

 



ولفت الشلبي إلى أن "الحركة مع تمكنها من إدارة شؤونها التنظيمية حسب قوانينها ولوائحها الداخلية، في انتخابات مجالس الشورى والشعب والمناصب القيادية المختلفة فيها، إلا أنها أخفقت في لملمة خلافاتها الداخلية وهو ما نتج عنه خروج قيادات مرموقة من صفوفها لتشكل كيانات وأحزابا جديدة".
 
ولفت الشلبي في ختام حديثه إلى أن "ظهور تلك الكيانات الجديدة الخارجة من رحم الجماعة كجمعية جماعة الإخوان المسلمين، التي ترأسها عبد المجيد الذنبيات (مراقب عام سابق للجماعة)، وحزب الشراكة والإنقاد الذي يشغل منصب نائب أمينه العام سالم الفلاحات (مراقب عام سابق للجماعة)، وحزب المؤتمر الوطني (زمزم) الذي يتولى منصب أمينه العام الدكتور ارحيل غرايبة (مدير الدائرة السياسية السابق للجماعة).. يستحق دراسة تحليلية متأنية، للوقوف على الأسباب الحقيقية، ومعرفة طبيعة الخلافات والرؤى، والأهم من ذلك كله مدى تأثير ذلك على قوة الجماعة وتماسكها".